Top
Image Alt

مفهوم الجاهلية

  /  مفهوم الجاهلية

مفهوم الجاهلية

ما المراد بالعصر الجاهلي؟

العصر هو: المدة الزمنية. وكل عصر من العصور الأدبية له بداية وله نهاية، والأحداث الكبرى في تاريخ الأمم هي التي يتخذها المؤرخون علامات لبداية العصور وانتهائها.

والعصر الجاهلي نهايته محدودة بظهور الإسلام في شبه الجزيرة العربية وبَعثة النبي محمد صلى الله عليه  وسلم والرواية لم تسعفنا بأخبارٍ يمكن الاطمئنان إليها، وأدبٍ يمكن الاعتداد به، إلا في مدة زمنية لا تتجاوز مائة وخمسين عامًا أو مائتين على الأكثر قبل ظهور الإسلام؛ إذًا العصر الجاهلي هو العصر السابق على ظهور الإسلام.

وقد سُمِّي هذا العصر جاهليًّا نسبةً إلى الجهل؛ بمعنى: عدم المعرفة والعلم، أو الجهل بمعنى: السفه والطيش، والذي ضده الحلم؛ فحياة العرب قبل الإسلام من الناحية العقدية والخُلقية والعلمية والمعرفية كانت تشوبها نقائص كثيرة، وتسودها مساوئ عديدة؛ من أجل ذلك سُميت هذه الفترة السابقة على ظهور الإسلام في زمن العرب بالعصر الجاهلي.

وسأحدثك الآن عن هذه الحياة الجاهلية التي كان العرب يعيشونها قبل أن يشرق على الدنيا نور الإسلام:

إلى أن ظهر الإسلام كانت عبادة الأصنام عملًا سائدًا عند العرب، كما كان شرب الخمر سلوكًا شائعًا فيهم، وكان الميسر والقمار فعلًا منتشرًا عندهم، وكانت العصبية القبلية، والتفاخر بالأنساب والأحساب، والفساد الاجتماعي، هي الملامح العامة لحياتهم، وما جاء الإسلام إلا ليصحح تلك المفاهيم، ويصلح من شأن هذه الحياة.

نعم، جاء الإسلام ليرد فطرة العرب إلى الطريق الصحيح في العقيدة؛ فأمرهم بعبادة اللهِ وحده؛ وليهذب أخلاقهم وسلوكهم؛ فأمرهم بالتسامح والتعاون، والعدل والمساواة، وحرم عليهم الظلم والبغي والعدوان، ولينقي حياتهم من الخبائث والدنس؛ فحرم عليهم الزنا والخمر والميسر، وقول الزور، وليرتقي بهم ليكونوا خير أمة تحمل خير أمانة؛ فشرع لهم نظم الحكم، وبَيَّنَ لهم أسسَ التعامل، وأرسى فيهم قواعد المجتمع الفاضل.

وتُعَدُّ آيات القرآن الكريم التي تنهى العرب عن المساوئ التي كانت شائعة بينهم، وتحسهم على الإقلاع عن الأعمال الفاسدة التي كانت تحكم حياتهم أصدق وثيقة تاريخية تدل على حياة العرب قبل الإسلام.

ولا يُفْهم من هذا القول أن الإسلام رفض كلَّ شيءٍ في حياة العرب؛ إن الإسلام أقرَّهُم على ما كان عندهم من بعض الفضائل كإكرام الضيف، ونصرة المظلوم وغير ذلك.

ولقد أصاب الدكتور طه حسين نصف الحقيقة في قوله: “إن القرآن أصدقُ مرآة للحياة الجاهلية”. أما النصف الآخر للحقيقة: فهو ما أنكره الدكتور طه حسين؛ إذ ذهب إلى أن الشعر الجاهلي لا يصور هذه الحياة.

والحق أن من يريد الاستدلال على الحياة الجاهلية وما كان يسودها من قيمٍ، ويشيع من سلوك؛ عليه أن يلتمس ذلك في القرآن الكريم، وفي ما صح من الشعر الجاهلي، والأدب العربي بصفة عامة، وعليه كذلك أن يحسن استنباط الدلالة من كلٍّ منهما؛ ليتعرف على حقيقة حياة العرب قبل الإسلام بعيدًا عن الإفراط في عيبهم، وسلبهم كل مَكْرُمَةٍ، وبمنأى كذلك عن المبالغة في الإشادة بهم، ودفع كل مذمة عنهم.

الحقيقة أننا نجد نمطين من الباحثين الذين يتناولون حياة العرب قبل الإسلام:

النمط الأول:  نجد مَن يُثبت للعرب كل شيء جميل، ويرتفع بهم من ناحية الأخلاق والقيم والسلوك؛ نظرًا لما عرف عن العرب من حماية الجار، وكرم الضيف، والمروءة… وغير ذلك.

النمط الثاني: ومنهم مَن ينزل بالعرب إلى درجةٍ منحطةٍ فينفي عنهم كل مَكْرُمَةٍ، ويثبت لهم كل فعل دنيء.

والتوسط بين الأمرين هو الحق؛ فالعرب مَثلهم مثل كل أمة، فيهم الأوفياء والفضلاء الذين يحرصون على المروءة، ويحرصون على الخلق الكريم؛ فيغيثون الملهوف، ويعينون ذا الحاجة وينصرون الضعيف، وفيهم أيضًا الأخساء الأنذال الذين لم يكونوا يلوون على فضيلة، ولا يستمسكون بخُلقٍ كريمٍ.

لكن الحكم على الأمم ينبغي أن يُنْظَرَ فيه إلى الشائع والغالب عليهم، والذي يتأمل في آيات القرآن الكريم، ويتأمل فيما روي عن العرب من أشعار وأخبار؛ يدرك أن بداوةَ العربِ في العصر الجاهلي أَدَّتْ بِهِم إلى تناقض شديد في الطبائع والسلوك، فالكريم منهم يبلغ كرمه حدَّ الإسراف ويجاوزه، والعاقل فيهم حكيم، وذو المروءة يجود بنفسه من أجل غيره.

كما يجد أن البخيل فيهم يستعبده المال، والجاهل يبلغ به الحمق مبلغه، كما يجد أن اللئيم مشتط في سوء خُلقه، ولله دَرُّ ابن خلدون إذ يقول: “إن النفس إذا كانت على الفطرة الأولى كانت متهيئةً لقبول ما يَرِدُ عليها، وينطبع فيها من خير أو شر. قال صلى الله عليه  وسلم: ((كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه)) وبقدر ما سبق إليها من أحد الخُلقين تبعد عن الآخر، ويصعب عليها اكتسابه، فصاحب الخير إذا سبقت إلى نفسه عوائد الخير، وحصلت لها ملكته بَعُدَ عن الشر وصعب عليه طريقه، وكذا صاحب الشر إذا سبقت إليه عوائده”. انتهى كلامه.

نعم، بلغ التناقض في سلوك العرب الجاهليين وأخلاقهم حدًّا بعيدًا حتى إن الباحثين الذين يرصدون أخلاقهم يتحدثون عن كرمهم، ويتحدثون عن بخلهم، ويتحدثون عن الشجاعة والصبر، وعن الجبن والفزع، وعن الحلم، وعن البطش، وسرعة الانفعال، ويتحدثون عن الوفاء والأمانة ويصفون بعضهم بالغدر، ونقض العهد والظلم، كما كان فيهم من يحب الحرية، ويتمسك بها؛ ولهذا كثرت عندهم الحروب والغارات، وردُّ العدوانِ والثأر والانتقام، وعرفوا بالحرص على حماية الجار، والدعوة إلى السلام في بعض الأحيان، والعفة والغَيْرَةِ على الشرف، والرغبة في الذكر الطيب.

وقد أدى هذا التناقض بين عرب الجاهلية في الأخلاق والسلوك إلى الاختلاف الشديد بين أحكام الدارسين على حياتهم، وما كان يسود تلك الحياة من سلوك، وما كان يحكمها من قيمٍ، ويشيع فيها من تقاليد.

ولقد كلفتهم هذه الحياة كثيرًا من النَّصَبِ، بل كلفتهم الغزير من الدماء؛ فقد كانوا لا يتحاكمون إلا إلى السيف، ولا يسرعون لتلبية نداء سرعتهم لإجابة نداء الحرب، ولقد كانوا في هذا كله مستجيبين لما فرضته عليهم حياتهم القبلية في بيئةٍ صحراويةٍ قاسيةِ؛ الماء فيها قليل، والخير فيها نادر، وكانوا من أجل ذلك يرتحلون في أرجاء هذه الأرض الشاسعة الواسعة يبحثون عن العشب، ويبحثون عن الماء، ويحارب بعضهم بعضًا صراعًا من أجل السيطرة والحصول على الماء والعشب اللذين كانا عماد الحياة عندهم.

وبسبب الحروب كانت تعقد بينهم الأحلاف، وكانوا إذا حالفوا أو أجاروا أَعْطَوْا الحليفَ أو الجارَ براءةً بذلك في سهم مكتوب فيه: فلان جار فلان أو حليف فلان.

وقد بالغوا في حماية الجار، وعدُّوا ذلك غاية الشرف وذروة المروءة، ولقد رويت في ذلك عن العرب طرائف تبعث على الإعجاب أحيانًا، وتبعث على الاستخفاف أحيانًا؛ لخروجها على الحد المألوف والحد المقبول، من ذلك مثلًا:

ما روي من أن مدلج بن سويد الطائي خلا يومًا في خيمته؛ فإذا هو بقوم من طيئ معهم أوعيتهم، فقال: ما خطبكم؟ قالوا: جراد وقع بفنائك فجئنا لنأخذه، فركب فرسه، وأخذ رمحه، وقال: والله لا يعرضن له أحد منكم إلا قتلته؛ إنكم رأيتموه في جواري ثم تريدون أخذه. فلم يزل يحرسه حتى حميت الشمس وطار. فقال: شأنكم الآن فقد تحول عن جواري وضربوا به المثل، فقالوا: أحمى من مجير الجراد.

إن هذا الرجل هَمَّ بقتال قومه من أجل جراد، ويبدو أن القوم كانوا جياعًا يطلبون الجراد ليسدوا به جوعهم، فمنعهم سويد من ذلك ليُضرب به المثل في حماية الجار شيء عجيب حقًّا أن يكون دم الإنسان هينًا إلى هذا الحد. حتى إنه لا يمكن أن يسفك من أجل حماية جراد ساقته الريح إلى فناءِ رجلٍ ضربوا به المثل في المروءة وحماية الجار.

من أجل ذلك كان ابن خلدون محقًّا في وصفه للعرب بأنهم كانوا أمة وحشية، استحكمت فيهم عوائد التوحش وأسبابه حتى صار لهم خُلُقًا وجِبِلَّةً، وكان عندهم ملذوذًا؛ لما فيه من الخروج عن ربقة الحكم، وعدم الانقياد للسياسة؛ فغاية الأحوال العادية كلها عندهم كانت الرحلة والتغلب؛ فطبيعتهم انتهاب ما في أيدي الناس، وإن رزقهم في ظلال رماحهم، وليس عندهم في أخذ أموال الناس حدٌّ ينتهون إليه.

وكانوا يتنافسون في الرياسة، وقَلَّ أن يُسَلِّمَ أحد منهم الأمر لغيره حتى لو كان قريبًا له أو كبير عشيرته إلا في الأقل، وعلى كُرْهٍ من أجل الحياء.

هكذا معتقدات الجاهليين وعاداتهم ومعارفهم مستمدة من تلك الحياة، ونتاجًا لتلك البيئة القاسية الشحيحة، وقد كانت معتقداتهم لا تمثل أديانًا صحيحة، ومعارفهم لا تمثل علومًا ناضجة.

وقد يقول قائل: لقد عرفت جزيرة العرب بعض الحضارات، وشهدت أرضها دعوات رسل سابقين على سيدنا محمد صلى الله عليه  وسلم فمن الحضارات التي عرفتها حضارة سبأ ومعين. ومن الرسل الذين سبقوا محمدًا صلى الله عليه  وسلم فيها: إبراهيم، وإسماعيل… وغيرهما من أنبياء الله ورسله -على نبينا وعليهم أفضل الصلاة والسلام- فلماذا -إذًا- كان العرب بهذه الصورة قبل الإسلام؟

نقول: هذا القول صحيح، لكن العهد كان قد طال بين عرب الجاهلية وهذه الدعوات، وبينهم وبين تلك الحضارات، فلم يبق في الجزيرة سوى آثار حضارة وبقايا أديان، حتى أشرق على الأرض في الجزيرة العربية نور الإسلام، كانت معتقداتهم في أكثرها أثرًا لعادات موروثة مع بقايا من الأديان السابقة، وأشتاتٍ من التقاليد التي أخذوها عن الأمم المجاورة لهم؛ بيد أن الوثنية كانت أقوى المعتقدات لديهم، وأكثرها شيوعًا بينهم.

وقد كان للعرب عادات شتى منها: عقر الإبل على القبور، ووطأ المقلاة التي لا يعيش لها ولد دمَ الشريف ليعيش ولدها، وكان من عاداتهم كَيُّ الجملِ السليمِ؛ ليصح الأجرب، وضرب الثور إذا عافت البقر، وتعليق التمائم لحفظ الأطفال من الحسد وغيره من الشرور، وأكثر عاداتهم لا يستند إلى تعليل مقبول.

وقد كان شرب الخمر من أكثر العادات شيوعًا بينهم، وكذلك كان الميسر، وكان من أبشع مساوئهم وأد البنات، وقد كان الوأد في أغلب الظن نتيجةً لحياة الحروب والمنازعات، ونتيجة لفقر البيئة التي كانوا يعيشون فيها؛ فقد كانوا يئدون بناتهم؛ خشية الأسر والسبي، وما كان يترتب عليه من العار والفضيحة.

فقد رووا أن المشمرخ اليشكري سبى من نساء بني سعد، وفيهن بنت قيس بن عاصم، فرحل قيس إليه، وسأله إياها، فخيرها، فاختارت عمرو بن المشمرخ، فانصرف قيس، ووأد كلَّ بنتٍ له، وجعل ذلك سُنَّةً في كل بنت تولد، واقتدى العرب به في ذلك.

وكان بين العرب مَن يعيب الوأد ولا يرضاه، وقد اشتهر صعصعة بن ناجية جد الفرزدق بإنقاذ البنات من الوأد، وسمي بذلك: محيي الموءودات؛ لأنه كان إذا رأى رجلًا يريد أن يقتل ابنته؛ خشية الفقر أنقذها منه، وأعطاه ما يعينه على حياته من الإبل أو غيرها، ويدل ذلك على أن الفقر أو خشيته كان من أسباب وأد البنات أيضًا؛ نظرًا لشح البيئة وجدبها.

ولقد أبطل القرآن الكريم تلك العلة وراء هذا الفعل الشنيع في معرض نهيه العربَ عنه؛ مذكرًا إياهم بأن الرزق قد ضمنه الله سبحانه وتعالى فهو الرازق للآباء والأبناء جميعًا، قال عز وجل: {وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلاَدَكُم مِّنْ إمْلاَقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلاَ تَقْرَبُواْ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُون} [الأنعام: 151]، وقال عز وجل: {وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلاَدَكُم مِّنْ إمْلاَقٍ}  أي: خشية فقر {نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم إنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْءًا كَبِيرًا}  [الإسراء: 31].

أما معارف الجاهليين: فقد كانت أشتاتًا من الخبرات التي قضت عليهم ظروف حياتهم وبيئتهم الإلمام بها، وقد كانت هذه المعارف متمثلةً في خبرتهم بالسماء والنجوم والأفلاك؛ لارتباط ذلك بالمطر، وكان المطر أساس الحياة عندهم، وكان من معارفهم البيطرة، وهي تطبيب الدواب، خاصة الخيل والإبل؛ لما كان لهما من أثر كبير في حياتهم زمن الحرب وزمن السلم على السواء.

وعني العرب كذلك بمعرفة الأنساب والتاريخ؛ لمكانة العصبية القبلية عندهم، ولحاجتهم إلى معرفة الأنساب عند المناصرة والمفاخرة والمنافرة، كما كانوا يعنون بالقيافة، والعيافة، والكهانة.

فالقيافة هي: محاولة الاستهداء بآثار الأقدام إلى أصحابها، أو الاستدلال بهيئة الإنسان وأعضائه على نسبه.

والعيافة: أصلها الاستدلال بأسماء الطيور، ومواقع سقوطها، واتجاه طيرانها على اليُمْنِ أو الشُّؤْمِ.

والكهانة: كانت محاولةً للتنبؤ بالغيب وممارسة للطب الروحي.

كما كانوا على قدرٍ كبيرٍ من المعرفة بشئون الحرب، وأمور الصيد.

error: النص محمي !!