Top
Image Alt

مفهوم المحتوى وعملية اختياره

  /  مفهوم المحتوى وعملية اختياره

مفهوم المحتوى وعملية اختياره

ويُشير مُحْتَوى المَنْهج إلى ما يَشْتَمِلُ عليه المنهج من معلومات، ومفاهيم، ومبادئ ونظريات ومعلومات؛ فما من منهج مهما كانت نظريته الفلسفية أو نموذجه التنظيري إلا وله محتوى معين؛ فالمُحتوى يعد واحدًا من عناصر المنهج الأساسية؛ لكنّ هَذا المُحتوى يختلف مفهومه باختلاف النظرية الفلسفية، والنموذج أو النماذج التنظيرية، التي يُؤمن بها مصمموا وواضعوا المنهج.

فإذا كان مصمموا أو واضعوا المنهج يتبنون الفلسفة التقليدية؛ فإنهم يرون أن المعرفة هي التي يتم التوصل إليها باستخدام الحواس، أما إذا كانوا يعتقدون في الفلسفة التقدمية؛ فإنهم في هذه الحالة يرون أن المعرفة يتم صنعها من خلال التفاعل مع البيئة، وبالتالي فإن التلميذ يكتسب المعنى من خلال الخبرات التي يتفاعل معها في المواقف التعليمية، داخل الفصول والقاعات الدراسية، في المقررات المختلفة.

وتتطلب عملية اختيار وتحديد المحتوى أن نحدد أولًا: ماذا نقصد بالمحتوى؟.

إذ لا بد من الاتفاق على مفهوم المحتوى، وتحديده منذ البداية، ذلك أن هناك تباينًا في وجهات النظر؛ حولَ هذا المفهوم، بل إنّ هُناك وجهات نظر، حول هذا المفهوم وغيره من المفاهيم، مثل مفهوم المقرر؛ فهل المحتوى هو المقرر الدراسي، أم هما مُترادفان لمفهوم المنهج، وهُناك من يرى أنّ المُحتوى “كونتنت” هو خلاصة المعلومات التي تشكل مادة التعلم في منهج صف معين.

كما يرى أحد العلماء: أن المقرر هو المحتوى أو الموضوعات الدراسية لمادة معينة؛ ويَتّضِحُ من هذا: أن مفهوم المحتوى، ومفهوم المقرر مترادفان، أما المنهج فيعني الانتهاء من تدريس المحتوى، والانتهاء من تحقيق الأهداف المرجوة، ويُستنتج من هذا: أنّ المحتوى والمقرر يمثلان جزءًا من المنهج، وإذا كان البعض يرى أن المحتوى هو المعلومات أو المعارف التي تشكل مادة التعلم في منهج معين؛ فإنّ البعض يضيف إلى هذا جانب آخر، وهو: عمليات الوصول إلى المعرفة.

فالطرق والأساليب والإجراءات التي يتم اتباعها للكشف عن المعارف واستخدامها، تُعَدّ ضِمْنَ نِطاق المحتوى، وتُعَدّ أيضًا مكونًا من مكونات المحتوى.

وبهذا يكون المحتوى: هو عبارة عن معلومات وعمليات في ذات الوقت، وهكذا تكون النظرة إلى المحتوى مزدوجة، فهو معارف عبارة عن حقائق ومفاهيم ومبادئ، ونظريات في مجال معين. وطرق وأساليب وإجراءات معالجة لتلك المعلومات، وفي ضوء هذا؛ فإن محتوى المنهج يتكون من حقائق ومبادئ، وتعريفات وتفسيرات، وكُلها معارف، كما يضم عمليات ومهارات كالقراءة والحِساب والمُلاحظة والتصنيف والقياس، والاتصال والاستنتاج والتفكير الناقد، والتفكير التأملي، واتخاذ القرار ويَشْتَمِلُ كذلك على قيم ومعتقدات عن الخير والشر، وعن الصواب والخطأ وعن الجمال والقبح، والحياة الفاضلة والتنافس والتعاون. إلى غير ذلك من الأمور والمعتقدات والمعلومات.

وبعد الاتفاق على تحديد مفهوم المنهج يتبادَرُ لذِهن مُصمم المنهج سؤال مهم، وهو: هل يمكن أن نقدم للتلاميذ كل المعارف في مختلف مجالات التعلم؟ وهل يمكن أن نجعلهم يمرون بكل العمليات، والمهارات والخبرات؟ فإذا كانت الإجابة بالرفض؛ فماذا يختار من بين تلك المعارف والعمليات والمهارات؟ وعلى أي أساس تتم عملية الاختيار، وما معايير الاختيار التي يجب مراعاتها؟ ومن الخُطوات التي يَجِبُ اتباعها عند القيام بعملية الاختيار؟.

هذه الأسئلة يتم الإجابة عنها فيما يلي:

اختيار المحتوى ضرورة حتمية؛ فالمعرفة التي سيتم اختيار محتوى المنهج منها أصبحت وفيرة، نتيجة أمور كثيرة، منها: كثرة الكتاب والمؤلفين، ومنها التطور العلمي والتكنولوجي، والسرعة في أدوات ووسائل وقنوات وأساليب المعلومات، فالمعلومات تُعَدّ مُمثلة في الحقائق والمبادئ، والتفسيرات والقوانين والنّظريات، وأيضًا العمليات والمهارات والأنشطة.

وكذلك القيم والمُعتقدات أصبحت من الضخامة، بِحَيثُ يَصْعُب على التلميذ أو المتعلم الإلمام بها؛ نظرًا للتسارع المعرفي الحادث؛ خاصة في القرن العشرين، وما تلاه من سنوات، والذي تميز بكم هائل من هذه الجوانب؛ مما أدى إلى بروز تخصصات جديدة لم تكن معروفة من قبل، هذه الزيادة الهائلة، والكم المتراكم من المعلومات والمعارف، والمهارات والعمليات والقيم والمعتقدات؛ في كل مجال من المجالات المعرفية فرضت ضرورة الاختيار من بين ما تحويه من مادة يمكن تقديمها للمتعلم.

كما أن قِصَر المادة التي يقضيها المتعلم في التعليم سواء في مراحل التعليم العام، أو في الجامعة؛ لا تمكنه من الإلمام بما يَحتويه حقل واحد من الحقول المعرفية، فماذا يكون الحال إذا ما أردنا أن نزوده ببعض المَعارف والعمليات والمهارات، والقيم والاتجاهات في العديد من المجالات المعرفية؟ لا شك أنه أمر معضل وصعب، وبالتّالي فإن هذا يدعم، بل يَجْعَلُ عملية الاختيار لمحتوى المنهج ضرورة وأمر حتمي، لا يمكن الاستغناء عنه أو تجاهله أو إهماله.

وإذا كانت المعلومات تُمَثّل جانبًا مهمًّا من محتوى المنهج؛ فإن التسارع المعرفي أدى إلى تراكم معارف كثيرة، يصعب تقديمها كلية للمتعلم، وحتى لو أمكننا تقديم المعارف والمعلومات المتوفرة في مجال أو حقل معين للمتعلم، رغم استحالة تحقيق هذا الافتراض، فإن الهدف من التعليم ليس هو مجرد تزويد المتعلم بالمعارف والمعلومات، بل إنّ هذه المعارف والمعلومات لا تمثل إلا وسيلة لغاية؛ فهي وسيلة اكتساب المتعلم مهارات ومعارف واتجاهات، وميول، وقيم معينة.

ولا يُشترط أن يكتسب المتعلم هذه الجوانب؛ الإلمام بكل المعارف في مجال معين، أو في المجالات المعرفية كلها، بل أن بعض هذه المعارف تكفي لتحقيق هذا الغرض، خاصة إذا ما أُحسن اختيارُها، فإذا ما تركزت عملية الاختيار على الأفكار، والمفاهيم والمبادئ الأساسية للمادة، إلى جانب أساليب دراستها؛ لأدى هذا إلى مساعدة المتعلم أن يعلم نفسه بنفسه مدى الحياة؛ خاصة في ضوء المستحدثات التكنولوجية، والتقدم التقني في مجال نقل المعرفة واكتسابها، والتعامل معها من خلال الكمبيوتر، وشبكة المعلومات الدولية، وغيرها من المستحدثات التكنولوجية ذات العلاقة.

حتى أمكن أخيرًا أن يتم استخدام الوسائل التكنولوجية النقالة في التعليم، ومنها الكمبيوتر المحمول، ومنها الأجهزة قارئة الكتب الإلكترونية، ومنها الهاتف النقال ذاته الذي انتشر على مدى واسع في كافة دول العالم، يُمكن الإفادة منه في وضع المناهج والمقررات الدراسية عليه، وجعله بدلًا من وسيلة اتصال فعالة وفقط، إلى جعله أيضًا وسيلة تعليمية يمكن من خلالها تخزين واستدعاء وعرض، والتواصل بين المتعلمين وبعضهم، وبين المتعلمين والمعلم من جانب آخر.من أجل هذا؛ فإن عملية الاختيار يجب أن تتسم بما يلي:

أن يعكس المحتوى الذي يتم اختياره طبيعة الفرع من فروع المعرفة بدقة، وأن يُساعد المتعلم على التوصل إلى المعرفة في هذا الميدان، كما ينبغي أن تتسم عملية اختيار المُحتوى بالتركيز على المفاهيم الكبرى في كل فرع من الفروع التي يدرسها المتعلم.

ويتطلب هذا بالضرورة تعاون بين المتخصصين في المادة، والمتخصصين في مجالات المناهج، وعلم النفس التربوي؛ حتى يقوموا بالتحديد الدقيق للمفاهيم الكبرى، والمبادئ الرئيسة المهمة في كل فرع من فروع المعرفة، كما ينبغي أيضًا الأخذ في الاعتبار بمبادئ وأسس ذات أهمية، عند بناء المنهج وتصحيحه مثل: التتابع في عرض المنهج ومحتواه، والتدرج في تعلم وبناء المفاهيم في كل ميدان من الميادين المعرفية، وكيفية الربط بين ميدان وآخر.

وما ينبغي دمجه من مجالات، وما ينبغي أن يظل منفصلًا منها، وإبراز ما بين هذه المجالات التي يتم ضمها أو دمجها من علاقات، وتأكيدها بغرض تحقيق مبدأ تكامل الخبرات لدى التلاميذ.

وإذا يُمكن القول: أن المحتوى عنصر أساسي في المنهج الدراسي، وهو أكثر مكونات المنهج تحديدًا ووضوحًا، ويَلْقى اهتمامًا خاصًّا في اختيار خبراته وتنظيمها وتطبيقها.

error: النص محمي !!