Top
Image Alt

مفهوم المنهج الجدلي

  /  مفهوم المنهج الجدلي

مفهوم المنهج الجدلي

الجدل لغةً:

هو اللدد في الخصومة، والقدرة عليها، وقد جادله مجادلةً، وجدالًا، ورجل جَدِلٌ، ومجدلٌ ومجدال: شديد الجدل.

يقال: جادلت الرجل فجادلته جَدَلًا، أي: غلبته، ورجل جدِلٌ إذا كان أقوى في الخصام، وجادله أي خاصمه، مجادلة وجدالًا والاسم الجدل، وهو شدة الخصومة.

وقال الأصفهاني: إن الأصل في معنى الجدال هو المصارعة، وإن الجدال هي الأرض الصلبة، فهو إسقاط الإنسان صاحبه على الجدالة، فكذلك الخصمان يروم كل منهما غلبة صاحبه بإسقاط كلامه بتقوية كلام نفسه.

الجدل اصطلاحًا:

المفاوضة والمغالبة لإلزام الخصم الحجة، قال صاحب (المصباح المنير) بعد أن ذكر المعنى اللغوي للجدل: ثم استعمل الجدل على لسان جملة الشرع في مقابل الأدلة لظهور أرجحها، وعرفه إمام الحرمين: بأنه هو طريقة وضعت لإظهار الحق، وضبط مناطه، أو هو إظهار المتنازعين مقتضى نظرتهما على التدافع، والتنافي بالعبارة، أو ما يقوم مقامها من الإشارة والدلالة.

وجاء في (روح المعاني): “بأنه أدلة كلامية يوردها الداعي؛ ليلزم الخصم ويفحمه” ويقسم الفخر الرازي الجدل إلى مذموم، وممدوح حسب المقام والغاية من الجدل، فيقول: “الجدل المذموم محمولٌ على الجدلِ في تقرير الباطل، وطلب المال والجاه، والجدل الممدوح محمول على الجدل في تقرير الحق، ودعوة الخلق إلى سبيل الله، والذب عن دين الله تعالى”

فالجدل الممدوح: ما كان بنية خالصة، وجرى بطريقةٍ سليمةٍ وأدى إلى الخير، أو يقال: هو كل جدال أيد الحق، وأفضى إليه بنيةٍ خالصة، وطريق صحيح.

قال ابن القيم في قوله تعالى: {وَجَادِلْهُم بِالّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [النحل: 125]: “يحتمل أن يرجع إلى حال المجادل وغلظته، ولينه ،وحيلته، ورفقه، فيكون مأمور بجدالهم بالحال التي هي أحسن، ويحتمل أن يكون صفة لما يجادل به من الحجج والبراهين والكلمات التي هي أحسن شيء وأبينه وأدله على المقصود، وأوصَلُهُ إلى المطلوبِ”.

والتحقيق: أن الآية تتناول الوضعين، ودعوة القرآن الصريحة ترشدنا إلى هذا النوع من الجدل، وتبين أصوله وآدابه؛ فقال تعالى: {ادْعُ إِلِىَ سَبِيلِ رَبّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [النحل: 125]، وقال تعالى: {وَلاَ تُجَادِلُوَاْ أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاّ بِالّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلاّ الّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ} [العنكبوت: 46].

ومن الأدلة على صحة هذا الجدل ما كان يحدث بين الصحابة رضي الله عنهم ورسول الله صلى الله عليه وسلم من الجدل، ولم ينكر عليهم ذلك؛ إذ كان لطلب المصلحة والحق، مثل: جدال سعد بن معاذ، وسعد بن عبادة رضي الله عنهم مع الرسول صلى الله عليه وسلم في غزوة الأحزاب، وكما حدث من جدال الصحابة وعمر لرسول الله صلى الله عليه وسلم في صلح الحديبية، كما أن الجدال مع أهل الإلحاد، والمشركين وأهل البدع لا بد منه.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى-: “فكل من لم يناظر أهل الإلحاد والبدع مناظرةً تقطع دابرَهُم لم يكن أعطى الإسلام حقه، ولا وفَّى بموجب العلم والإيمان، ولا حصل بكلامه شفاء الصدور، وطمأنينة النفوس ولا أفاد كلامه العلم واليقين”.

قال ابن القيم في فقه قصة وفد نجران، وهو يستخلص فوائدها: ومنها جواز مجادلة أهل الكتاب ومناظرتهم، بل استحباب ذلك، بل وجوبه إذا ظهرت مصلحته من إسلام من يرجى إسلامه منهم، وإقامة الحجة عليهم، ولا يهرب من مجادلَتِهِم إلا عاجزٌ عن إقامة الحجة؛ فليولِّي ذلِكَ إلى أهله، وليخلي بين المطي وحاديها والقوس وباريها.

أما الجدال المذموم: وهو كل جدال ظاهر الباطل أو أفضى إليه، قال تعالى {وَيُجَادِلُ الّذِينَ كَفَرُواْ بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُواْ بِهِ الْحَقّ} [الكهف: 56]، وقال: {وَمِنَ النّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتّبِعُ كُلّ شَيْطَانٍ مّرِيدٍ} [الحج: 3]، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم)) وغير ذلك من الأدلة في الكتاب والسنة، وجميعها ظاهرة في دلالتها على الجدال بالباطل، وهو ما قرره أكثر علماء هذه الأمة؛ لأنه لا تعارض بين النصوص التي تأمر بالجدل والتي تنهى عنه.

فالجدل الذي أمر الله به غير الذي نهى عنه يقينًا فتحمل نصوص الأمر على الجدال بالحق ونصوص النهي على الجدال بالباطل، كما أن ابن القيم يرى أن تقدير العقل على النقد من المجادلة بالباطل كما قال، ومن أعظم الجدال في آيات الله جدل من يعارض النقل بالعقل، ثم يقدمه عليه فإن جداله يتضمن أربعة مقامات:

المقام الأول: أنه يبين أن الأدلة النقلية من الكتاب والسنة لا تفيد علمًا ولا يقينًا.

المقام الثاني: أن ظاهرها يدل على الباطل والتشبيه والتمثيل.

المقام الثالث: أن صريح العقل يخالفها.

المقام الرابع: أنه يتعين تقديمه عليها، ولا يصل إلى هذه المقامات إلا بأعظم الجدال.

كما أنه بيَّنَ في مجمل القول في الجدل الممدوح والمذموم بقوله: فأما المناظرة فتنقسم إلى محمودة ومذمومة، والمحمودة نوعان، والمذمومة نوعان، وبيان ذلك أن المناظر، إما أن يكون عالمًا بالحق، وإما أن يكون طالبًا له، وإما ألا يكون عالمًا به، ولا طالبًا له، وهذا الثالث هو المذموم، وأم الأولان فمن كان عالمًا بالحق فمناظرته التي تحمد أن يبين لغيره الحجة التي تهديه إن كان مسترشدًا طالبًا للحق، أو تقطعه، أو تكسره إن كان معاندًا غير طالب للحق، ولا متبع له، أو توقفه وتبعثه على النظر في أدلة الحق، ثم يبينُ أن لمناظرة المبطل فائدتين:

الأولى: أن يرد عن باطله، ويرجع إلى الحق.

الثانية: أن ينكف شره وعداوته، ويتبين للناس أن الذي معه باطل.

وعلى ذلك؛ فإن المتتبع للنصوص الشريعة والآثار يجد أنها تدور حول نوعين من الجدال، ويدور الحكم معهما جوازًا ومنعًا؛ فالنصوص الآثار التي تأمر بالجدال، وتجيز الأخذ به، وتعاطيه هي النصوص التي تهدف إلى الجدال الممدوح، أو الجدال الذي ينصر الحق، وينتصر له، ويدعو للإسلام، وينافح عن عقيدته، ويدفع كل ما يلحق بالإسلام من أذىً وإلصاقات، وتُهَمٍ باطلة، وبدع منتحلة، وضلالاتٍ كاذبة، فهذا النوع من الجدال هو الجَائِزُ، والمأمورُ به، والذي فيه خيرٌ للإسلام، وعزَّةٌ ورفْعة.

وأما النصوص والآثار التي حذرت من الجدال ونهت عنه: فالمقصود به الجدال المذموم، وهو الجدال الذي يفضي إلى الباطل، ويقوم على الزور والبهتان، وإضاعة الحقوق، وترويج والشبهات والمنكرات والشهوات، وكذا الجدال الذي يتناول الغيبيات، وما أمرنا بالإيمان والتسليم والتصديق به؛ كأخبار الوحي، وأسماء الله تعالى وصفاته، والجنة والنار، والبعث والنشور، أو الجدال في القرآن.

فالجدال الذي يتناول هذه الأمور ويطعن فيها بأي وجهٍ فهو جدال باطل، وهو الجدال المنهي عنه، والذي ورد التحذير بشأنه، والنصوص والآثار التي تدل على ذلك كثيرة؛ ومنها قوله تعالى: {وَلاَ تُجَادِلْ عَنِ الّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنّ اللّهَ لاَ يُحِبّ مَن كَانَ خَوّاناً أَثِيماً} [النساء: 107]، وقال: {وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُواْ بِهِ الْحَقّ} [غافر: 5]، وقال تعالى: {مَا يُجَادِلُ فِيَ آيَاتِ اللّهِ إِلاّ الّذِينَ كَفَرُواْ} [غافر: 4] وقال تعالى: {ومِنَ النّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلاَ هُدًى وَلاَ كِتَابٍ مّنِيرٍ} [الحج: 8].

ومن السنة قوله صلى الله عليه وسلم: ((المِرَاءُ في القرآن كُفْر)) وقوله صلى الله عليه وسلم: ((ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل)) وقال الإمام الشافعي -رحمه الله تعالى-: “المراء في الدين يقسي القلب، ويورث الضغائن”.

وخلاصة القول: أن حكم الجدال يدور مع نوع الجدال، فإذا كان الجدالُ محمودًا فهو جائز مأمور به، وإذا كان الجدال مذمومًا وباطلًا فمنهي عنه، ومحذر منه.

error: النص محمي !!