Top
Image Alt

مفهوم الصرف، ومجالاته

  /  مفهوم الصرف، ومجالاته

مفهوم الصرف، ومجالاته

لقد تمت دراسة هذا المستوى الصرفي في اللغة العربية تحت ما يسمى بعلم الصرف، وكانت الكلمة هي الموضوع الأساسي في هذا الدرس، فدار البحث حول أصلها وصيغتها ووزنها ومعرفة الزائد والأصلي من أصواتها وطرق اشتقاقها وتصريفها عند إسنادها إلى غيرها… إلى آخر ما تحفل به كتب الصرف.

وقد قصر بعض العلماء المتقدمين البحث في هذا العلم على النظر في الكلمة ذاتها وما يحدث لها من تغيرات، رأى بعض الباحثين المحدثين أن أغلبها لا يفيد في خدمة التركيب والعبارة على خلاف المنتظر من الصرف بالمعنى الذي نفهمه، وإن كان بعضها يفيد في دراسة أخرى كدراسة المعجم.

فالتصريف -في نظر ابن جني- يهتم ببنية الكلمات وأوزانها من حيث الزيادة وعدمها، ومن حيث تصريفاتها المختلفة، وهذه الدراسة -من وجهة نظر الباحثين المحدثين- أقرب إلى متن اللغة منها إلى النحو.

وقد استعمل ابن جني مصطلح التصريف نظريًّا وتطبيقيًّا في معنًى يختلف عن الفهم المتأخر لمصطلح التصرف والتصريف كذلك؛ فهو عنده لا يطلق إلا على جزء أو عدة مسائل معينة من مسائل الصرف لهذا المفهوم المتأخر، وهي مسائل -في نظر بعض المحدثين- ليست ذات أهمية خاصة بالنسبة للنحو.

إن الصرف -عند علمائنا القدماء، ومن نهج نهجهم من بعض العلماء المحدثين- يشتمل على نوعين رئيسين من الدراسة:

النوع الأول: من صميم الصرف -بالمفهوم الذي يرضى عنه كثير من المحدثين- ويشمل دراسة الكلمات وصورها لغرض معنوي، أو للحصول على قيم صرفية تفيد في خدمة الجمل والعبارات، ومن أهم أبوابه: المشتقات، وتقسيم الفعل إلى أزمنته المختلفة، والتعريف والتنكير وأقسامهما، والمتعدي واللازم، والمتصرف والجامد.

فالبحث في هذه المسائل وأمثالها بحث صرفي صميم؛ إذ هو مما يخدم الجملة ويجعلها ذات معانٍ نحوية مختلفة؛ بحيث لو تغيرت وحدتها تغيرت معانيها.

لعلك تلاحظ الفرقَ بين قولك: حضرَ محمدٌ، وحضرتْ فاطمة، فقد ذكرت الفعل في المثال الأول وأنثته في الثاني بسبب صرفي: هو تذكير الفاعل وتأنيثه، والمعاني النحوية هنا مختلفة بسبب اختلاف القيم الصرفية.

النوع الثاني: يشمل أبوابًا ومسائل شتى مما سمي بالصرف التقليدي، تجمعها كلها خاصةٌ ظاهرةٌ، تلك هي: أنها جميعًا تهتم بالنظر في الكلمة من حيث الزيادة والأصل والأوزان والأبنية، وما إلى ذلك من تغيرات في صور الكلمات، وهي تغيرات لا تعطي معاني أو قيم صرفية تخدم الجملة أو العبارة.

ومن أمثلة هذا النوع: الكلام على همزة التأنيث في نحو: صحراء، وأصلها المنقلبة عنه؛ فقد رأى بعض المحدثين أن الكلام على هذه الهمزة ينبغي اطراحه وتركه لعدم جدوى البحث فيه على أي مستوًى من مستويات الدراسة اللغوية؛ حيث يتضمن الكلام في هذه المسألة ونحوها عمليات ذهنية عقيمة نتجت عن الإغراق في بحث عن الجزئيات والمبالغة في الجري وراء فكرة الأصول والزوائد؛ وذلك للاعتقاد بأن للكلمات أصولًا وزوائد تنضم إليها بحسب الحاجة والظرف المعين.

وهنالك في هذا النوع مسائل أخرى هي أولى بمتن اللغة منها بالصرف الحقيقي؛ فالكلام على أوزان الفعل الثلاثي، التي رأى القدماء أنها ستة؛ ليست ذات قيم صرفية تخدم الجملة أو العبارة، ولكنها ذات قيم لفظية تفيد معرفتها فقط معرفة ألفاظ اللغة على وجهها الصحيح؛ فكون الفعل المعين على وزن فعل يفعَل أو يفعَل، أمرًا يتعلق بصحة نطق الصيغة، ولكنه لا يفيد أثرًا ملحوظًا أو غير ملحوظ في الجملة والعبارة، فمضارع الفعل ضرب مثلًا لا تتغير وظيفته النحوية في التركيب، سواء أكانت عينه مكسورة أم مضمومة، ولكن تتغير قيمته النطقية فيما لو استعملناه على وزنٍ غير وزنه المنصوص عليه.

ومعرفة هذه القيمة النطقية أمر في غاية الأهمية -ما في ذلك شك- ولكنها تدخل في باب آخر غير باب الصرف: إنها من قضايا الثورة اللفظية أو هي من مباحث متن اللغة والمعجمات وما إليه.

وأيضًا جموع التكسير، وأبنيته التي عولجت بها في كتب الصرف القديمة: لقد قنع الصرفيون بمجرد سرد هذه الصيغ، واكتفوا بذكرها دون التعرض لأية قضية تتعلق بقيمها الصرفية ودون أن يشيروا من قريب أو بعيد إلى ما يترتب على استعمال هذه الصيغ من وظائف وقيم نحوية في الجمل والعبارات، وهذا يناسب متن اللغة لا علم الصرف، فمتن اللغة يهتم بالألفاظ وأبنيتها المختلفة.

أما الصرف فهو معنيٌّ أولًا وآخرًا ببيان القيم التي يحملها هذا البناء أو ذاك أو هذا الوزن أو ذاك، وهي قيم ليست بالقيم الصورية اللفظية، وإنما هي خواص صرفية يظهر أثرها في التركيب بأن يترتب على وجودها معانٍ نحوية معينة.

وقد رأى كثير منهم أن هذه الجموع سماعية على الصحيح لا قياسية فليست في مجموعها تخضع لقواعد ثابتة مطردة.

يضاف إلى ذلك أن كثرة هذه الصور وتنوعها يؤيد القول برجوعها إلى لهجات قديمة، وهو احتمال تؤيده الشواهد والآثار الواردة عن العرب.

وهذه الجموع لا تعالج في علم الصرف إلا إذا قصد بها بيان مدى المطابقة بين الفعل وفاعله ذلك أن بعض صيغ هذه الجموع تجوز معاملتها بصورتين مختلفتين من حيث أحكام المطابقة في العدد والنوع، فيقال مثلًا: الرجال جاءوا، والرجال جاءت؛ حيث عومل الجمع في المثال الأول معاملة جمع المذكر، بينما عومل في المثال الثاني معاملة المفردة المؤنثة، وهو سلوك نحوي جائز، لا شذوذ فيه ولا اعتراض عليه.

كذلك يدخل جمع التكسير بصيغه العديدة في مجال الصرف إذا نظر إليه على أنه قسم من فصيلة صرفية كبرى لها قيم معينة في الاستعمال، تلك هي فصيلة الجمع بعمومه، أي: الجمع في مقابل المفرد والمثنى، ويشمل حينئذٍ ثلاثة أنواع رئيسة: جمع المذكر السالم وجمع المؤنث السالم وجمع التكسير.

وجمع التكسير -بهذا الوصف- تختلف أحكامه النحوية عن المفرد والمثنى كليهما، ففي هذه الحالة يلاحظ خلافًا نحويًّا في التراكيب تتمثل في أحكام المطابقة، فتقول مثلًا: رجل محترم ورجلان محترمان، ولكن رجال محترمون، لاستعمال صفة مع جمع التكسير تختلف صرفيًّا عن الصيغتين الأخريين في المثالين الأولين.

كما يشمل الصرف التقليدي في كتب التراث أيضًا أنماطًا من الصيغ هي في واقع الأمر أقرب إلى ميدان الأصوات منها إلى الصرف، وسوف نشير إليها في أثناء الحديث عن العنصر الثالث وهو الدرس الصرفي الصوتي.

وهنالك أبواب في الصرف التقليدي أيضًا رأى بعض المحدثين أنها عولجت علاجًا خاطئًا، وهي بصورتها المسجلة في آثار العلماء القدماء لا تفيد متعلم اللغة في شيء وربما يفيد بعضُها المتخصصَ في الوقوف على الآثار الواردة عن السلف.

ورأى بعض المحدثين أن أمثال هذه الأبواب أشبه بمخلفات علمية لا تفيدنا في شيء إلا معرفة منهج التفكير عند هؤلاء اللغويين القدماء، ومن هذه الأبواب: باب الفعلين الأجوف والناقص وما تفرع عنهما.

ورأى بعض المحدثين أن الأفعال المعتلة وتصرفاتها لنا فيها منهجان منفصلان، إن أردنا دراستها دراسة لغوية صحيحة:

المنهج الأول: منهج وصفي يهتم بالوصف الموجود للفعل، ولا يجوز أن نتعدى هذا الواقع بحال من الأحوال، بحيث نحصر عملنا في الوصف دون التورط في الافتراض أو التقدير أو التخمين، كما يجب أن نفيد أيضًا من نتائج بحوث علم اللغة الأخرى كالأصوات مثلًا.

المنهج الثاني: منهج تاريخي يتتبع الحقائق اللغوية على فترات مختلفة من الزمن للوقوف على ما أصابها من تطور وتغير، ولنا بعد هذه الخطوة أن نشير إلى أوجه الخلاف والاتفاق بين الفترات التاريخية.

والمنهج الوصفي الأول لا يجوز له أن يعتمد على الثاني، أما المنهج الثاني التاريخي فهو جائز أن يعتمد على الوصف؛ بل لا بد من اعتماد تاريخي على الوصف؛ لأن التاريخي -بكل بساطة- يتضمن وصف أكثر من مرحلة.

لذلك رأى كثير من المحدثين تشابك علوم الصوت والصرف والنحو، بل رأى بعضهم دمج العِلمين الصرفي والنحوي تحت مصطلح لغوي واحد هو ما يسمى بـ”الجرامر” أو “الجرماتيك” الذي يشمل كذلك علم وظائف الأصوات “الفونولوجي”، ورأى بعضهم أن كل دراسة تتصل بالكلمة أو أحد أجزائها وتؤدي إلى خدمة العبارة والجملة، أو -بعبارة أخرى- تؤدي إلى اختلاف المعاني النحوية، كل دراسة من هذا القبيل هي صرف.

من ذلك تقسيم الكلمة من حيث الاسمية والفعلية وغيرهم، ومن ذلك أيضًا النظر إليها من حيث العدد؛ أعني: الأفراد والتثنية والجمع، وأيضًا النظر إلى الكلمة من حيث النوع؛ أعني: التذكير والتأنيث.

ومن ذلك أيضًا الكلام عن الشخص؛ أعني: المتكلم والخطاب والغيب.

ولكن ليس من الصرف -في نظر هؤلاء المحدثين- أصبح في صيغ الأفعال من حيث أوزانها؛ وكذلك البحث في صيغ جموع التكسير من حيث أبنيتها -إلى آخر ما سبق أن ذكرت.

ويبدو أن اندماج الصرف مع النحو كان معروفًا في القرون الأولى من الهجرة، فلقد عرف ابن جني بقوله هو انتحاء سمت كلام العرب في تصرفه من إعراب وغيره كالتثنية والجمع والتحقير والتكبير والإضافة والنسب والتركيب، وغير ذلك؛ ليلحق من ليس من أهل اللغة العربية بأهلها في الفصاحة، فينطق بها وإن لم يكن منهم، وإن شذ بعضهم عنها رد به إليها. غير أن هذا الجمع في التعريف بين الصرف والنحو لم يصل إلى نتائج علمية كنا نتوقعها؛ ذلك أن مناقشة القضايا الصرفية في هذه الآثار لم تكن ترمي في كثير من الأحيان إلى خدمة النحو والتمهيد لمسائله، وبناء على ما ذكرته آنفًا من وجهة نظر كثير من المحدثين؛ ف يمكنك أن تنظر إلى الأبواب الصرفية وتنوعها إلى نوعين: نوع يعد من صميم الدراسة الصرفية عند المحدثين، ونوع آخر يخرج من هذه الدراسة.

error: النص محمي !!