Top
Image Alt

مفهوم الاستنباط

  /  مفهوم الاستنباط

مفهوم الاستنباط

الاستنباط لغة:

الاستخراج، يُقال: نبط الماء نبع، وبابه دخل، وجلس، والنبط الماء الذي ينبط من قعر البئر إذا حفرت، وقد نبط ماؤها ينبط، وينبط نبطًا، ونبوطًا، وأنبطنا الماء، أي: استنبطناه وانتهينا إليه.

وقال ابن منظور: “واستنبطه، واستنبط منه علمًا وخبرًا ومالًا، استخرجه، والاستنباط الاستخراج، واستنبط الفقيه إذا استخرج الفقهَ الباطن باجتهادِهِ وفهمه”.

وقال ابن سريج: “وقد علم الجميع بأن النصوص لم تحط بجميع الحوادث، فعرفنا أن الله قد أبان حكمها بغير طريق النص، وهو القياس ويؤيد ذلك قوله تعالى {لَعَلِمَهُ الّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} [النساء: 83] لأن الاستنباط هو الاستخراج وهو بالقياس”.

ويقول الشوكاني: “ويُجاب عنه بأن الاستنباط هو استخراج الدليل على المدلول، بالنظر فيما يفيده من العموم، أو الخصوص، أو الإطلاق، أو التقييد، أو الإجمال، أو التبيين في نفس النص، أو نحو ذلك مما يكون طريقًا إلى استخراج الدليل منه” ثم قال: “ولو سلمنا باندراج القياس تحت مسمى الاستنباط؛ لكان ذلك مخصوصًا بالقياس المنصوص على علته، وقياس الفحوى ونحوه، لا بما كان ملحقًا بمسلك من مسالك العلة التي هي محض رأي لم يدل عليها دليل من الشرع، فإن ذلك ليس من الاستنباط من الشرع بما أذن الله به، بل من الاستنباط بما لم يأذن الله به”.

ويقول الآمدي في الرد أيضًا على من قصر الاستنباط في الآية السابقة عن القياس؛ لأنه يمكن أن يُراد بالاستنباط استخراج الحكم من دليله وهو أعم من القياس: “ولهذا يصح أن يُقال لمستخرج الحكم من دلالة النص: إنه مستنبط، ومعنى الاستنباط الاستخراج، يُقال استنبط الماء من باطن الأرض بمعنى استخرجه، وهو يحتاج إلى بذل الجهد كما هو ظاهر، حتى يمكن الوصول إلى النتيجة المطلوبة” ومن هنا كان الاستنباط بمعناه الشرعي بذل الجهد الفكري لاستخراج الحكم الشرعي لمسألة من المسائل الفرعية التي يُراد معرفة حكم الله فيها، واستخراج هذا الحكم إنما يكون من الأدلة الشرعية، فالمجتهد يبحث بفكره وعقله في الدليل الشرعي الكتاب أو السنة، حتى يصل إلى الحكم المراد معرفته بخصوص الواقعة الجزئية المعروضة، وفي قواعد الفقه الاستنباط لغة استخراج الماء من العين.

 الاستنباط اصطلاحًا:

قال الجرجاني في (التعريفات): اصطلاحًا: “استخراج المعاني من النصوص بفرط الذهن وقوة القريحة، والاستنباط من قدرات العقل الإنساني التي وهبها الله الإنسان حيث يستطيع الإنسان إذا ما أعمل فكره في الظاهرة سواء كانت إنسانية أم طبيعية أن يستنتج العوامل المتسببة فيها، وكذلك إذا أعمل فِكْرَهُ في كتاب الله، أو سنة رسوله أن يستنبط الحكم الشرعي، ويعتبر الاستنباط المنهج الرئيسي في استخراج الحكم الشرعي من النصوص”.

وقد سعى العلماء المسلمين منذ عهد مبكر في وضع ضوابط له فنشأ علم أصول الفقه الذي يهدف إلى ضبط وتوجيه الفهم لإدراك حكم الله من النص، ولم يقتصر الاستنباط على ميدان الفقه، بل أنه جزء من كل علم شرعي، ولكنه تجلى أكثر في ميدان الفقه، وذلك للحاجة الكبيرة للفقهاء في ضبط الاستنباط، فقاموا بتقعيده، وتنظيم مسائله، وجمعه تحت مظلة واحدة هي أصول الفقه، ومن ثم انتفع طلبة العلم في كافة التخصصات من هذا العلم.

ومن ضمن العلوم التي استفادت العلوم الإنسانية إذا استخدم طائفة من الباحثين منهج الاستنباط في استخراج سنن الله عز وجل في السلوك الإنساني سواء من استقراء أحول الناس، أو من استقراء النصوص الشرعية.

وينقسم المنهج الاستنباطي إلى نوعين:

الأول: منهج استنباط الأحكام التربوية من النصوص الشرعية، وهو منهج الفقه التربوي.

الثاني: منهج استنباط سنن الله في الظاهرة الإنسانية من القرآن الكريم والسنة المطهرة.

أولًا: منهج استنباط الأحكام التربوية من النصوص الشرعية:

بعث الله نبيه محمد صلى الله عليه وسلم معلمًا ومربيًا، وهاديًا يخرج الناس من الظلمات إلى النور، وأنزل معه القرآن كلامَ الله؛ ليقرأه على الناس، ويربيهم على ما فيه من قيم وآداب محمودة، وهذا الكتاب جعله الله للناس نورًا يستضيئون به على مر الأجيال، وينبوعًا لا ينفذ للمتأملين فيه، والمستخرجين لأحكامه، فلا يستغني عنه مربٍّ مسلم، كلما أراد أن يفهم ظاهرةً إنسانية تدبر في آياته، فسيجد فيها من الإشارات والإيماءات ما يمكنه من فهم، واستنباط سنة الله في تلك الظاهرة، قال تعالى: {لَقَدْ أَنزَلْنَآ إِلَيْكُمْ كِتَاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} [الأنبياء: 10]، وقال سبحانه: {الَر كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النّاسَ مِنَ الظّلُمَاتِ إِلَى النّورِ بِإِذْنِ رَبّهِمْ إِلَىَ صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ} [إبراهيم: 1]، وقال تعالى: {إِنّ هَـَذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشّرُ الْمُؤْمِنِينَ الّذِينَ يَعْمَلُونَ الصّالِحَاتِ أَنّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً} [الإسراء: 9].

ومن ثم سعى العلماء المسلمون إلى استخراج سنن الله -تبارك الله وتعالى- في الظاهرة الإنسانية سواء من صلاح أو فساد من رشد أو غي من فقر، أو غنى من رجاء، أو شدة من نصر، أو هزيمة، ونحو ذلك من أحوال الناس والقرآن قد تضمن الأحكام التربوية كافة من أهداف، ومبادئ وتوجيهات، وأسس، وقواعد، ولا يمكن الكشف عنها إلا باستخدام المنهج الاستنباطي، فأصبح هذا المنهجُ من أهم مناهجِ البحثِ في التربية الإسلامية.

فالدراسات التي تبحث في القرآن لاستخراج المبادئ التربوية، أو القواعد والأساليب التربوية تعتمد على المنهج الاستنباطي، ويستعين المنهج الاستنباطي معظم عناصره من مناهج البحث في العلوم الشرعية، فهو يستعير جزءًا كبيرًا من منهج الفقهاء أصول الفقه، ومن منهج المحدثين، ومن منهج المفسرين، ومن منهج اللغويين، ثم تمتزج تلك المناهج لينضم إليها طرفًا من مناهج التربية وعلم الاجتماع، وعلم النفس لينتج لنا منهج البحث الاستنباطي التربوي، ويمكن أن يُطلق عليه منهج الفقه التربوي؛ لأن أكثر مناهج البحث تأثير في منهج الاستنباط الفقهي أصول الفقه، كما أن مفهوم الاستنباط والفقه واحد، إن كان الاستخراج حكم تربوي من نص شرعي، أما إن كان الاستخراج آراء لشخصية تربوية أو لبحث ظاهرة إنسانية ونحو ذلك فالأنسب تسميته بالمنهج الاستنباطي.

ثانيًا: منهج الاستنباط سنن الظواهر الإنسانية من القرآن والسنة:

أنزل الله القرآن نورًا لهداية الإنسان؛ فضمنه من التوجيهات والإرشادات، والأخبار ما ينفع الإنسان فهو كتاب هداية، وتفصيل لكل شيء، وقد كشف الله لنا فيه حقيقة الإنسان وغرائزه، وما يحيط بالإنسان من بيئة، وكائنات أخرى فبين للإنسان كل ما يحتاج إليه، وليس للإنسان إلا الكشف عن هذه التوجيهات وعن تلك السنن لينتفع بها.

والاستنباط يكون أيضًا في النوازل، فالنازلة على وجه العموم هي الحادثة التي تحتاج إلى حكم شرعي، فالنوازل الفقهية هي تلك الحوادث، والوقائع اليومية التي تنزل بالناس؛ فيتجهون إلى الفقهاء للبحث عن الحلول الشرعية لها، ومن ذلك قول ابن عبد البر: باب اجتهاد الرأي على الأصول عند عدم النصوص في حين نزولِ النازلةِ.

وقول النووي: وفيه اجتهاد الأئمة في النوازل وردها إلى الأصول، وقال ابن القيم: فصل: “وقد كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يجتهدون في النوازل، والنوازل بهذا المعنى… نادرة الحدوث، وسواء كانت قديمة أم مستجدة، فهي بهذا المعنى ترادف مصطلح الفتاوى إلى أن الذي يتبادر إلى الذهن في مصطلح الناس له انصرافه إلى واقعة، أو حادثة مستجدة لم تُعرف في السابق بالشكل الذي حدثت فيه الآن، وإطلاق الناس له على المسألة الواقعة الجديدة التي تتطلب اجتهادًا”.

error: النص محمي !!