Top
Image Alt

مفهوم الطهارة والوضوء، والدليل على وجوب الوضوء، وعلى من تجب، ومعرفة أفعاله: النية وغسل الكفين، المضمضة والاستنشاق، وغسل الوجه

  /  مفهوم الطهارة والوضوء، والدليل على وجوب الوضوء، وعلى من تجب، ومعرفة أفعاله: النية وغسل الكفين، المضمضة والاستنشاق، وغسل الوجه

مفهوم الطهارة والوضوء، والدليل على وجوب الوضوء، وعلى من تجب، ومعرفة أفعاله: النية وغسل الكفين، المضمضة والاستنشاق، وغسل الوجه

أولًا: مفهوم الطهارة والوضوء:

بيّن الإمام ابن رشد -رحمه الله-  اتّفاق المسلمين على أنّ الطهارة الشَّرعية تَنقسم إلى قسميْن:

طهارة من الحَدث، وطهارة من الخَبث.

فما هي الطهارة؟ وما هو الحَدث؟ وما هو الخَبث؟

مفهوم الطهارة لغةً وشرعًا:

الطهارة لغةً: النَّظافة، والتَّخلص من الأقذار ومن النَّجاسات.

الطهارة شرعًا: إزالة حُكم الحَدث؛ لأداء الصلاة أو غيرها ممّا تُشتَرط فيه الطهارة بالماء، أو بالبَديل عَنه، وهو التَّيمم.

الحَدَث لغةً وشرعًا:

أما الحَدث لغةً، فهو: الشَّيء الطارئ.

وشرعًا: صِفة أو وَصف يتعلّق بالمُكلَّف، يَمنعه من إقامة الصلاة إذا لم يَتخلّص منه.

والحَدث نوعان:

حَدث أصغر: وهو الذي يَتطلّب الوضوء.

وحَدث أكبر: وهو الذي يَتطلّب الغُسل بتَعميم الجَسد بالماء الطاهر.

أمّا الخَبث: فهو النَّجاسة، كالخَمر، أو الخِنزير، أو الدماء، أو البَول، أو البُراز، أو غير ذلك من أنواع النَّجاسات، وتُسمَّى: الأخباث.

والطهارة مَطلوبة في كل الأحوال، فهي صِفة من صِفات المؤمن؛ لقولهصلى الله عليه وسلم: «الطَّهور شَطر الإيمان». وقال تعالى:{يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ}[البقرة:222].

وقد أنزل الله تعالى علينا نِعمًا لا تُعدّ ولا تُحصى، وجَعل من بينها الماء الطهور، قال سبحانه:{ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا}[الفرقان:48]، وقال:{وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ}[الأنفال:11]. والآيات الكريمة التي تَتحدّث عن الغُسل أو عن الوضوء تَقرن ذلك بالماء.

أنواع الطهارة:.

الطهارة الشَّرعية طهارتان: طهارة من الحَدث، وطهارة من الخَبث.

والطهارة من الحَدث ثلاثة أصناف: وضوء، وغُسل، وبَديل وهو “التيمم”.

يقول ابن رشد: “واتفقوا -أي: العلماء- على أنّ الطهارة من الحَدث- سواء كان أصغر أو أكبر- ثلاثة أصناف”.

فهو يقسم الطهارة من الحدث إلى أصناف ثلاثة: الوضوء، والغسل، والبديل عنهما إن لم يتوفر الماء، وهو: التيمم.

الباب الأول: الدليل على وجوب الوضوء، وعلى مَن يَجب؟.

يبدأ ابن رشد -رحمه الله- بكتاب الوضوء فيقول: “إن القَول المحيط بأصول هذه العِبادة، يَنحصر في خَمسة أبواب:

الباب الأول: في الدليل على وجوبها، وعلى مَن تَجب، ومتى تَجب؟

الباب الثاني: في مَعرفة الأفعال المَطلوبة في الوضوء.

الباب الثالث: في معرفة ما به تُفعل هذه الأفعال، وهو: الماء.

الباب الرابع: في مَعرفة نَواقِض الوضوء.

الباب الخامس: في مَعرفة الأشياء التي تُفعل من أجْلها.

الدليل على وجوب وفَرضية الوضوء:

فهو الكتاب، والسُّنّة، والإجماع.

أما من الكتاب: فقوله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ }[المائدة:6]،

وأما من السّنة النبوية: قوله صلى الله عليه وسلم: «لا يَقبل الله صلاة بغَير طَهور، ولا صَدقة من غُلول». ويقول صلى الله عليه وسلم: «لا يَقبل الله صلاةَ مَن أحدث حتى يَتوضّأ».

وأمّا الإجماع: فإنه لم يُنقل عن أحدٍ من المسلمين في ذلك خِلاف، ولو كان هناك خِلاف لنُقل.

على مَن تجب الطهارة أو الوضوء؟

تجب على البالغ العاقِل؛ وذلك ثابت بالسُّنّة والإجماع:

أما السّنة: فقوله صلى الله عليه وسلم: «رُفِع القَلم- أي: التكليف- عن ثلاث: فذكَر الصّبيّ حتى يَحتَلم، والمَجنون حتى يفيق، والنائم حتى يستيقظ». فلا وَضوء على الصبي، أمّا إذا أراد الصلاة فنعلِّمه الوضوء. وكذلك المَجنون لا وضوء عليه؛ لأنه لا يَعْقِل ما يَفعل.

وأما الإجماع: فلا خِلاف في وجوب الوضوء على البالغ العاقِل.

متى تَجب هذه الطهارة؟ الطهارة واجبة في حاليْن:

الأول: إذا دخل وقت الصلاة ، فهي واجبة على المُحدِث، لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ}[المائدة:6].

الثاني: إذا أراد الإنسان فعل شيء كان الوضوء شَرطًا فيه، كالطواف مثلًا، وإن لم يكن ذلك متعلقًا بوَقت؛ فمن أراد أن يَطوف فعليه أن يَتوضّأ كما يتوضأ للصلاة؛ لقولهصلى الله عليه وسلم : «الطَّواف كالصلاة إلاّ أنّ الكلام مباح فيه».

الباب الثاني: مَعرفة أفعال الوضوء:

ما المُراد بأفعال الوضوء؟

هي الحَركات والأعضاء التي يتحقّق بها إتمام الوضوء.

والوضوء يعني: الوَضاءَة، والحُسن، والنَّظافة، كالطهارة تمامًا.

أما شرعًا: فهو القيام بغَسل أعضاء مَخصوصة من الجِسم ، بطريقة مَخصوصة، مع النِّية عند بعض الفُقهاء.

 يقول ابن رشد: “أما مَعرفة فِعل الوضوء، فالأصل فيه ما وَرد من صِفته في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ}[المائدة:6]”، كما وردت صِفة الوضوء في أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم التي ذَكَرت صِفة وضوئه صلى الله عليه وسلم.

 يقول ابن رشد: “ويتعلّق بصفة الوضوء مسائل؛ اثنتا عَشرة مشهورة تَجري مَجرى الأمّهات، وهي راجعة إلى مَعرفة الشُّروط والأركان”، وفيما يلي بيانها:

المَسألة الأولى: النِّية:

اتفق العلماء على أنّ النِّية شَرط في العبادات بصفة عامة لقوله تعالى:{وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ}[البيِّنة:5].

هل النية شرط في صِحة الوضوء، أم لا؟

ذهب فريق إلى أنها شرط: فلا يَصح الوضوء بغير نِية وإلا كان نظافة فقط. وقد استدل الإمام الشافعي بالحديث النبوي الصحيح: «إنما الأعمال بالنِّيات». فالنِّية هي التي تُحوِّل العمل الدنيوي إلى عِبادة. وكذلك كان مذهب مالك، وأحمد، وأبو ثور، وأبو داود.

وذهب فريق آخر إلى أنها ليست بشرط: فيَصح الوضوء ما دام قد استوفى الأعضاء والأفعال، وهذا هو مَذهب أبي حنيفة، والثوري.

سبب اختلاف الفقهاء اشتراط النِّية في الوضوء:

بين ابن رشد أن سبب الخلاف يرجع إلى تَردّد الوضوء بين أن يكون عِبادة ونَظافة.

والفقه هو: قُدرة الفقيه على أن يَنظر أيهما أقوى شَبهًا فيُلحق به؛ فالإمام الشافعي، ومالك، وأحمد بن حنبل، وأبو ثور، وداود، أدركوا قُوّة شَبهه بالعِبادة لتعلّقه بالصلاة، وأمْرِ الله تعالى بذلك بقوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ}[المائدة:6].

فمعنى العِبادة واضح فيه، وبالتالي تُشترط فيه النِّية، عَملًا بحديث الرسول صلى الله عليه وسلم: «إنّما الأعمال بالنِّيّات».

أمّا أبو حنيفة، ففَصل بين الوضوء وبين الصلاة؛ فالصلاة عِبادة مَحضة تشترط النية، أما الوضوء فليس عِبادة مَحضة، ولكنه مَعقول المعنى، وبالتالي لم يَشترط النِّية في ذلك.

ونحن مع جُمهور الأئمة في اشتراط النِّية لصِحة الوضوء.

المسألة الثانية: غَسْل الكَفّيْن:

المُراد بالكَفّيْن: أطراف اليَديْن، وقد اختلف الفقهاء في غَسلهما – قَبل إدخالهما في إناء الوضوء وقبل المضمضة والاستنشاق- إلى أربعة أقوال:

أولًا: إنه سُنّة مطلقة.

ثانيًا: إنه استحباب للشاكّ في طهارة اليد.

ثالثًا: إنه واجِب على المُنتبه من النَّوم فقط.

رابعًا: إنه واجِب على المُنتبه من نَوم الليل فَقط دون نَوم النهار.

ويرجع سبب اختلاف الفقهاء –كما بين ابن رشد- إلى مَفهوم “البيات” في قولهصلى الله عليه وسلم: «إذا استيقظ أحدُكم من نَومه فلْيغسلْ يَده قَبل أن يُدخلها الإناء؛ فإنّ أحدَكم لا يَدري أين باتتْ يده».

وهناك من رأى أن في هذا الحديث زيادة على ما جاء في قوله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ}[المائدة:6]؛ حيث لم تَذكر الكفّان.

 فمن حمل لفظ الأمر «لْيغسلْ» على ظاهره من الوجوب، ولم ير تعارضًا بين الآية والزيادة، جعل غسل الكفين فَرضًا من فُروض الوضوء يُضاف إلى الآية الكريمة.

ومَن فَهم من لفظ “البيات” نَوم الليل، أوجب ذلك فقط من نَوم الليل.

ومن لم يَفهم من هذا الحديث ذلك، وإنما فَهِم مِنه النَّوم فقط، أوجب ذلك على كل مُستيقظ من النَّوم نهارًا أو ليلًا.

ومَن رأى أنّ بين هذه الزيادة والآية تَعارضًا، أخرج لفظ الأمر «لْيغسلْ» عن ظاهِره الوجوب، وقال: إن غَسْل الكفين مَندوب.

المسألة الثالثة: المضمضة والاستنشاق.

معلوم أنّ المضمضة والاستنشاق لم يُذْكرا في الآية الكريمة التي صدَّر بها ابن رشد هذا البيان؛ فالآية الكريمة تقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ}[المائدة:6]، دون أن تَذكر مَضمضة ولا استنشاقًا.

فما حُكم المضمضة والاستنشاق بالنسبة لأفعال الوضوء؟ وهل المضمضة والاستنشاق من أركان الوضوء، أم هما من سُننه؟

يقول ابن رشد: “اختلفوا في المضمضة والاستنشاق في الوضوء على ثلاثة أقوال…”

الأول: أنهما سُنّتان في الوضوء، وهو قول جمهور العلماء: مالك، والشافعي، وأبي حنيفة.

القول الثاني: أنهما فَرض في الوضوء، ومَن لم يَقم بهما لم يُتِمّ وضوءه، ويكون وضوؤه غير صحيح. وهذا قول ابن أبي ليلى، وجماعة من أصحاب داود، والإمام أحمد بن حنبل.

القول الثالث: إن الاستنشاق فرْضٌ، أمّا المضمضة فسُنّة؛ وبهذا القَول قال أبو ثَور، وأبو عبيدة، وجَماعة من أهل الظاهر – أي: أتباع داود، أو ابن حزم الظاهري.

الراجح: قَول جمهور العلماء بندب واستحباب المضمضة والاستنشاق.

المسألة الرابعة: غَسل الوجه:

يقول ابن رشد: “اتفق العلماء على أنّ غَسل الوجه بالجُملة من فرائض الوضوء”، أي: ما يُطلق عليه اسم: “الوجه”، دون الدخول في تفاصيل تَتعلّق بالمضمضة، أو الاستنشاق، أو بالأذنيْن، والعِذار، وغير ذلك من التفاصيل. واتفق العلماء على أنّ غَسل الوَجه بالجُملة من فرائض الوضوء، لقوله تعالى: {فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ}[المائدة:6].

وبعد هذا الاتفاق، اختلف العلماء في ثلاثة مواضع في الوجه، هي:

1- غَسل البياض الذي بين العِذار والأذنيْن: وهو الجزء الصغير بين شعر الرأس الممتد إلى اللحية والأذن، أو ما خَلف الأذنينْ.

2- غَسل ما انسدل من اللحية الطويلة المُدلاّة.

3- تخليل اللّحية، أي: تَمرير الماء بين شعرها.

آرء الفقهاء في البياض الذي بين العِذار والأذن:

 المالكية: البياض ليس من الوجه، وغسله ليس فرضًا واجبًا.

أبو حنيفة، والشافعي: البياض من الوجه، وغَسله واجب وفرض من فرائض الوضوء.

آرء الفقهاء فيما انسدل من اللحية:

المالكية: يجب إمرار الماء على الشعر المتدلى؛ لأنه من الوجه.

أبو حنيفة، والشافعي: لا يَجب إمرار الماء عليه؛ لأنه ليس من الوجه.

سبب الاختلاف في المسألتين:

ثم يَحكي ابن رشد أن السبب في الاختلاف هو خفاء تناول اسم الوجه لهذيْن الموضعيْن (البياض الذي بين العِذار والأذن، وما انسدل من اللحية)، أي: هل هما من الوجه، أم لا؟  فمَن اعتبرهما من الوجه أوجب غَسلهما، ومَن لم يَعتبرهما منه لم يُوجب غَسلهما”.

تَخليل اللحية: وهي إمرار الماء بالأصابع من بين شعر اللحية المتدلي، فمذهب الإمام مالك: أنّ التَّخليل ليس واجبًا في الوضوء، وبه قال أيضًا أبو حنيفة، والشافعي. أمّا ابن عبد الحَكم، وهو من أصحاب الإمام مالك، فقد أوجب تَخليل اللحية.

سبب الاختلاف في تخليل اللحية:

بين ابن رشد أن سبب اختلافهم يرجع إلى اختلافهم في صِحة الآثار التي وَرد فيها الأمر بتخليل اللحية، فمَن رآها صَحيحة أمر بتخليل اللحية، ومَن رآها غير صَحيحة لم يأمر بذلك. على العلم بأن أكثر هذه الآثارغير صَحيحة، بخلاف الآثار الصحاح التي ورد فيها صفة وضوئه صلى الله عليه وسلم ليس التَّخليل في شيء منها “، ولكن الترمذي وابن ماجه وغيرهما رووا: «أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يُخلِّل لحيته»، قال الترمذي: حسن صحيح، وقال البخاري عنه: إنه أصح شيء في هذا الباب. وما دام للإنسان لحية فعليه أن يُخلل هذا الشعر.

error: النص محمي !!