Top
Image Alt

مفهوم التوحيد وأقسامه عند المتكلمين وبيان خطئهم فيه

  /  مفهوم التوحيد وأقسامه عند المتكلمين وبيان خطئهم فيه

مفهوم التوحيد وأقسامه عند المتكلمين وبيان خطئهم فيه

إذا أحببنا أن نتحدث عن المتكلمين فأرى أن المعتزلة يأتون بلا شك في الصف الأول من هؤلاء؛ ولذلك سأبدأ أولًا بذكر مفهوم التوحيد عند المعتزلة:

يرى المعتزلة أن الواحد هو الذي لا يتجزأ، ولا يتبعض ولا ينقسم، فالواحد هو الذي لا يقبل التفرقة والانقسام إلى أجزاء، وقد وضَّح ذلك القاضي عبد الجبار بقوله: “اعلم أن التوحيد قد يُستعمل في الشيء، ويراد به أنه لا يتجزأ أو لا يتبعض، على مثل ما نقوله في الجزء المنفرد أنه واحد، وفي جزء من السواد والبياض أنه واحد” ثم ذكر نوعًا آخر من استعمال لفظ الواحد، وقد نقله القاضي عبد الجبار عن أبي علي وأبي هاشم الجُبّائيَّيْن.

وإذا جئنا بعد ذلك، ونظرنا في كتب الأشاعرة -وهم من علماء الكلام- لنستخرج منها مفهوم التوحيد عندهم، نجد أنهم يوافقون المعتزلة فيه؛ فهذا إمام الحرمين الجويني -رحمه الله- يقول: “الباري سبحانه وتعالى واحد، والواحد في اصطلاح الأصوليين: الشيء الذي لا ينقسم، والرب سبحانه وتعالى موجود فرد متقدِّس عن قبول التبعيض والانقسام” وهكذا عامة الأشاعرة يذكرون ما ذكره الجويني.

ومما يجدر التنبيه عليه أن أهل الكلام يذكرون معنى آخر للواحد غير ما ذُكر، وهو أن الواحد هو الذي لا مثيل له، ولا نظير، وعندما اعتُرض على أهل الكلام بأن العرب تسمي الإنسان واحدًا والفَرَس واحدًا، وهو مركب من أجزاء وأبعاض، أجابوا عن ذلك بأن العرب تسمي الإنسان واحدًا على سبيل المجاز، وهذا الجواب هو ما أجاب به إمام الحرمين الجويني -رحمه الله- حيث قال: “إن أهل اللسان من حيث تجوزوا سموا الشخص إنسانًا واحدًا، وإن رُدَّ الأمر معهم إلى التحقيق وقُرر لهم انقسام الإنسان، وتجزؤه قالوا: هو أشياء وآحاد موجودات” ولهذا لمَّا عرَّف إمام الحرمين الواحدَ فإنه قال في تعريفه: “الواحد الحقيقي هو الشيء الذي لا ينقسم”.

وقد ذكر القُشيري -رحمه الله- أيضًا أن الواحد في الحقيقة هو الذي لا ينقسم، وأما إطلاقه على ما ينقسم فهو مجاز، فقال في ذلك وفي بيان هذا الأمر: “الواحد هو الذي لا قسيم له ولا يُستثنى منه، وهذا حقيقة عند أهل التحقيق، فإذا قيل للجملة الكاملة إنها واحد فعلى المجاز، كما يقال: دار واحدة، ودرهم واحد؛ لأنه لا يصح أن يُستثنى منه البعض، واسم الواحد له مجاز”.

وهذا المفهوم في الحقيقة للتوحيد غريب على اللسان العربي، والقرآن الذي نزل بلغة العرب لم يرد فيه استخدام الواحد إلا فيما سماه هؤلاء منقسمًا، مثل قوله تعالى: {أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ} [البقرة: 266]، وقوله عز وجل: {وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا} [الكهف: 49]، وقوله تعالى: {وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ} [النساء: 11]، وقوله جل وعلا: {ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا} [المدثر: 11] فكل ما سمى رب العالمين سبحانه وتعالى واحدًا في هذه الآيات يصح انقسامه؛ لأنه جسم من الأجسام التي يصح انقسامها.

وقد دلت السنة أيضًا على ما دل عليه القرآن، وهو إطلاق لفظ الواحد على ما يصح انقسامه، وقد جاء ذلك في حديث ابن عباس رضي الله عنه في قصة مرور الرسول صلى الله عليه وسلم بقبرين فقال: ((إنهما ليعذبان، وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان لا يستتر من البول، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة)).

وأما اعتبار أهل الكلام هذا الاستخدام على سبيل المجاز، فهو باطل؛ لأنه ادعاء لا دليل عليه، كما أنهم لا يمكن أن يأتوا بمثال صحيح لاستخدام الواحد في القرآن، والسنة، واللغة بأنه الذي لا ينقسم؛ فإن لفظ الواحد، وما يتصرَّف منه لا يُطلق في لغة العرب وغيرهم من الأمم إلا على ما يسميه أهل الكلام منقسمًا، فهل يصح ألا يُوجَد مثال لما سموه حقيقة، وهل أصبحت كل الأمثلة مجازًا؟! ومن جهة أخرى، فإنما عرَّف به أهل الكلام الواحد هو شيء لا يتصوره، ولا يعقله الناس، فإنهم لا يعلمون وجوده حتى يعبِّروا عنه.

بل إنه يمكن أن نعكس عليهم الأمر فنقول كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تبارك وتعالى-: “إذا قال القائل دلالة القرآن على نقيض مطلوبهم أظهر كان قد قال الحق؛ فإن القرآن نزل بلغة العرب، وهم لا يعرفون الواحد في الأعيان إلا ما كان متصفًا بالصفات مباينًا لغيره مشارًا إليه، وما لم يكن مشارًا إليه أصلًا، ولا مباينًا لغيره ولا مُدَاخلًا له، فالعرب لا تسميه واحدًا، ولا أحدًا بل ولا تعرفه، فيكون الاسم الواحد والأحد دل على نقيض مطلوبهم منه لا على مطلوبهم، وأهل الكلام فهموا التوحيد على المعنى الذي ذكروه؛ ليتوصلوا من خلاله إلى نفي الصفات عن الباري تبارك وتعالى”.

ب. أقسام التوحيد عند المتكلمين:

أقسام التوحيد عند المعتزلة: أن الإله سبحانه وتعالى يكون واحدًا على ثلاثة أوجه:

الأول: أنه الذي لا يتجزأ، الثاني: أنه المنفرد بالقدم فلا ثاني له، الثالث: أنه المتفرد بالصفات اللائقة به؛ وهذه الأقسام الثلاثة نقلها القاضي عبد الجبار عن شيخه أبي عليٍّ، حيث قال: “قال شيخنا أبو علي: إن القديم يوصف بأنه واحد على وجوه ثلاثة: أحدهما: بمعنى أنه لا يتجزأ أو لا يتبعض، الثاني: بمعنى أنه منفرد بالقدم لا ثاني له، الثالث: بمعنى أنه منفرد بسائر ما يستحق به الصفات النفسية”.

وكذلك نقل القاضي هذه الأقسام عن أبي هاشم، إلا أنه ضم الثاني إلى الثالث، وجعلهما قسمًا واحدًا، فأصبحت بعد ذلك على قسمين، فقال: الأول بمعنى أنه لا يتجزأ، القسم الثاني بمعنى أنه يختص بصفات لا يشاركه فيها غيره؛ هذه هي أقسام التوحيد عند المعتزلة.

أقسام التوحيد عند الأشاعرة: وإذا نظرنا إلى الأشاعرة، فإننا سنجد أيضًا أنهم يُقسِّمون التوحيد إلى ثلاثة أقسام:

الأول: توحيد الذات، والثاني: توحيد الصفات، والثالث: توحيد الأفعال؛ وقد وضح الشهرستاني -رحمه الله- هذه الأقسام، فقال: “الباري تعالى واحد في ذاته لا قسيم له، وواحد في صفاته لا شبيه له، وواحد في أفعاله لا شريك له”. كما أن القُشيري -رحمه الله تبارك وتعالى- نَقَلَ عن أبي بكر بن فورك -وهو أيضًا من علماء الأشاعرة- هذه الأقسام ولم يزد عليها.

أما البيجوري -رحمه الله تبارك وتعالى- فإنه شرح هذه الأقسام ووضحها حيث قال: “الوحدانية الشاملة لوحدانية الذات ووحدانية الصفات، ووحدانية الأفعال تنفي كُمُومًا خمسة”، تأملْ كلمة الكم هنا، وكلمة “كموم” جمع مفردها كَمّ، والكَمّ هو العَرَض الذي يقتضي الانقسام لذاته، قال: “إن الكلام في الوحدانية الشاملة ينفي كموما خمسة، الكم المتصل في الذات، وهو تركُّبها من أجزاء، والثاني هو الكم المنفصل فيها، وهو تعددها، بحيث يكون هناك إله ثانٍ فأكثر، وهذان الكَمّان منفيان بوحدة الذات. والثالث: هو الكم المتصل في الصفات، وهو التعدد في صفاته تعالى من جنس واحد، كقُدرتين فأكثر، وبُحث في هذا بأن الكم المتصل مداره على شيء ذي أجزاء، ولا كذلك الصفات، ويجاب بأنهم نزلوا كونها قائمة بذات واحدة منزلة التركيب. أما الكم الرابع قالوا فيه: هو الكم المنفصل في الصفات، وهو أن يكون لغير الله صفة تُشبِه صفته تعالى، وكأن يكون لزيد قدرة يوجد بها ويعدم كقدرة رب العالمين سبحانه وتعالى جل في علاه، أو إرادة تخصص الشيء ببعض الممكنات، أو علم محيط بجميع الأشياء”، ثم قال البيجوري -رحمه الله-: “وهذان الكمان منفيان بوحدانية الصفات”. أما الكم الخامس والأخير فقال فيه: “الكم المنفصل في الأفعال، وهو أن يكون لغير الله فعل من الأفعال على وجه الإيجاد، وإنما يُنسَب الفعل على وجه الكسب والاختيار، وهذا الكم منفي بوحدانية الأفعال” والكلام الأخير هذا في الكم المنفصل ردًّا على المعتزلة القائلين بأن العبد يخلق أفعال نفسه الاختيارية، وإنما لم يكفَّروا بذلك لاعترافهم بأن إقدارَهم عليها من الله تعالى، وبعضهم كفّرهم، وجعل المجوس أسعد حالًا منهم؛ إذ المجوس قالوا بمؤثرين وهؤلاء أثبتوا ما لا حصر له، ولكن الراجح عدم كفرهم، هكذا ذكر البيجوري رحمه الله.

ثم قال أيضًا شارحًا وموضحًا هذه الكُموم التي ذكرها ويتحدث عنها: وأما الكم المتصل في الأفعال فإنْ صورناه بتعدد الأفعال، فهو ثابت لا يصح نفيه؛ لأن أفعاله كثيرة، من خلق ورزق وإحياء وإماتة، إلى غير ذلك، وإن صورناه بمشاركة غير الله في فعل من الأفعال، فهو منفي بوحدانية الأفعال، وقد ذكر الشيخ أحمد الدردير المالكي في شرحه لمنظومته (الخريدة البهية) ما تقتضيه الوحدانية من نفي للكموم السابقة، ولم يَزِد على ما ذكره البيجوري.

لكن الذي ينبغي أن أنبه عليه هنا في هذا المقام هو أن الشيخ الإمام محمد عبده -رحمه الله تبارك وتعالى- جعل توحيد الذات والأفعال الغايةَ العظمى من بِعثة النبي صلى الله عليه وسلم، وفي ذلك يقول: “وهو -أي: التوحيد- إثبات الوحدة لله في الذات والفعل في خَلقه الأكوان، وأنه وحده مَرجع كل كون، ومنتهى كل قصد، وهذا المطلب كان الغايةَ العظمى من بعثة النبي صلى الله عليه وسلم كما تشهد به آيات الكتاب العزيز”.

وفي الحقيقة، الأمر ليس كما ذكر الشيخ رحمه الله تبارك وتعالى، وسيتضح لنا بعد إن شاء الله أن الغاية العظمى من بعثة النبي صلى الله عليه وسلم هي الدعوة إلى إفراد الله عز وجل بالعبادة، وإخلاص الدين له، وهو ما يُعرف بتوحيد العبادة أو بتوحيد الألوهية.

نقد هذه الأقسام وبيان ما فيها من خطأ:

مَا على هذه الأقسام وما فيها من خطأ، ونحن إذا قارنا بين أقسام التوحيد عند أهل السنة وعند أهل الكلام، فإننا نجد أن توحيد الربوبية عند أهل السنة، يقابله توحيد الأفعال عند المتكلمين؛ لأن المعنى المراد منهما واحد، وهو إفراد الله تعالى بأفعاله المتعدية من الخلق، والرزق والتدبير، ويزيد مفهوم الربوبية عند أهل السنة بأنه يتضمن الانفراد بالملك والسيادة المطلقة، وهذه الزيادة في المعنى يُدخلها أهل الكلام في الصفات ولا ينكرونها، ولكننا نصرح هنا بأنهم لا يُدخلون ذلك في توحيد الربوبية، وهذا خطأ، وأهل السنة والجماعة يدخلون ذلك في توحيد الربوبية.

كما أننا نجد أيضًا أن توحيد الأسماء والصفات عند أهل السنة، يقابله توحيد الذات والصفات عند أهل الكلام، أما توحيد الألوهية فإننا لا نجد ما يقابله عند أهل الكلام، وسأبيِّن إن شاء الله تبارك وتعالى أنهم يفسرون الإله بمعنى الرب، وعلى هذا فإنهم يفسرون توحيد الألوهية بتوحيد الأفعال، يعني أنهم يُرجعون توحيد الألوهية إلى توحيد الربوبية، غير أنني أذكر من باب الأمانة العلمية وأسجل ذلك، وأنا أتحدث عن نقد أقسام التوحيد عند الأشاعرة أسجل أن بعض الأشاعرة أشار إلى توحيد الألوهية.

وفي ذلك يقول الإمام الباقلاني -رحمه الله تبارك وتعالى-: “والتوحيد له هو الإقرار بأنه ثابت موجود، وإله معبود ليس كمثله شيء”. كما أن الجويني -رحمه الله- جعل من معاني الواحد أنه لا ملجأ ولا ملاذ بسواه، ولقد كان الحلِيمي -رحمه الله- أوضح مِن سابقَيْه في ذلك حينما قال في معنى اسم الله الكافي: “لأنه إذا لم يكن له في الألوهية شريك، صح أن الكفايات كلها واقعة به وحده، فلا ينبغي أن تكون العبادة إلا له، ولا الرغبة إلا إليه، ولا الرجاء إلا منه، وقد ورد الكتاب بهذا أيضًا قال الله عز وجل: {أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ} [الزمر: 36] وجاء ذلك أيضًا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم”.

وممن ذكر توحيد الألوهية من المتأخرين عند الأشاعرة البيجوري -رحمه الله عز وجل عندما قال: “وهو -أي: التوحيد- إفراد المعبود بالعبادة مع اعتقاد وحدته والتصديق بها ذاتًا وصفات وأفعالًا”.

وهنا نطرح سؤالًا مهمًّا، وهو: هل يعتبر الأشاعرة توحيد الألوهية نوعًا من أنوع التوحيد؟ وإذا أردت أن أجيب عن هذا السؤال الذي طرحته الآن لا بد أن أبيِّن حقيقةً مهمة، وهي: أنه لا ينبغي أن نكتفي بما سبق من النقول للحكم عليهم؛ وذلك لأن هذه النقول ظاهرها التعارض، ولا يصح أن يرجّح الباحث أحد طرفيها بدون مرجح، والذي أراه راجحًا من خلال بحث هذه القضية هو أن الأشاعرة لا يعتبرون توحيد الألوهية نوعًا من أنواع التوحيد، وقد قلت من قبل بأنهم أدخلوا الألوهية في الربوبية، وقد عرَّفوا الألوهية بمعنى الربوبية.

ومما يدل على أن الأشاعرة لا يعتبرون توحيد الألوهية نوعًا من أنواع التوحيد أمور خمسة:

الأمر الأول: أن الأقسام المشهورة لديهم هي الأقسام الأولى التي لم يذكروا فيها توحيد الألوهية، وعلى هذه الأقسام بنوا مصنفاتهم؛ ولهذا لا تكاد تجد لتوحيد الألوهية ذكرًا في مصنفاتهم، كما لا تكاد تجد ذكرًا للشرك في الألوهية ولا تحذيرًا منه مع خطورته وكثرة انتشاره.

الأمر الثاني: الذي يدل على القضية التي أتحدث عنها الآن أن الأشاعرة فسروا الإله بالقادر على الاختراع، وهذا التفسير يدل على أنهم يرون أن توحيد الألوهية هو بعينه توحيد الربوبية، وحينئذٍ فإنه يمكن أن يقال: إنهم ليرون توحيد الألوهية بمفهومه الصحيح نوعًا من أنواع التوحيد؛ لأنهم إذا سئلوا عن توحيد الألوهية ردوه إلى توحيد الربوبية وجعلوه هو نفسه مطابقًا، يعني: يطابق توحيد الربوبية توحيد الألوهية.

الأمر الثالث: فهو أن الأشاعرة مرجئة في باب الإيمان، والإرجاء: هو تأخير العمل عن الإيمان، والإيمان يشمل الدين كله بما في ذلك التوحيد، وعلى هذا فإنهم يكونون مرجئة في التوحيد بتأخير التوحيد العملي، ونحن نعني بالتوحيد العملي توحيد الألوهية، إذًا هم يؤخرونه عن أنواع التوحيد.

الأمر الرابع: فهو أن المتأخرين من أهل الكلام صرّحوا بأنه لا يوجد ما يسمى بتوحيد الألوهية، وذكروا أن ذلك من ابتداع ابن تيمية، ومحمد بن عبد الوهاب -رحمهما الله تبارك وتعالى-، وبنوا ذلك على كلام أسلافهم بأن الإله هو القادر على الاختراع، وأن الإيمان هو مجرد التصديق، وهؤلاء المتأخرون هم أهل الكلام في زمانهم.

الأمر الخامس: الذي يدل على أن أهل الكلام لا يعتبرون توحيد الألوهية من أنواع التوحيد، هو أنه قد ثبت بما لا مجال للشك فيه أن لأهل الكلام صلة وثيقة بالشيعة والصوفية، وهاتان الطائفتان هما اللتان نشرتا الشرك في حياة المسلمين، الشيعة معروفٌ غلوهم في آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم وفي الأئمة الاثنا عشر، وهذا كلامٌ قد قلته في مادة الفِرَق، وبيَّنت خطأهم وضلالهم، وانحرافهم عن الحق في هذه الأبواب.

الشاهد: أن هناك صلة وثيقة بين أهل الكلام، وبين هؤلاء القوم الذين تحملوا عبأ الوقوع في الشرك والدعوة إليه، سواء كان ذلك من الشيعة أو من غلاة الصوفية، والصلة مع هاتين الطائفتين مع وجود الشرك فيهما يدل على إهمال المتكلمين لتوحيد الألوهية؛ لأنه لو وُجد الاهتمام لوُجد الإنكار على الشرك فيه، ولمَا تم التوافق بينهم وبين الشيعة والصوفية، وإذا كان الأشاعرة لا يرون أن توحيد الألوهية نوعًا من أنواع التوحيد فكيف نفهم ما يذكرونه في كتب التفسير والآداب من الحث على العبادات الشرعية، وإفرادها لله تعالى، وكيف أيضًا نفهم ما سبق نقله عنهم من نصوص.

وأنا أعتقد أنه إذا أردنا أن نفهم ذلك فلا بد أن أذكر هنا وأن أبيِّن ما المراد بقول: إن الأشاعرة لا يرون أن توحيد الألوهية نوعٌ من أنواع التوحيد.

في الحقيقة هذا كلام صحيح؛ لأنهم أدخلوا توحيد الألوهية في الربوبية، ومع كل ذلك فالأشاعرة يرون أن استحقاق العبادة لا يكون إلا لله -تبارك وتعالى- وحده دون سواه، ولا شك أن المهتمين بالتوحيد وبالعبادة منهم، ووجوب إفرادها لله -تبارك وتعالى- وحده دون سواه يعلمون ذلك ويؤكدون عليه.

ولهذا يجب أن أقول مع ذكري بأنهم لم يدخلوا نوع التوحيد -أعني: توحيد الألوهية- ضمن أنواع التوحيد، لا بد أن أقول هنا بأن الأشاعرة يرون أن توحيد الألوهية من الدين والإسلام عمومًا، لكنهم لا يرون أنه من حقيقة التوحيد الذي يقع فيه الشرك، بل يرون أن العبادات من كمالات التوحيد الواجبة أو المستحبة، وحالهم في ذلك كحالهم في تأخير العمل عن الإيمان، فإنه لا يعتقد أحد أن الأشاعرة ينكرون أن يكون العمل من دين الإسلام الذي جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، هم يعتقدون أن العمل من الدِّين، وإنما مرادهم أن العمل لا يدخل في حقيقة الإيمان، بحيث يتعلق الكفر بتركه أو نقضه. ولذلك يمكنني أن أقرر أيضًا هنا بأن الأشاعرة مرجئة في التوحيد، كما أنهم مرجئة في الإيمان.

error: النص محمي !!