Top
Image Alt

مفهوم “القياس”، أركانه، وأقسامه، وآراء العلماء في نسخه

  /  مفهوم “القياس”، أركانه، وأقسامه، وآراء العلماء في نسخه

مفهوم “القياس”، أركانه، وأقسامه، وآراء العلماء في نسخه

مفهوم القياس وأركانه:

فبعد أن فرغ الشيخ ابن قدامة -رحمه الله- من الكلام عن مسألة نسخ الإجماع والنسخ به، انتقل إلى مسألة أخرى هي النسخ بالقياس أو نسخ حكم القياس ونسخ حكم غيره به.

فهل القياس يكون ناسخًا لغيره؟

وهل القياس يكون منسوخًا بغيره؟

وقبل أن نجيب على هذا السؤال لا بد أن نبين باختصار مفهوم القياس ما هو؟

ونذكر أمثلة توضيحية لهذا القياس، ثم نتكلم بشيء من الإيجاز عن أركان القياس وأقسامه، ثم ننتقل إلى الجواب عن سؤالنا وهو: هل القياس يكون ناسخًا ويكون منسوخًا أوْ لا؟

القياس أحد الأصول الأربعة، أو أحد المصادر الأربعة، أو أحد الأدلة الأربعة التي تستند إليها الأحكام الشرعية ويكتسب منها الفقيه أحكام الله تعالى بطريق الاجتهاد، فمازال الناس يقولون: مصادر التشريع أو أدلة التشريع المتفق عليها أربعة: الكتاب العزيز والسنة النبوية وإجماع الأمة والقياس.

ولما كان القياس مصدرًا من مصادر التشريع تبنى عليه الأحكام بل أكثر الأحكام الشرعية تؤخذ عن طريق القياس؛ لذا خصه العلماء بمزيد اعتناء لماذا؟

لأنه أكمل الرأي ومجال الاجتهاد، والقياس هو المرشد لعلل الأحكام، وهو الوسيلة إلى الإحاطة بمقاصد الشريعة الغراء من جلب المصالح ودفع المفاسد عن الأنام؛ لأن مقاصد الشريعة الإسلامية هي تحقيق المصالح ودفع المفاسد عنهم، والقياس وسيلة للإحاطة بتلك المقاصد، والقياس هو المفزع الذي يفزع إليه المجتهد إذا فقدت النصوص وظن ضيق المسالك، وانسداد الذرائع.

يعني: لو لم يجدْ المجتهد نصًّا في القرآن العزيز أو السنة النبوية أو إجماع الأمة، لا محالة ينتقل إلى ما يعرف بهذا القياس؛ لذلك قال بعضهم: “إذا أعيى الفقيه وجود نصٍّ تعلق لا محالة بالقياس”.

وبالقياس تثبت أكثر الأحكام، لماذا؟

لأن نصوص الكتاب والسنة محصورة، حتى قال بعض أهل العلم: هي خمسمائة آية، وكذا نصوص السنة محصورة، يعني: الأحاديث المتعلقة بالأحكام أحاديث محصورة حتى جمعها بعض أهل العلم كابن حجر في كتابه (بلوغ المرام) والمقدسي في كتاب (عمدة الأحكام).

فالشاهد أن نصوص الكتاب المتعلقة بالأحكام الشرعية محصورة ومحدودة ومعدودة، وكذا نصوص الأحكام في السنة النبوية المتعلقة بالأحكام محصورة ومحدودة، بقي ماذا من المصادر؟ بقي الإجماع ومواضع الإجماع معدودة وقليلة جدًّا، لكن وقائع الناس وحوادث الناس وقضايا الناس ومستجدات الناس غير محصورة وغير متناهية، بل متجددة وكل يوم نسمع مسألة مستجدة ومستحدثة. فالآن نسمع:

ما حكم الاستنساخ؟ وما حكم نقل الأعضاء؟ وما حكم بنوك اللبن؟

ونحو ذلك فهذه قضايا مستحدثة ومستجدة لا يوجد نص صريح في حكمها في القرآن أو السنة أو الإجماع، لكن قد يستفاد حكمها عن طريق القياس، والقياس في الواقع هو نفس الأمر مأمور به من قِبل الله تعالى، وقبل رسوله صلى الله عليه  وسلم، لذا قال أهل العلم: إن نصوص أهل الكتاب والسنة محصورة ومواضع الإجماع معدودة، والوقائع أعني وقائع الناس وحوادث الناس وقضايا الناس غير محصورة، ولو لم يستعمل القياس لأفضى وأدى ذلك إلى خلو كثير من الحوادث عن الأحكام لقلة النصوص وكون الصور لا نهاية لها.

ومن المعلوم أن الشريعة الإسلامية فيها حكم لكل واقعة تستجد إلى قيام الساعة يعرفها المجتهد إما صراحة من النصوص، وإما بطريق الاجتهاد، وأعلى هذا الاجتهاد هو القياس.

وإذا كان أعلى الاجتهاد هو القياس فما هو تعريف القياس؟

القياس عرفه العلماء بتعريفات متعددة حاصل هذه التعريفات: “أن المجتهد يلحق صورة أو واقعة أو حادثة لا نص فيها بصورة أو واقعة أخرى فيها نص، إذا وجدت علة جامعة بين الصورتين”. هذا معنى القياس.

وهل هذا الإلحاق بمجرد الهوى؟ لا، هذا الإلحاق يكون نتيجة لوجود جامع مشترك بين الواقعتين، هذا الذي يسميه العلماء العلة هذا معنى القياس، وسنذكر له أمثلة الآن، لكن ما هو التعريف الأصولي للقياس؟ الأصوليون عرفوا القياس كما قلت لكم بتعريفات متعددة، أوضح هذه التعريفات هو تعريفه بأنه مساواة فرع لأصل في علة حكمه، وهذا تعريف ابن الحاجب المالكي وأنت الآن جدير بأن تعرف من هذا التعريف المختصر البسيط ماهية وحقيقة القياس، مساواة فرعٍ الفرع، هنا سيكون الواقعة التي لا نص فيها والتي نريد أن نعرف حكمها عن طريق إلحاقها ومساواتها وقياسها بواقعة أخرى معروفة الحكم، ومنصوص على حكمها.

مساواة فرعٍ لأصل الأصل هذا هو الواقعة المعروفة الحكم التي نص الشارع الحكيم على حكمها مساواة فرعٍ لأصل في علة حكمه، حكمه الهاء ضمير يرجع إلى الأصل يعني: لو وجد جامع مشترك بين الفرع وبين الأصل هذا الذي نسميه علة، فلك أن تنقل حكم الأصل إلى الفرع طالما أن العلة موجودة بين الأصل وبين الفرع.

فمثلًا: شرب الخمر واقعة ورد النص في القرآن وأيضًا في السنة بحكمها، وهو أن شرب الخمر حرام، وفوق الحرمة استحقاق العقوبة، بقي أن تسأل نفسك ما هي العلة التي من أجلها حرم الشارع شرب الخمر، وأوجب عقوبة على شربها؟ العلة هي الإسكار الذي يفسد العقول، والعقول قد ورد الشرع بوجوب حفظها.

وشرب النبيذ -نبيذ العنب أو التمر أو غيرهما- واقعة لا نص فيها -يعني: لم يقل الشارع حرمت شرب نبيذ العنب، أو حرمت شرب نبيذ التمر، فشرب النبيذ واقعة لا نص فيها- والمجتهد إذا أعطاها حكم شرب الخمر وهو الحرمة واستحقاق العقوبة لاشتراك النبيذ مع الخمر في الإسكار وفي إفساد العقول، يقال: إنه قد قاس النبيذ على الخمر، فعند شرب الخمر واقعة ورد النص بحكمها، والنبيذ واقعة لم يرد النص بحكمها، فلو أن المجتهد أعطى حكم شرب الخمر لشرب النبيذ للعلة الجامعة بينهما وهي الإسكار، يقال حينئذٍ: هذا المجتهد قاس النبيذ على الخمر في الحرمة بعلة الإسكار، وحرمة الخمر قد ثبتت بالقرآن، في قول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ} [المائدة: 90].

مثال آخر: قتل الوارث مورثه، واقعة ثبت بالنص حكمها وهو منع القاتل من الميراث الذي دل عليه قوله صلى الله عليه  وسلم: ((لا يرث القاتل))، والعلة ما هي؟

قال أهل العلم: العلة هي أن قتله -يعني قتل الوارث لمورثه- فيه استعجال الشيء قبل أوانه؛ فيرد عليه قصده ويعاقب بحرمانه؛ لذلك قرر علماء القواعد: “من استعجل شيئًا قبل أوانه عوقب بحرمانه”، فهذا القاتل استعجل الإرث قبل أوانه يعني قبل وفاة المورث وفاة طبيعية فهذه واقعة ورد النص بحكمها، وهي أن القاتل لمورثه محروم من الميراث ويمنع الشخص من الميراث واحدة من علل ثلاث:

رق وقتل واختلاف دين

*فافهم فليس الشك كاليقين

 لكن هب أن الموصى له قتل الموصي فهل المسألة تأخذ حكم مسألة الإرث؟ يعني لو قتل الموصى له الموصي فهل يمنع من الوصية كما منعنا القاتل من الإرث؟ قالوا: وقتل الموصى له للموصي توجد فيه هذه العلة فيقاس على قاتل المورث في الحرمان من التركة، لأن كلًّا قد تعجل الشيء قبل أوانه، ولأنه لا يجوز أن يستفيد الجاني من جنايته شرعًا.

مثال ثالث: البيع وقت النداء للصلاة من يوم الجمعة واقعة ثبت بالنص حكمها، وهو الكراهة أو التحريم الذي دل عليه قول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ} [الجمعة: 9].

والعلة هي شغله عن الصلاة، إذًا النص وارد في النهي عن البيع؛ فهب أن إنسانًا بدل أن يعقد عقد بيع عَقدَ عقد إيجار، أو عقد رهن، أو أي معاملة من المعاملات وقت النداء للصلاة من يوم الجمعة فهل العلة موجودة؟ وهي الشغل عن الصلاة إن كانت العلة موجودة فتقاس على البيع، فلك أن تلحق عقد الإيجار وعقد الرهن بالبيع في حكمه، وتقول: يكره أو يحرم عقد الإجارة، أو عقد الرهن عند النداء للصلاة.

ففي كل مثال من هذه الأمثلة سويت واقعة لا نص على حكمها بواقعة نص على حكمها في الحكم المنصوص عليه، بناء على تساويهما في علة هذا الحكم، وهذه التسوية بين الواقعتين في الحكم بناء على تساويهما في علته هي القياس في اصطلاح الأصوليين.

أركان القياس:

هذا القياس من خلال التعريف الذي ذكرناه وهو مساواة فرع لأصل في علة حكمه له أركان أربعة، وهذا مدخل ضروري للموضوع. أي: قياس لا بد له من أركان أربعة: الركن الأول: هو الأصل، والثاني: هو الفرع، والثالث: العلة، والرابع: حكم الأصل.

فما هو الأصل؟

الأصل: هو الواقعة التي ورد بحكمها نص أو إجماع ويسمى بالمقيس عليه، يعني: عند الأصوليين يقال: الأصل أو المقيس عليه، والفقهاء يسمونه محل الوفاق هذا معنى الأصل.

أما الفرع فهو الواقعة التي لم يرد فيها نص أو إجماع ويراد التعرف على حكمه ويسمى بالمقيس أو محل الخلاف.

أما العلة فهي أهم ركن من أركان القياس وهي: الوصف الذي شرع الحكم لأجله في الأصل، يعني في المثال الذي ذكرناه الإسكار هو الوصف الذي لأجله حرم الله تعالى شرب الخمر ويتبين وجوده، يعني هذا الوصف في الفرع، وبمقتضى وجود العلة أو الوصف في الفرع ينتقل الحكم من الأصل إلى الفرع. ولك أن تقول بعبارة بسيطة جدًّا: العلة هي الجامع المشترك بين الأصل وبين الفرع، فمتى وجدت العلة في الفرع كما هي موجودة في الأصل فلك أن تعدي حكم الأصل إلى الفرع أو تنقل الحكم من الأصل إلى الفرع.

ما هو حكم الأصل؟

حكم الأصل هو الحكم الشرعي الذي ثبت في الأصل ويراد تعديته إلى الفرع بطريق القياس.

هل الحكم الذي نثبته في الفرع بعد إجراء عملية القياس، هل هو ركن من أركان القياس؟

يعني: لماذا قام القياس أصلًا؟

القياس أصلًا قام من أجل أن نثبت الحكم في الفرع، فإذا وصلنا إلى هذه النتيجة فهل يكون حكم الفرع الذي ثبت بالقياس ركن من أركان القياس؟ قال أهل العلم: الحكم الذي يثبت للفرع بالقياس ليس ركنًا من أركان القياس؛ لأنه نتيجة القياس وثمرته، وركن الشيء جزؤه الذي يتوقف عليه وجود الشيء، والذي لا تتحقق حقيقة الشيء بدونه.

مثال: السرقة حرام وموجبة لقطع اليد بالنص:رضي الله  عنه ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ} [المائدة: 38]، لعلة.

ما هي هذه العلة؟

هي أنه أخذ المال خفية من حرز مثله، وقد وجدت هذه العلة في نبش القبور -النباش الذي ينبش القبور ويسرق أكفان الموتى- هل وجدت فيه هذه العلة؟ وهي أخذ المال خفية من حرز المثل، إن وجدت العلة في النباش فلك أن تعدي الحكم من السرقة إلى النبش، وتقطع يد النباش، فالنبش فرع؛ يعني نبش القبور فرع، والعلة هي أخذ المال خفية من حرز مثله، والحرمة لأن الذي يسرق أكفان الموتى يرتكب حرامًا، وقطع اليد حكم الأصل.

وعلى هذا أنت جدير بأن تقول: تقطع يد النباش قياسًا على قطع يد السارق؛ لأنه أخذ المال خفية من حرز المثل، هذه هي أركان القياس.

هل القياس ينسخ وينسخ به أوْ لا؟

القياس: قسمه العلماء عدة تقسيمات باعتبارات مختلفة نشير إليها إشارات خفيفة إلى أن نأتي على موضع القياس -إن شاء الله تعالى- فالقياس يقسمه العلماء باعتبار العلم أو الظن بعلة حكم الأصل إلى قسمين: قياس قطعي وقياس ظني.

والقياس القطعي كما يعرفه العلماء: هو ما قطع فيه الحكم في الأصل ووجودها في الفرع.

فمثلًا: القياس الذي تكون العلة فيه قطعية بمعنى أن يقطع بعلية الوصف في الأصل، ويقطع بوجود ذلك الوصف في الفرع يسميه العلماء قياس قطعي، وله أمثلة كثيرة منها: أن النبي صلى الله عليه  وسلم نهى عن التضحية بالشاة العوراء، والشاة العرجاء والعلة في ذلك النهي هو العيب المتمثل في العور والعرج.

نقول: لا يجوز، لماذا؟

لأن العلة التي من أجلها نهى الشارع عن التضحية بالعوراء والعرجاء معلومة ومقطوع بها في التضحية بالشاة العمياء أو الشاة القطعاء هذا يسميه العلماء القياس القطعي، فمعنى قطعي يعني نقطع فيه بعلة الحكم في الأصل ووجودها في الفرع كما مثلت لكم الآن بنهي النبي صلى الله عليه  وسلم عن التضحية بالشاة العوراء والعرجاء، والعلة في ذلك النهي هو العيب المتمثل في العور والعرج، وقياسًا عليه فإن التضحية بالشاة العمياء أو الشاة القطعاء منهي عنها من باب أولى، هذا يسميه العلماء قياس قطعي ويسمونه أيضًا قياس جلي.

أما القياس الظني: فهو القياس الذي لم يقطع فيه بالأمرين معًا، ومعنى الأمرين معًا يعني: يقطع بوجود العلة في الأصل، ووجود العلة في الفرع، وبقي أن نمثل لكم للقياس الظني، فالقياس الظني كما يمثل له العلماء بقياس التفاح على البر في حرمة التفاضل؛ لأننا لا نقطع بالعلة بل نظن هذه العلة؛ لأن العلماء اختلفوا في حقيقة العلة التي من أجلها يحرم التفاضل في البر؛ هل هي الكيل أو الوزن أو الطعم أو الادخار أو الاقتيات أو غير ذلك.

كذلك قسم العلماء القياس باعتبار الحكم الثابت في الفرع إلى ثلاثة أقسام:

القسم الأول: قياس أولى:

وهو ما كان الفرع فيه أولى بالحكم من الأصل؛ لقوة العلة وظهورها فيه، والمثال الذي ذكرناه في القياس القطعي يأتي هنا فيسميه العلماء قياس أولى؛ يعنى حرمة التضحية بالعمياء قياسًا على العوراء، بل هو من باب أولى، الله تعالى يقول في شأن الوالدين: {فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا}[الإسراء: 23]، فنص الآية الكريمة نهى عن التأفيف للوالدين، فلو سألنا سائل: هل يجوز ضرب الوالدين؟

نقول: يحرم ضرب الوالدين قياسًا على تأفيفهما، بل هو من باب أولى؛ لأن العلة في الفرع وهي الضرب موجودة بدرجة أشد من الأصل وهي التأفيف، فالقياس باعتبار الحكم الثابت في الفرع قد يكون قياس أولى كقياس الضرب على التأفيف، وقياس العمياء على العوراء ونحو ذلك.

القسم الثاني: قياس مساوٍ:

وهو ما كان الفرع والأصل فيه متساويان، وليس أحدهما أولى بالحكم من الآخر، ويمثل له العلماء بقياس إتلاف مال اليتيم على أكل مال اليتيم، فهو قياس مساوي؛ لأن النتيجة واحدة وهى ضياع مال اليتيم.

وهناك قياس أدون وهو القسم الثالث وهو ما كان الفرع فيه أقل ارتباطًا بالحكم من الأصل، كما لو قست التفاح أو البرتقال أو أي فاكهة على القمح في حرمة التفاضل، هذه أهم تقسيمات القياس.

معنى العلة المنصوصة والمستنبطة:

إذا تكرر هذا الأمر وهو حقيقة القياس وأمثلته وأركانه وأقسامه، نوضح لكم جزئية لها تعلق أيضًا بالموضوع، وهو أن العلة وهي أحد أركان القياس بل هي أهم أركان القياس، والعلة قد تكون منصوصة وقد تكون مستنبطة، ومعنى منصوصة يعني الشارع الحكيم نص على هذه العلة، وقد تكون العلة مستنبطة يعنى المجتهد هو الذي استنبط واستخرج هذه العلة بمجهود منه، فالعلة إذا كانت منصوصة كأن الشارع نص عليها وقال: هذا الشيء شرعته لكذا أو لأجل كذا أو لعلة كذا.

العلة المنصوصة:

يقول العلماء: هي العلة التي نص الشارع عليها.

مثال ذلك: ما رواه الإمام أبو داود والنسائي وابن ماجه والإمام مالك والإمام أحمد رضي الله  عنهم عن أبي قتادة أن النبي صلى الله عليه  وسلم قال في الهرة: ((إنها ليست بنجس إنها من الطوافين عليكم والطوافات)) أين العلة هنا؟

الآن منطوق الحديث أثبت أن الهرة ليست نجسة؛ لأجل ماذا؟

لأجل كثرة التطواف قال النبي صلى الله عليه  وسلم: ((إنها من الطوافين عليكم والطوافات)) فالعلة هنا كثرة التطواف وصعوبة التحرز منها لذلك حكم الشارع بطهارتها، فالشارع قد ينص على العلة والعلماء يسمون ذلك العلة المنصوصة، والنص على العلة له ألفاظ كثيرة وما نذكره لكم الآن إشارات بسيطة في باب القياس.

فالعلة قد تكون منصوصة، يعني: الشارع نص عليها، وصرح بها، ويرد ذلك بألفاظ كثيرة في نصوص الشرع منها لفظ التعليل كما في قول الله تعالى في شأن الفيء: {كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ} [الحشر: 7]، “كي لا” هذا لفظ تعليل ونحو: “لكيلا” فهذا لفظ تعليل أيضًا كما في قول الله تعالى: { لِكَيْ لَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ} [الحديد: 23]، ونحو قول الله تعالى: { ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ} [الأنفال: 13]، ونحو قول الله تعالى: { مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ} [المائدة: 32]، ونحو قول النبي صلى الله عليه  وسلم: ((إنما جعل الاستئذان من أجل البصر)) هذه صيغ يفهم منها أن الشارع قد نص على العلة صراحة أو صرح بالعلة.

ومثال العلة المنصوصة أيضًا قول النبي صلى الله عليه  وسلم: ((إنما جعل الاستئذان من أجل البصر)) ومثل قول النبي في الهرة: ((إنها ليست بنجس)) ومثل قول الله تعالى: {كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ} [الحشر: 7] وقوله تعالى: { مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ} [المائدة: 32] إلى غير ذلك من الألفاظ التي يفهم منها التعليل صراحة، فهذا يسميه العلماء علة منصوصة.

العلة المستنبطة:

ومعنى مستنبطة: يعني يستنبطها المجتهد ويستخرجها بنفسه؛ فالشرع لم يتكلم فيها، وإنما المجتهد أعمل فكره ورأيه ونظره واجتهد فتوصل إلى أن هذه هي العلة.

مثال: تحريم الخمر مثلًا، ما هي العلة في التحريم؟ قلنا: إن التحريم هو الإسكار لكن هل نص الشارع وقال: حرمت الخمر من أجل الإسكار؟ أم أن المجتهد أعمل فكره ورأيه ونظره واجتهد فتوصل أن ما يصلح أن يكون علة لتحريم الخمر هو الإسكار، هذا فعل المجتهد، لذلك يقولون: العلة المستنبطة: هي العلة التي يستنبطها المجتهد ويستخرجها بنفسه مثل تحريم الخمر قد استنبط المجتهدون العلة لذلك وقالوا: إنها الإسكار.

آراء العلماء في نسخ القياس:

ابن قدامة يقول: القياس إن كان منصوصًا على علته؛ فهو كالنص ينسخ وينسخ به وإن لم يكن منصوصًا على علته قال: فلا ينسخ، هذا اختيار الشيخ ابن قدامة فلا ينسخ لماذا؟ لأن العلة الآن صارت علة اجتهادية؛ توصل المجتهد إليها، وقد تكون هذه العلة علة حقيقية، وقد لا تكون علة أصلًا؛ فلا يرقى القياس حينئذ أن يكون في مرتبة النص حتى نقول: ينسخ وينسخ به.

لذلك يقول ابن قدامة: وما لم يكن منصوصًا على علته؛ فلا ينسخ ولا ينسخ به على اختلاف مراتبه؛ أي على اختلاف مراتب القياس –يعني: سواء أكان قياسًا قطعيًّا أو قياسًا ظنيًّا- ومعنى قطعي: يعني أن نقطع بالعلة كما قسنا العمياء على العوراء في المنع من التضحية كما نهى النبي صلى الله عليه  وسلم، قال -رحمه الله-: وشذت طائفة فقالت: ما جاز التخصيص به جاز النسخ به. فكأن هذه الطائفة تقول: لا مانع من نسخ القياس والنسخ به، لماذا؟ قالوا: لأن النسخ كالتخصيص، وكل ما جاز التخصيص به يجوز النسخ به، ومعلوم أنه يجوز التخصيص على كلامهم بالقياس فيجوز النسخ بالقياس.

قال الشيخ -رحمه الله-: وهو منقود –يعني: هذا الكلام من هذه الطائفة كلام منقود- وغير مترد وغير صحيح، وغير مسلم لماذا؟ قال: لأن دعوى أن كل ما جاز التخصيص به جاز النسخ به دعوى غير مسلمة، فمثلًا يجوز التخصيص بالعقل ولا يجوز النسخ بالعقل، ومثال التخصيص بالعقل قول الله تعالى: { قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} [الرعد: 16].

فقد دل العقل على أن الله تعالى لا يتناوله ذلك الله خالق كل شيء فالعقل يقضي بأنه ليس خالقًا لذاته فهذا تخصيص. فقولكم: إن ما جاز التخصيص به جاز النسخ به كلام منقود ومردود عليه، وكذا بالإجماع؛ فإن الإجماع يجوز التخصيص به ولا يجوز النسخ به.

خصص الإجماع عموم قوله صلى الله عليه  وسلم: ((إن الماء طهورٌ لا ينجسه شيء)) منطوق الحديث يقول: الماء طهور لا ينجسه شيء، لكن الإجماع على أن الماء إن حلت فيه نجاسة وغيرت لونه أو طعمه أو ريحه ينجس هذا بالإجماع، فالإجماع الآن مخصص أم لا؟ مخصص، ومع ذلك لا يجوز النسخ به، فإن التخصيص بجميع ذلك جائز دون النسخ فكيف يتساويان؟

ثم أجاب بجواب آخر قال: والتخصيص بيان يعني حقيقة التخصيص أنها بيان، والنسخ رفع الحكم الشرعي بطريق شرعي متراخ عنه، والبيان تقرير والرفع إبطال، هكذا ذكر ابن قدامة -رحمه الله- المسألة في هذا الفصل بهذه الألفاظ الموجزة، ونأتي عليها الآن بالشرح والتوضيح فنقول:

واضح أن هذا الفصل يشتمل على مسألتين: المسألة الأولى: القياس: يكون منسوخًا وقد عرفتم الآن معنى القياس وشروطه وأركانه وأمثلته، فالقياس هل يكون منسوخًا؟ يعني: يأتي نص فينسخ القياس سواء كان النص قرآن أو سنة ويأتي الإجماع فينسخ القياس ويأتي قياس فينسخ القياس أو لا يكون منسوخًا، تلك هي المسألة الأولى في الموضوع، المسألة الثانية: القياس هل يكون ناسخًا؟ هل القياس في هذه الصورة هو الذي سيتولى النسخ والرفع؟

error: النص محمي !!