Top
Image Alt

مفهوم المفسدة، وخصائص المصلحة

  /  مفهوم المفسدة، وخصائص المصلحة

مفهوم المفسدة، وخصائص المصلحة

1. تعريف المفسدة لغة، واصطلاحًا: المفسدة لغة: يُقال: فسد الشيء يَفسُد فسادًا، فهو فاسد، وقوم فسدى، كما قالوا: ساقط وسقطى، وقد عرف علماء اللغة الفساد بأنه: ضد الصلاح، وقد عرفه الشيخ ابن عاشور بقوله: “الفساد: أصله استحالة منفعة الشيء النافع إلى مضرة به، أو بغيره”، ومعنى كلمة استحالة: أي: تحول، ويرى الإمام ابن عاشور، أن لفظ الفساد قد يُطلق على الشيء الذي فيه مضرة، وإن لم يكن فيه نفع قبل ذلك، فيقال: فاسد إذا وجد ذلك الشيء فاسدًا من أول وهلة، كما يقال: أفسد فلان الشيء إذا عمد إليه صالحًا، فأزال صلاحه. المفسدة اصطلاحًا: فقد عرفها البقوري بقوله: “المفسدة: عبارة عن ألم أو سببه، أو غم أو سببه” وبعد أن اتضح معنى الفساد عند الشيخ ابن عاشور، يمكننا بطريقة الجمع بين ما ذكره في كتابه (مقاصد الشريعة) وبين ما ذكره في تفسيره الحصول على تعريف كامل ودقيق لمعنى المفسدة، وهو كما يلي: المفسدة: هي إتلاف ما هو نافع للناس نفعًا محضًا أو راجحًا، وإلحاق الضُّر بهم دائمًا أو غالبًا للجمهور، أو الآحاد. 2. خصائص المصلحة الشرعية: الخاصية الأولى: أنَّ المصلحة مصدرها هدى الشرع، وليس هوى النفس أو العقل المجرد؛ لأن العقل البشري قاصر ولا يستطيع التجرُّد عن مؤثرات البيئة، وبواعث الهوى، والأغراض؛ ولذلك لم يحظ بالعصمة عن الخطأ، فلا بد له من ولاية أو وصاية، ووليه أو وصيه هداية الشرع، ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله. يقول الشاطبي أيضًا: “العادة تحيل استقلال العقول في الدنيا بإدراك مصالحها ومفاسدها على التفصيل؛ وإذا كان صلاح أمر الخلق في دينهم ودنياهم لا يُعقل إلا من الشرع، وأن العادة تحيل استقلال العقل بإدراك المصالح سواء كانت الدنيا على التفصيل -كما ذكرنا- فلا يجوز إذًا بناء حكم على مصلحة مجردة، دون الرجوع إلى نصوص الشرع وقواعده، ومبادئه العامة، ومقاصده؛ لأنه لو جاز للعقل تخطي مأخذ النقل لجاز إبطال الشريعة بالعقل، وهذا محال”. وبيان ذلك: أن معنى الشريعة أنها جاءت لتحدّ للمكلفين حدودًا في أفعالهم وأقوالهم واعتقاداتهم، وهو جملة ما تضمنته، فإن جاز للعقل تعدِّي حدًّا واحد؛ لجاز له تعدي جميع الحدود؛ لأن ما ثبت للشيء يثبت لمثله، وتعدي حد واحد هو معنى إبطالهنَّ، وإن جاز إبطال واحد جاز إبطال السائر، وهذا لا يقول به أحد؛ وذلك لظهور بطلانه. الخاصية الثانية: إن المصلحة والمفسدة في الشريعة الإسلامية ليست محدودة بالدنيا وحدها، بل باعتبار الدنيا والآخرة مكانًا وزمانًا؛ لجني ثمار الأعمال، وبيان ذلك أن المصلحة هي المنفعة أو الوسيلة إليها، كما تقدم في بيان حقيقتها، فكل عمل أثمر لصاحبه منفعة وإن جاءت الثمرة متأخرة يعتبر عملًا صالحًا. وقد أفاض القرآن الكريم بمختلف الأدلة على وجود الحياة المستقبلة، وبيَّن أنها محلٌ لجني ثمرة الأعمال الصالحة، فقال تعالى: {وَابْتَغِ فِيمَآ آتَاكَ اللّهُ الدّارَ الاَخِرَةَ} [القصص: 77]، وقال تعالى: {وَمَنْ أَرَادَ الاَخِرَةَ وَسَعَىَ لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مّشْكُوراً} [الإسراء: 19]. وبناء على هذا الشمول، كان أبرز صفة من صفات الشرائع الإلهية بإجماع علمائها، أنها جاءت بما فيه صلاح الناس في معاشهم، ومعادهم، أي: يلزم من تطبيقها حصول السعادة لهم في الدارين، ويترتب على ذلك أنه لا يجوز للباحث أن يحكم على فعل بأنه مصلحة، بناء على ما له من الظواهر والآثار الدنيوية، حتى يكون على بينة من آثاره الأخروية أيضًا، وذلك عن طريق النظر في نصوص الشريعة، وحدودها وبواعثها ومقاصدها. الخاصية الثالثة: أن المصلحة الشرعية كما لا تُحَدّ بالدنيا، فإنها لا تنحصر أيضًا في اللذة المادية، كما هو شأن المصلحة عند علماء الأخلاق الذين يعتمدون على التجارب المحدودة، التي لا تتعدى نطاق المادة، فلا شك أن الفطرة الإنسانية الصافية، نزَّاعة إلى تلمس القوة الكبرى في الكون؛ لتدين لها بالعبادة، والخضوع، طاعة وتقربًا، دون أن تتخذ ذلك وسيلة إلى قصد مادي معين، أو غير معين، وبذلك تحقق الحاجة الروحية التي تتمثل في انتصار الإنسان بإخضاع هواه لما جاء به الشرع، والانسجام التام مع جميع الأحكام ظاهرًا وباطنًا. وبهذا يتضح لنا أن المصلحة في الشريعة لا تنحصر في اللذة المادية، وإنما تتعدَّى حدود المادة في الدنيا. الخاصية الرابعة: إن مصلحة الدين أساس للمصالح الأخرى، ومقدمة عليها، ويجب التضحية بما سواها في سبيل المحافظة عليها، وإلغاء ما يعارضها من المصالح الأخرى؛ وبذلك نعلم أن الشريعة الإسلامية جعلت مصلحة الدين في قمة المصالح العليا. من أهم ما يترتب على هذه الخاصية ثلاثة أمور: الأمر الأول: ضرورة سير المصالح في ظل الشرع. الأمر الثاني: إن الصلاح والفساد في الأفعال إنما يعتبر كل منهما أثرًا وثمرة لأحكام الشارع من إيجاب وندب، وتحريم وكراهة وإباحة، وإلا لما صح أن تكون المصالح فرعًا من الدين. الأمر الثالث: أنه لا يصح للخبرات العادية، أو الموازين العقلية والتجريبية أن تستقل وحدها بفهم مصالح العباد، أو تنسيقها، فلا يجوز مثلًا الاعتماد على ما قد يراه علماء الاقتصاد، وخبراء التجارة، من أن الربا لا بد منه في تنشيط الحركة التجارية. هذه هي أهم خصائص المصلحة في الشريعة الإسلامية، ومما لا شكَّ فيه أن المصلحة والمفسدة يدخل فيها عند جميع العلماء المسلمين مصالح الدنيا والآخرة، كما أنه من البداهة أن نقول: مصلحة الآخرة هي رضوان الله تعالى ونعيمه، ومفسدتها هي سخط الله وعذابه. 3. المصالح والمفاسد الخاصَّة: أولًا: من جهة النظر العادي، والمقصود به ما يحصل في مجرى العادة. لقد اختلف العلماء حول هذه المسألة إلى فريقين: الفريق الأول: ومنهم العز بن عبد السلام والشاطبي، ويرى هؤلاء أن المصلحة المحضة الخالصة عن المفسدة، والمفسدة المحضة الخالصة عن المصلحة، عزيزة الوجود أو متعذرة، وهذا يعود إلى أن كل طرف منهما واقع على وجه الامتزاج مع الطرف الثاني في الوجود الدنيوي، فلا توجد مصلحة في الدنيا إلا وتتضمن مفسدة فيها، كما لا توجد مفسدة إلا وتتضمن مصلحة معها، وإنما النظر الشرعي قائم على الجهة الغالبة أو الراجحة في مواقع الوجود العاديّ، ويؤكد هذا الكلام ابن عبد السلام في قوله: اعلم أن المصالح الخالصة عزيزة الوجود، فإن المآكل والمشارب والملابس والمناكح والمراكب وكذلك المساكن لا تحصل إلا بنصب مقترن بها، أو سابق، أو لاحق، وأن السعي في تحصيل هذه الأشياء كلها شاقٌّ على معظم الخلق، لا يُنَال إلا بكدٍّ وتعب، فإذا حصلت اقترن بها من الآفات من ينكدها وينغصها، انتهى كلامه. ويذهب الإمام الشاطبي إلى ما ذهب إليه العز بن عبد السلام، فيقول: “إن المصالح الدنيوية بحيث هي موجودة هنا لا يتلخص كونها مصالح محضة، وأعني بالمصالح ما يرجع إلى قيام حياة الإنسان وتمام عيشه ونبله ما تقتضيه أوصافه الشهوانية والعقلانية على الإطلاق؛ حتى يكون منعمًا على الإطلاق، وهذا في مجرد الاعتياد لا يكون؛ لأن تلك المصالح مشوبة بتكاليف ومشاقّ؛ قلت أو كثرت فتقترن بها أو تسبقها أو تلحقها. كما أن المفاسد الدنيوية ليست بمفاسد محضة من حيث مواقع الوجود، إذ ما من مفسدة تفرض في العادات الجارية إلا ويقترن بها أو يسبقها أو يتبعها من الرفق واللطف ونيل اللذات كثير”، انتهى كلامه. وسبب هذا -في نظر الإمام الشاطبي- يعود إلى الأصل الذي وُضِعَتْ عليه هذه الدار، وهو الامتزاج بين الطرفين، والاختلاط بين القبيلين، وأي أحد من المكلفين رامَ استخلاص جهة فيها لم يقدر على ذلك، ويكفيه في ذلك برهانه تجربة الخلائق قبله، أضف إلى ذلك النصوص والأخبار التي وُضِعت على وجه الابتلاء والاختبار والتمحيص، من هذه النصوص: قول الله تعالى -في كتابه الكريم: {وَنَبْلُوكُم بِالشّرّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً} [الأنبياء: 35]، وقوله تعالى: {لِيَبْلُوَكُمْ أَيّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً} [هود: 7]، ومن هذا القبيل قول الرسول صلى الله عليه وسلم: ((حُفَّتِ الجنة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات))، ولهذا لم يخلص في الدنيا لأحد جهة خالية من شركة الجهة الأخرى، لكن ينبغي أن نتساءل هنا؛ إذا كان الوضع في هذه الدار على هذه الصفة، فكيف يقوم الفعل مصلحة أو مفسدة؟ يجيب الإمام الشاطبي على هذا التساؤل قائلًا: “فالمفاسد والمصالح الراجعة إلى الدنيا إنما تفهم على مقتضى ما غلب، فإذا كان الغالب جهة المصلحة، فهي المصلحة المفهومة عرفًا، وإذا غلبت الجهة الأخرى فهي المفسدة المفهومة عرفًا، ولذلك كان الفعل ذو الوجهين منسوبًا إلى الجهة الراجحة، فإن رجحت المصلحة فمطلوب، ويقال: إن فيه مصلحة، وإن غلبت المفسدة فمهروب عنه، ويقال: إنه مفسدة على ما جرت به العادات في مثله. هذا هو رأي الفريق الأول”. أما الفريق الثاني ومنه البقوري وابن القيم وابن عاشور: يرى هؤلاء أن المصلحة الخالصة من المفسدة، والمفسدة خالصة من المصلحة واقع الوجود في هذه الدار. ويؤكد هذا الكلام البقوري الذي جعل المصالح قسمين؛ مصلحة لا مفسدة معها، ومصلحة معها مفسدة، والمفسدة كذلك -أي: أن المفسدة أيضًا قسمين؛ مفسدة لا مصلحة معها ومفسدة معها مصلحة- فهو بهذا يقر بوجود المصالح الخالية من المفاسد، ويقر أيضًا بوجود المفاسد الخالية من المصالح، ويرى ابن القيم نفس الرأي؛ فيقول: “وإذا تأملت شرائعَ دينه التي وضعها بين عباده وجدتها لا تخرج عن تحصيل المصالح الخالصة أو الراجحة بحسب الإمكان، وإن تزاحمت قُدِّمَ أجَلُّها وأهمها، وإن فادت أدناها وتعطيل المفاسد الخالصة أو الراجحة بحسب الإمكان وإن تزاحمت عطل أعظمها فسادًا باحتمال أدناها”، ومعنى الخلو والخلاص -الذي يقصده ابن القيم- متحقّق إذا ما نظرنا إلى المصلحة في ذاتها بمعزل عن الطرق والسبل الموصلة إليها، والمفسدة كذلك، فالمشقَّة اللاحقة بالمصلحة واللذة اللاحقة بالمفسدة إنما تكون في المصير للحصول عليهما، فالمطلوب خالص في ذاته، وإنما الامتزاج داخل عليه من حيث المسالك المؤدية إليه؛ حيث يقول ابن القيم في ذلك: “وفصل الخطاب في المسألة: إذا أريد بالمصلحة الخالصة أنها في نفسها خالصة لا تشوبها مفسدة، فلا ريب في وجودها، وإن أريد المصلحة التي لا تشوبها مشقة ولا أذى في طريقها والوسيلة إليها، ولا في ذاتها، فليست بموجودة بهذا الاعتبار؛ إذ المصالح والخيرات واللذات والكمالات كلها لا تنال إلا بحظ من المشقة، ولا يعبر إليها إلا على جسر من التعب”. ويرى الشيخ ابن عاشور رَحِمَهُ الله: أن المصلحة الخالصة والمفسدة الخالصة متوفرة في هذا الوجود الدنيوي، لكنهما إذا ما قورن مع المشوب منهما صارا عزيزَيْنِ، ويقول في ذلك: “بأن النفع الخالص والضر الخالص، وإن كانا موجودين إلا أنهما بالنسبة للنفع والضر المشوبين يعتبران عزيزَيْنِ”. وهو يرى أن التعاون الحاصل بين شخصين ليس فيه أدنى ضرر، بل هو مصلحة خالصة لهما، وكذلك إحراق المال فهو مفسدة خالصة أيضًا، لا مصلحة فيه. ثانيًا: إن المصالح التي تشوبها مفاسد معتبرة يوكل النظر فيها للجهة الغالبة، فهي الأولى بالاعتبار، وعليها بناء الأحكام، وعلى هذا تُقاس المفاسد مع المصالح المعتبرة، ومثل هذا قول الله تعالى -في كتابه الكريم: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنّاسِ وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نّفْعِهِمَا} [البقرة: 219]، فَبَنَى الحكم بالتحريم على الجهة الغالبة، وهي جهة المفسدة التي أفادها لفظ الإثم الوارد في الآية، نذهب بعد ذلك إلى جهة النظر الشرعيّ، والحاصل من هذا النظر أن المصلحة المعتبرة في الشرع، والمفسدة المعتبرة شرعًا خالصتان غير مشوبتين بأضدادهما؛ سواء كان ذلك على وجه القلة أو وجه الكثرة، وإن حصل وتوهم البعض بأنهما مشوبتان فالأمر ليس كما توهموا؛ لأن المراد بالمصالح المغلوبة والمفاسد المغلوبة ما يجري من جهة النظر العادي -أي: الاعتياد الكسبي- وليس ما يجري في الحقيقة الشرعية؛ ولذلك لم يلتفت الشارع إليها في شرعية الأحكام.

error: النص محمي !!