Top
Image Alt

مفهوم الفكر وأهميته

  /  مفهوم الفكر وأهميته

مفهوم الفكر وأهميته

الفكر ركيزة هامة في حياة الأمم ودليل على حيويتها وتقدمها، أو على جمودها وتخلفها في جميع المجالات الثقافية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية، والأمة القوية هي التي يجتمع أبناؤها على عقيدة واحدة ومبادئ واحدة، فتكون لهم وجهة نظر واحدة، أي تتمتع بوحدة الفكر، وتعتبر وحدة الفكر من أبرز ظواهر التاريخ الإسلامي، فقد انتظم مختلف وحداته ودوراته وموجاته فكر واحد، وثقافة واحدة بقيت الرابط المشترك الأعظم بينها، مهما اختلفت أقطارها ودولها وأنظمتها.

هذا الفكر هو روح الجماعة الإسلامية، والمحرك الأساسي، والقالب الذي تشكلت فيه مختلف القيم والمفاهيم، والتغيرات السياسية والاجتماعية والاقتصادية، ولعل أبرز ما يتمثل في الفكر الإسلامي والحضارة الإسلامية هو الأصالة، فقد قام الفكر الإسلامي على التوحيد والنبوة والمساواة والعدل، وهي أسس جديدة خاصة بالحضارة الإسلامية لا صلة لها بالحضارات المادية السابقة للإسلام: السريانية والفارسية والرومانية واليونانية والهندية، ولقد أدرك الأوربيون وفي وقتٍ مبكر ما للفكر من أهمية في صراعهم الحضاري مع المسلمين، ولمسوه يقينًا بما ترتب على نتائج الحروب الصليبية، لمسوا يومها أن انتصارهم العسكري لم يجدهم شيئًا، أو يبق لهم وجودًا في الأمة الإسلامية، بعد أن دحرهم صلاح الدين ومن بعده.

ولذلك اتجهوا إلى أفكار الإسلام، فانكبوا على الفكر الإسلامي فترجموه، وقاموا بدراسته وتلخيصه، فكانت أولى أعمالهم ترجمة القرآن الكريم إلى اللاتينية، وبعدها فتح باب الدراسات الإسلامية والعربية عندهم على مصراعيه، فكانت حركة الاستشراق التي مهدت لهم طريق الاستعمار فيما بعد، هكذا عمل الأوربيون على اكتشاف الفكر الإسلامي، وترجمته من أجل إثراء ثقافتهم، فقادهم ذلك إلى حركة النهضة الأوربية، وساروا فيها أشواطًا ثم عملت أوربا على كشف الفكر الإسلامي مرة أخرى لهدف سياسي؛ لتضع خططها الرامية للسيطرة على بلاد الإسلام، مطابقة لما تقتضيه الأوضاع في البلاد الإسلامية من ناحية؛ ولتسيير هذه الأوضاع طبق ما تقتضيه هذه السياسة في البلاد الإسلامية؛ لتسيطر على الشعوب الخاصة فيها لسلطانها.

ومن هنا بدأ يظهر الأثر السلبي للإنتاج الاستشراقي الفكري، الذي كتب عن المسلمين وأحيانًا بالعربية؛ ليمارس دور التخدير أو الإلهاء ليبقى العالم الإسلامي خلوًا من أي توجيه أصيل؛ وليبقى الباب مفتوحًا لتلقي ما يصدرونه من أفكار تحكم سيطرة المستعمرين السياسية، والاستعمارية تحت شعار التقدمية، التي هي في الواقع ستار يخفي مطامع الغرب، ووحشيته هذا الأسلوب هو ما نسميه بالغزو الفكري، وهو الوسائل غير العسكرية التي اتخذها الغزو الصليبي لإزالة مظاهر الحياة الإسلامية، وصرف المسلمين عن التمسك بالإسلام مما يتعلق بالعقيدة، وما ينبثق منها من أفكار وتقاليد، وأنماط حياة، وهو من شعب الجهد البشري المبذول ضد عدو ما لكسب معارك الحياة منه؛ ولتذليل قياده وتحويل مساره، وضمان استمرار هذا التحول؛ حتى يصبح ذاتيًّا إذا أمكن.

وهذا هو أقصى مراحل الغزو الفكري بالنسبة للقلوب، وإن كان في الوقت نفسه هو أقصى درجات نجاح الغزاة، وسلاح هذا الغزو الفكرة والرأي والحيلة والنظريات والشبهات، وخلابة المنطق، وبراعة العرض، وشدة لدادة الخصومة وتحريف الكلم عن مواضعه وغير ذلك، ويتميز الغزو الفكري بالشمول والامتداد، فهو حرب دائبة لا يحصرها ميدان بل تمتد إلى شعب الحياة الإنسانية جميعًا، وتسبق حروب السلاح وتواكبها؛ حتى تستمر بعدها لتكسب ما عجز السلاح عن تحقيقه، فتشل إرادة المهزومين وعزيمته؛ حتى يلين ويستكين، وتنقض تماسكه النفسي؛ حتى يذوب كيانه، فيقبل التلاشي والفناء في بوتقة أعدائه، أو يصبح امتدادًا ذليلًا لهم.

وقد دمغ الله سبحانه وتعالى قادة هذا اللون من الحرب بأسماءٍ وصفات غاية في النكارة، مثل: الشياطين السفهاء المعوقين المرجفين أكابر المجرمين، وأئمة الكفر والذين في قلوبهم مرض، كذلك سمى هذا اللون ذاته بصفات أساليبه الخسيسة، ونتائجه الخبيثة مثل: زخرف القول، الغرور الخبال الفتن، وقد بين القرآن الكريم أن نتائج وغايات هذا اللون من الحرب هي أخبث وأنكد من آثار السيف والقتل، قال تعالى: {وَالْفِتْنَةُ أَشَدّ مِنَ الْقَتْلِ} [البقرة: 191]، وفي مرحلة السيطرة الاستعمارية على بلاد الإسلام اهتم الغرب كثيرًا بإحداث الفراغ الفكري، واقتلاع الشعوب الإسلامية من جذورها الحضارية، بإظهار تهافت كل ما تملكه من مقوماتٍ أمام عصر الذرة وغزو الفضاء.

ولم يفصل الغرب في عدائه للإسلام أبدًا بين العروبة والإسلام، وإن حاولت جامعاته وإرسالياته أن تلقن المسلمين غير ذلك، فـ”مورو بيرجر” أستاذ الشرق الأدنى بجامعة “برنستون” الأمريكية، ومؤلف كتاب (العالم العربي اليوم) يقول في معرض حديثه عن معارضة الغرب للوحدة العربية: “لقد ثبت تاريخًا أن قوة العرب تعني قوة الإسلام، ونفس الشيء يمكن أن يتكرر اليوم حيث يحرز الإسلام انتصاراتٍ واسعة في أفريقيا”، وعمل المستعمر على نقل المعركة بين أبناء البلد المغلوب على أمره، بأن استخدم من تربى في معاهده ومن قلده، فأثارهم ضد دعاة الفكر الإسلامي في بلادهم، فتحول الأمر إلى صراع داخلي، فأثار الفوضى وسرب في غمرته الأفكار الهدامة، وزرع اليأس في نفوس دعاة الفكر الأصيل من إمكانية التغيير، بذلك حاول الغرب والمتغربون تعطيل النشاط الفكري، فبقي النشاط السياسي بالتالي أعمى، والأفكار دون جدوى. وحتى يتم تعطيل دور المفكر فقد عمل الاستعمار على:

  • تنفير الرأي العام من أفكاره بجميع الوسائل المتاحة للاستعمار.
  •  تنفيره هو نفسه من القضية التي يكافح من أجلها بإشعاره بعبث كفاحه، فيخلق المستعمر بهذه الطريقة نمطين من المواجهة لأي مفكر يريد أن يدخل حلبة الصراع لمواجهته؛ حتى يستغل إمكاناته الضخمة الإعلامية والثقافية، وعملاءه في السر والعلن؛ لكي يحارب شخصًا وعى مشكلات بلاده، وأراد أن يوجهها بأسلوب سليم، بدايته وضع الأسس الفكرية، واستقطاب الناس حوله، وكثيرًا ما تحاول حكومات بلاده التعتيم على ما ينشره أو يقوم به، وتزداد معاناته حين يواكبه قومه بـالامبالاة، ويواجه بالأفكار المصدرة الملونة بالأحمر أو الأزرق، ولكنها في مضمونها تحمل القناعات الاستعمارية القديمة برداء الحرية، والإخاء والمساواة، أو الماركسية والاشتراكية.

وبهذا عمل الاستعمار على تحطيم المعنويات الإسلامية، وبقية الروح الإسلامية التي يستند إليها وجود الأمة التاريخي بملامحها الخالدة المميزة له، وقد شهد العالم الإسلامي تغييرات فكرية في عهد الجمود، وقبل انهيار الخلافة العثمانية، فنشطت دعوة المفكرين للعودة إلى الإسلام، والتكتل الإسلامي، أي: فكرة الجامعة الإسلامية، وإصلاح أوضاع المسلمين وعقيدتهم، كدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب في نجد.

ولد الشيخ محمد بن عبد الوهاب عام 1115 هجرية 1703 ميلادية، في بلدة العيينة إحدى قرى نجد في شمال الرياض، في أسرة علمية، حفظ القرآن الكريم وهو في العاشرة من عمره، وتتلمذ على أبيه في الفقه على مذهب الإمام أحمد بن حنبل، وكان مشغوفًا بالعلم والدراسة، واعتنى بكتب شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم -رحمهما الله-. رحل في طلب العلم فذهب إلى مكة حاجًّا، ثم انتقل إلى المدينة وطوف في البلدان الإسلامية المجاورة لنجد، وأخذ عن شيوخها وعلمائها، فزار الإحساء وأقام في البصرة نحو أربع سنوات، وفي بغداد خمس سنوات، وعاد إلى حريملة حيث كان يقيم والده بعد تركه العيينة، وبدأ دعوته وهو في الخامسة والثلاثين من عمره، وقد ارتكزت هذه الدعوة على مبدأين رئيسيين:

1. التوحيد: أي الدعوة إلى الله وحده والتعبد له دون شريك، واعتمد في ذلك على القرآن الكريم والسنة النبوية، وآثار السلف، ونادى بالجهاد في سبيل نشر عقيدة التوحيد الخالصة لوجه الله دون إشراك أحد معه في العبادة.
2. الاجتهاد: بشرط عدم مخالفة نصوص القرآن والسنة وآثار السلف الصالح، وأنكر تقليد أحد غير الأئمة الأربعة أهل السنة والجماعة، وركز الشيخ على محاربة البدع، وتقديس الأولياء والحج إلى قبورهم والتمسح بأضرحتهم، وتقديم النذور والاستشفاع بهم لجلب منفعة، أو لدفع ضر، وكانت هذه الأضرحة والقبور في كل مكان، وفي كل مدينة من العالم الإسلامي في عصر انحداره بحيث انحرف أكثر المسلمين عن التوحيد الصحيح، وقد ركز الشيخ على مذهب أحمد بن حنبل -رحمه الله-، وأطلق على نفسه وأتباعه اسم الموحدين.

أما الوهابية: فهو اسم أطلقه عليهم خصومه، واستعمله الأوربيون ثم جرى على الألسن، وقد تحولت دعوته إلى حركة جهاد حين التقى بالأمير محمد بن سعود في الدرعية، وبايعه على الدعوة إلى الله، والجهاد في سبيل الله، والتمسك بسنة رسول الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإقامة الشعائر الدينية، وقامت المملكة العربية السعودية الأولى، وتوفي عام 1206 هجرية 1791 ميلادية.

وكذلك ظهرت الدعوة السنوسية في ليبيا، والمهدية في السودان، والدهلوية في الهند، إلا أن هذه الدعوات الثلاث وما شابهها كانت محدودة النجاح، حيث لم تتجاوز نطاق بيئتها الإقليمية، أما دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب فكان لها أثر في بقاع كثيرة من العالم الإسلامي، وبعض هذه الدعوات انحسر عند حملة الأقلام والمفكرين، ولم تمس عامة الناس إلا مسًّا خفيفًا، فبقي عامة الناس على أوضاعهم العقدية، كما نشط دعاة التغريب، وكان حملة الفكر في جميع الأطراف مضطرين أن يبرروا اتجاهاتهم، وأفكارهم بالتوفيق مع الإسلام العميق الجذور لدى الأمة، وإن كان التخلف الفكري عندهم قد حد كيانهم، وكيان الأمة.

وكان من الممكن أن تنتهي الأمة في نهضتها على أسس الإسلام، ولكن الضربات الموجعة من قبل التحديات الخارجية، وشدة الانحراف عن النهج الإسلامي لدى عامة الناس كانت من الشدة، بحيث حالت بين تلك العناصر المفكرة على أسس الإسلام وبين العامة، فذهبت جهود المفكرين بفائدة محدودة، وبعد انهيار الخلافة العثمانية عام 1343 هجرية 1924 ميلادية، واجه الغرب الصليبي والشيوعية والصهيونية الأمة الإسلامية بالتحدي الكبير، فنشط الاستشراق والتبشير والمنحرفون من الأمة نفسها، وأصبحوا في حلٍّ من القيود، يعبثون كما شاء لهم العبث، وأخذت أفكارهم بما أوتيت من دعاية منظمة تجد هوًى، وتأييدًا لدى العامة؛ لتصبح رأيًا عامًّا باسم التقدمية والنهضة والإصلاح، ومقاومة الاستعمار.

وقامت مدرسة فكرية جديدة بين المسلمين ترمي إلى تقريب الشقة بين تعاليم الإسلام، وبين ما جاءت به حضارة الغرب من أفكار، ونظريات في ميادين الحياة، فبرزت الأفكار التوفيقية، وكان عماد هذا العمل هو تفسير النصوص تفسيرًا عصريًّا يلائم الفكر السائد، ومحاولة إيجاد نقطة التقاء بين الخطين الإسلامي والمادي على تباينهما، وعلى الأقل على تباعدهما، وقد ألجأ الهجوم الفكري في هذه المدارس إلى مواقف دفاعية غريبة عن الإسلام، إذ جردته من كثير من أحكامه الصريحة، وجاءت لها بمعان جديدة بعيدة كل البعد عما تلقاه المسلمون، عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وذلك مثل: تعدد الزوجات، والطلاق، والربا، والتماثيل، والجهاد، وأهل الذمة.

وهذه الأمور كلها بلغ فيها الإسلام الغاية العليا في الأحكام والسمو، ولكنها عادت في رؤية المدارس المغلوبة أمام الضغط الفكري الغازي، عادت مثالب أو نقاط ضعف في الإسلام تحتاج إلى دفاع، أو هي في أوهامهم كانت فضائل صالحة لزمانها، واحتاج التطور البشري إلى تعديلها، ولووا عنق النصوص؛ ليؤيدوا فروضهم التي وضعوها، ووجد المفكرون المسلمون الخلص أنفسهم في مؤخرة الركب لا في الصدارة الجديرة بهم، فالإلحاديون والماديون وتلاميذ المستعمرين، والتوفيقيون يسدون عليهم الطرق، ويثيرون حولهم الضجيج، ورغم ذلك ظلوا على ولائهم للفكر الأصيل وإيمانهم به، فعالجوا قضايا الفكر الإسلامي، ومدى ارتباطه بواقع البشر معالجة بارعة، وأطلقت رؤوس الأفكار المنحرفة بدون حاجز، وبحرية كاملة بما يملكونه من وسائل نشر، ودعاية وإعلان ووظائف عليا وحراسة، فدخل الفكر القومي والوطني والعلماني والمادي والاشتراكي والعالمي والوجودي إلى صفوف المسلمين باسم العلم، وحرية البحث، والنهضة والإصلاح والثورة على كل قديم على حساب الرابطة الإسلامية.

فمبدأ القومية يستهدف العنصرية، وهي تستهدف إيجاد الصدع بين العرب والفرس والترك والهنود، وهم جميعًا مسلمون كما تهدف إلى إعلاء شأن التاريخ الإقليمي، وفكرة العالمية تستهدف القضاء على الذاتية الإسلامية المتميزة، وهي كثيرة كانت تلبس ثوب الرحمة والإنسانية، وحب السلام والوئام منها الماسونية والشيوعية والروحية، والدعوة إلى التوفيق بين الأديان، وبين الإسلام والنصرانية منها خاصة، والدعوة إلى القومية والعالمية صارت في خط واحد من أجل معارضة مفهوم الإسلام، الذي دعا إلى وحدة فكرية واجتماعية بين أهله تعلو على العنصر والقومية والدم، وأدرك الغرب أن العالم العربي بخصائصه، وحسن موقعه الجغرافي، وأهميته السياسية يحسن الاطلاع برسالة الإسلام، ويستطيع أن يتقلد زعامة العالم الإسلامي، ويزاحم أوربا وينتصر عليها إذا هو تمسك برسالة الإسلام، ولقد مر معنا أن الغرب في عدائه للإسلام، والمسلمين لم يفصل أبدًا بين العروبة والإسلام.

error: النص محمي !!