Top
Image Alt

مفهوم المنهج المقارن

  /  مفهوم المنهج المقارن

مفهوم المنهج المقارن

المنهج المقارن:

مفهومه: مجال الدراسة الدينية التي تحلل أوجه التشابه والاختلاف بين الإسلام وغيره، والذي من خلاله يتبين عظمة الإسلام، وأنه هو الدين العالمي لكل البشر إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

والقرآن الكريم يضع جذور علم مقارنة الأديان عندما يقول: {وَلاَ تُجَادِلُوَاْ أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاّ بِالّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [العنكبوت: 46]، فالمجادلة بالحسنى هي مفهوم هذا العلم، بل ورد في القرآن الكريم بعض الآيات التي تحمل اتجاه المقارنة كقوله تعالى: {لَوْ كَانَ فِيهِمَآ آلِهَةٌ إِلاّ اللّهُ لَفَسَدَتَا} [الأنبياء: 22] ففي الآية مقارنة بين التوحيد والتعدد، وبيان أن التعدد سبب الفساد.

ومثل قوله تعالى: {أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاّ يَخْلُقُ} [النحل: 17] ففي الآية نوع من المقارنة؛ فالخالق الأعظم لا يمكن أن يماثله هذا النوع من الآلهة، التي لا تستطيع أن تخلق ذبابًا، ولو اجتمعت هذه الآلهة لخلقه، كما أن القرآن الكريم تحدث عن الرسالات السماوية والأديان الوضعية؛ فتحدث عن اليهود والنصارى، وتحدث عن عبدة الأصنام والطاغوت والملائكة، وسماها القرآن أديانًا مع بطلانها؛ فقال تعالى: {لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ} [الكافرون: 6].

وقد أفادت كتب السنة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يحاور اليهود والنصارى، والذي كان ينتهي غالبًا بإسلام من يحاورهم ومن معهم من أقوامهم.

أما عن الخطوات: فإنه من النماذج الرائعة للدعوة اعتمادًا على مسلمات الخصم، والتي من خلالها تتبدى خطوات المقارنة، وهي: رد أبي عبيدة الخزرجي على دعوة حنا مقار له إلى النصرانية، وكان ذلك من خلال رسالتين متبادلتين بينهما:

الأولى: من القسيس إلى أي عبيدة، يورد له فيها شبهات حول الإسلام، ويدعوه إلى الإيمان بالمسيح، والدخول في النصرانية.

الثانية: من أبي عبيدة يرد فيها على ما أثير من الشبهات، وإبطال دعوة القسيس له إلى النصرانية، بإبراز ما اعتمد عليه في دعوته تلك من مغالطات مع اعتماد أبي عبيدة في الرد على مسلمات القسيس التي يؤمن بها.

وسنختار بعضًا من رسالة حنا مقار، التي يدعو فيها أبا عبيدة إلى النصرانية، وما يقابلها من رد أبي عبيدة في رسالته إليه؛ مبرزين ما اعتمد عليه في رده على دعوة القسيس:

أولًا: من رسالة القسيس إلى أبي عبيدة: “أما بعد حمد الله الذي هدانا لدينه، وأيدنا بيمينه، وخصنا بابنه ومحبوبه، ومد علينا رحمته بصلبه يسوع المسيح إلهنا، الذي خلق السموات والأرض وما بينهن، والذي فدانا بدمه المقدس، ومن عذاب جهنم وقانا.

ورفع عن أعناقنا الخطيئة التي كانت في أعناق بني آدم؛ بسبب أكله من الشجرة التي نهي عنها، فخلصنا المسيح بدمه وفدانا بدمه، أهرق دمه في مرضات جميع ولد آدم، إذ كان الذنب باقيًا في أعناق جميعهم، فكلهم تخلص إلا من كفر به وشك فيه، فإذا أردت أن يتغمدك الله برحمته وتفوز بجنته فآمن بالله، وقل: إن المسيح ابن الله الذي هو الله، والروح القدس ثلاثة أقانيم في أقنوم واحد؛ فستنجح وترشد، ألم تسمع في الكتاب الذي جاء به صاحب شريعتك أنه روح الله وكلمته، وأنه كان وجيهًا في الدنيا والآخرة ومن المقربين، وأين من هو أوجه في الدنيا والآخرة من المسيح ابن الله، في الكتاب الذي جاء به صاحب شريعتك أنه أحيا الموتى، وكفى بذلك دليلًا على أنه هو الله”.

وبتأمل هذا الجزء من الرسالة نجد أن القسيس دعا أبي عبيدة إلى أمرين:

أولهما: الإقرار بصلب المسيح؛ تكفيرًا عن خطيئة بني آدم بسبب أكل أبيهم آدم من الشجرة التي نُهي عنها، حيث تعلق الذنب بأعناق كل بني آدم.

ثانيهما: الإيمان بأن عيسى إله، وأنه هو الله؛ لأنه أحيا الموتى وأيد بعض الحواريين لإحياء الموتى، فعلوا مثل ما فعل، وبين أن الإيمان بذلك هو سبب التخلص من خطيئة آدم التي ورثها أبناؤه عنه، وتعلقت بأعناقهم.

لذلك سنختار من رسالة أبي عبيدة ما رد به على هاتين القضيتين الصلب والألوهية.

ثانيًا: رد أبي عبيدة على القسيس فيما دعاه إليه:

أ. يقول في رده على دعوى الصلب: “ثم قلتَ: لا ينكر صلبه -أي: عيسى- إلا كافر، وما ذلك إلا ضلالات ابتدعتموها، ومحالات على رعاع الأعاجم أجزتموها، وايم الله إنكم لفي شك ما لكم به من علم إلا إتباع الظن، وإلا فأخبرني أيها المغرور ما معنى قول يهوذا الإسخريوطي، وهو من الحواريين تلاميذ المسيح، ارتد عنكم بزعمكم ودل عليه بظلمكم حين خرج مع اليهودي إلى طلبه، قال له: إني لأستحي منه، ولذا فسوف أجعل الأمارة عليه حيث إنكم لا تعرفونه بعينه، أن أقبله؛ فإذا فعلت فأنتم وذاك”. فهذا يشهد أن اليهود لم تكن تعرفه، وهذا منصوص في إنجيلكم.

ومن نصوصكم أيضًا: “أنهم حين أحاطوا بعيسى ومن معه، خرج بنفسه إليهم وقال: من تطلبون؟ قالوا: يسوع الناصري، قال: أنا هو؛ فنظروا إلى يهوذا نظرة تساؤل عن الإشارة التي اتفقوا معه عليها ففعلها، فقبضوا عليه بظنكم، أخبرني كيف آمنتم والحال كما رويتم، أن يكون قد عمدت إلى سواه، حيث كانت لا تعرفه، ورفعه الله كما رفع أخنوخ النبي؟ ولعلكم صدقتم صدقتم يهوذا الإسخريوطي في دلالته عليه”.

وفي نص إنجيلكم أنه مرتد كافر ملعون، فشهادته إذًا غير جائزة، أو لعله عندما عاينه وأدركته الندامة، جعل الأمارة على غيره من التلاميذ، وسارع التلميذ إلى وقايته بنفسه، والدليل على قيام هذا الاحتمال: أنه في نص الإنجيل الذي بأيديكم “أن يهوذا الإسخريوطي أدركته الندامة، وأعاد لهم الثلاثين درهمًا التي كان بها، إذ أعلمهم أنه ليس هو ذلك المقبوض عليه؛ فقالت اليهود: وما علينا؟ فأنت ترى هذه الندامة -وهذا القول لليهود- وتقرأها في أناجيلكم، وقلتم: إنه خنق نفسه، وتأويل المفسرين منكم في خنق نفسه، أنه أراد الإسراع عاجلًا إلى جهنم، قبل نزول عيسى إليها؛ ليخرج من فيها حين فداهم بدمه من عذابها؛ فأراد يهوذا أن يكون من جملة المخرجين.

وقلتم: إن عيسى أبى إلا أن يكون -أي: يهوذا- فيها من المخلدين، فأما اليهود فإنها قتلت رجلًا لم تعينه بإقرار كتابكم، ولم تعرف إلا بشهادة يهوذا الإسخريوطي أنه ذلك المطلوب، وأما أنتم فلا كتاب عندكم صادق بتحقيق ذلك، ولا خبر قاطع للحجة، كيف لا ونصوص الإنجيل والكتب النصرانية متضافرة دالة على عدم صلب عيسى عليه السلام، ووقوع الشبه على غيره، وذلك من وجهين:

أحدهما: جاء في “الإنجيل”: أن المصلوب قد استسقى اليهود؛ فأعطوه خلًّا ممزوجًا بمرارة، فذاقه ولم يشربه، فنادى: إلهي إلهي لِمَ خذلتني. والأناجيل كلها مصرحة بأنه عليه السلام كان يطوي أربعين يومًا وليلة، ويقول للتلاميذ: إن لي طعامًا لستم تعرفونه، ومن يصبر على العطش والجوع أربعين يومًا وأربعين ليلة؛ كيف يظهر الحاجة والمذلة والمهانة لأعدائه بسبب عطش يوم واحد، هذا لا يفعله أدنى الناس، فكيف بخواص الأنبياء، أو كيف بالرب تعالى على ما تدعونه؟! فيكون حينئذ المدعي للعطش غيره، وهو الذي شبه لكم.

ثانيهما: إلهي إلهي، لِمَ خذلتني. هو كلام يقتضي عدم الرضا بالقضاء، وعدم التسليم لأمر الله تعالى، وعيس عليه السلام منزه عن ذلك؛ فيكون المصلوب غيره، لا سيما وأنتم تقولون: إن المسيح عليه السلام نزل ليؤثر العالم على نفسه، ويخلصه من الشيطان ورجسه؛ فكيف تروون عنه مت يؤدي إلى خلاف ذلك، مع روايتكم في توراتكم “أن إبراهيم وإسحاق ويعقوب وموسى وهارون -عليهم السلام- لما حضرهم الموت كانوا مستبشرين بلقاء ربهم؛ فلم يجزعوا من الموت، ولم يهابوا مذاقه، لم يعيبوه مع أنهم عبيد الله، والمسيح بزعمكم ولد ورب، فكان ينبغي أن يكون أثبت منهم، ولما لم يكن ذلك دل على أن المصلوب غيره”.

ويقول في رده على دعوى الألوهية: “أخبرني أيها الجاعل إلهه المسيح من حيث هو روح، لم تظلم آدم وأنتم تقولون وتوافقون أن الله نفخ فيه من روحه بعد أن سواه من تراب؟ فلماذا أوجبت الألوهية لعيسى، ولم توجبها لآدم، وأنت تقر له بروح من الله في حجاب من تراب، ما أزين بك أن تقول: إن الله خلق عيسى وأمه آية للناس عبدًا ورسولًا، وهي صديقة مباركة وكانا يأكلان الطعام، وأكل الطعام هنا كناية عن التغوط.

وقد كان يجب لله تعالى لو سبق في حكمه أن يكون إنسانًا وينزل لمقابلة عباده، كما زعمت أن يمتنع عن التغوط، إذ هو دنية ابتلي بها آدم وبنيه، مبينة لنقصهم واحتقارهم، وهو تعالى المختص بالكمال الموصوف بالعظمة والجلال؛ فلا يليق به تلك الدنية، ولا نعلم في فرق ملتكم من يقول: إن عيسى لم يكن يتغوط ولا يبول، حاشا الله أن يحقر خلقًا له بدنية، يراها أخس الآدميين عارًا على نفسه ثم يتشبه بعبيده فيها، بل كان يتركها دون غيرها من صفات الإنسانية.

أليس من الواضح عند ذوي العقول أنه لما لم يلزم من عدم الأب والأم البشريين لآدم عليه السلام، أن يكون ابنا لله تعالى؟ ولما لم يبعد خلق آدم من التراب لم يبعد أيضًا خلق عيسى عليه السلام من الدم الذي كان يجتمع في رحم أمه -عليهما السلام-، فلو أنصفت وطلبت الحق لعلمت أن ذلك من البيان، ما يبلغ إلى الغاية القصوى في تحصيل المرام من هذه المسألة؛ لكنك قد اتخذت التقليد دليلًا على عدم النظر والتأمل في الأمور مذهبًا؛ فلا حول ولا قوة إلا بالله.

أخبرني أيها المسكين: متى ادعى عيسى عليه السلام الإلهية تصريحًا؟ أو متى ذكر الأقانيم التي تقولونها توضيحًا؟ ألم تقرأ في إنجيلك الكائن بين يديك عن عيسى أنه قال حين خرج من السامرة ولحق بالجليل أنه لم يكرم أحد من الأنبياء في وطنه، وفي الإنجيل للوقا: أنه لم يقبل أحد من الأنبياء في وطنه فكيف تقبلونه؟ وحسبك هذا من دليل على أنه ما ادعى غير النبوة المعلومة.

وفي الإنجيل لمرقص: “أن رجلًا أقبل على المسيح وقال له: أيها المعلم الصالح، أي صلاح أعمل لتكون لي الحياة الأبدية؟ فقال له: لماذا تدعوني صالحًا؟ ليس أحد صالحًا إلا واحد وهو الله، ولكن إن أردت أن تدخل الحياة فاحفظ الوصايا، قال له: أية الوصايا؛ فقال يسوع: لا تقتل، ولا تسرق، ولا تزني، ولا تشهد بالزور، أكرم أباك وأمك”.

وفي الإنجيل ليوحنا: “أن اليهود لما أرادت القبض عليه، وعلم بذلك رفع بصره إلى السماء، وقال: قد دنا الوقت يا إلهي فشرفني لديك، واجعل لي سبيلًا إلى أن أملك كل ما ملكتني، الحياة الباقية، وإنما الحياة الباقية أن يؤمنوا بك إلهًا واحدًا، وبالمسيح الذي بعثت، وقد عظمتك على أهل الأرض، واحتملت ما أمرتني به فشرفتني لديك”.

وفي الإنجيل: أن عيسى قال لتلاميذه: “لا تسبوا أباكم على الأرض؛ فإن أباكم الذي في السماء وحده، لا تدعوا معلمين؛ فإنّ مُعملكم المسيح وحده” فقوله: “لا تسبوا أباكم على الأرض” معناه: لا تقولوا أنه على الأرض، ولكنه في السماء، ثم أنزل نفسه حيث أنزله الله تعالى، وقال: لا تدعوا معلمين؛ فإن معلمكم المسيح وحده. فها هو ذا قد سمى نفسه معلمًا في الأرض لهم، وشهد أن إلههم في السماء واحد.

وفي الإنجيل للوقا: “أن عيسى أحيا الميت بباب مدينة نائين، عندما أشفق لأمه لشدة حزنها عليه، فقالوا: إن هذا النبي لعظيم، وإن الله قد تفقد أمته”.

وفي الإنجيل ليوحنا: “أن عيسى قال لليهود: لستُ أقدر أن أفعل من ذاتي شيئًا؛ لكنني أحكم بما أسمع؛ لأنني لست أنفذ إرادتي، بل إرادة الذي بعثني” وفي الإنجيل ليوحنا أيضًا أنه أعلن صوته في البيت، وقال لليهود: قد عرفتموني في موضعي، ولم آتِ من ذاتي، ولكن بعثني الحق، وأنتم تجهلونه؛ فها هو ذا قد جعل نفسه وموضعه معلومين عند اليهود، وجعل الله عندهم مجهولًا، وقال: إنه لم يأتِ من ذاته، ولكن الله قد بعثه؛ فما زاد في دعواه شيئًا على ما ادعاه غيره من الأنبياء -عليهم السلام.

وفي الإنجيل: أنه قال ليهود بعد حوار طويل، وكلام كثير، مذكور بينه وبينهم في ذلك المجلس، حين قالوا له: إنما أبونا إبراهيم، قال: إن كنتم بني إبراهيم فاقتفوا أثره، ولا تريدوا قتلي، على أني رجل أديت إليكم الحق الذي سمعته من الله، غير أنكم تقتفون أثر آبائكم؛ قالوا: لسنا أولاد زنا، وإنما نحن أبناء الله وأحباؤه، فقال: لو كان أباكم لحفظتموني؛ لأني رسول منه -أي: من الله- خرجت مقبلًا، ولم أقبل من ذاتي، ولكن هو بعثني، ولكنكم لا تقبلوا وصيتي، وتعجزون عن سماع كلامي، إنما أنتم أبناء الشيطان، وتريدون إتمام شهواته، إلى كلام كثير ذكر في الإنجيل، الذي بأيديكم عما كان بينه وبين اليهود في ذلك.

وفي الإنجيل أيضًا: “أنه كان يمشي يومًا في إسطوان سليمان؛ فأحاطت به اليهود وقالت له: إلى متى تخفي أمرك؟ إن كنت المسيح الذي ننتظره فأعلمنا بذلك، ولم يقولوا: إن كنت الله؛ لأنهم لم يعلموا من دعواه ذلك، ولا اختلاف عند اليهود أن الذي انتظروه هو إنسان نبي، ليس بإنسان إله كما تزعمون، وفي الإنجيل الذي عنه أن اليهود لما أرادوا القبض عليه، فبعثوا لذلك الأعوان، وأن الأعوان رجعوا إلى قوادهم؛ فقالوا: لما لم تأخذوه؛ فقالوا: ما رأينا آدميًّا أنصف منه، فقالت اليهود: وأنتم أيضًا مخدوعون، أترون أنه آمن به أحد من القواد، أو من رؤساء أهل الكتاب”!.

 إنما آمن به من الجماعات من يجهل الكتاب، فقال لهم: نيقوديموس، وهو من كبار القسيسين: أترون أن كتابكم يحكم على أحد قبل أن يسمع منه؟ فقالوا له: اكشف الكتاب ترى أنه لا يجيء من الجليل نبي، فما قالت اليهود ذلك إلا لأنه أنزل لهم نفسه منزلة نبي فقط، ولو علمت من دعواه إدعاء الألوهية؛ لقالت يومئذ تقبيحًا له وتحريضًا على قتله. وكثير من هذا في الإنجيل يطول ذكره، ولا محالة أنك إن سمحت لنفسك بالانقياد إلى الحق وخلعت الهوى علمت أن ذلك كذلك.

وفي الذي اتخذتموه دليلًا على صلبه من كلام عاموس النبي: أن الله قال على لسانه: ثلاثة ذنوب أقبل لبني إسرائيل، والرابعة لا أقبلها، وهي: بيعهم الرجل الصالح حجة عليكم لا لكم؛ لأنه لم يقل بيعكم إياي، ولو قال: بيعهم إلهًا متساويًا معي، ويجري تأويل قوله هنا على وجهين:

أولًا: أما أن يكون عنى بالمبيع عيسى كما تزعمون؛ فقولوا حينئذ: إنه الرجل الصالح، أو العبد الصالح، كما قال عاموس وليس بالإله المعبود.

ثانيًا: وأما أن يريد بالمبيع غيره، وهو الذي شبه لليهود فابتاعوه وصلبوه، ويلزمكم وقتئذٍ إنكار صلوبية عيسى عليه السلام، ثم جعلت حجة على إجلال منزلة عيس عن آدم، والاعتلاء به إلى منزلة الألوهية أنه أحيا ميتًا، ولم يرد أن يكون الله تعالى قد جعل الله ذلك برهانًا على نبوته، ودلالة على صدق رسالته، ثم لم تلبس أن أوجبت ما نفيت، وأقررت بما أنكرت، وكنت كالقائم القاعد في الحال الواحد، وذلك حين قلت: إن عيسى في حال الألوهية التي تصفونه بها، قد أيد نفرًا من الحواريين الموتى بزعمكم، وجعلهم رسلًا إلى الأجناس فأحيوا الموتى بزعمك.

فما الذي أوجب أن يكون المسيح في حال الألوهية قد أيد بذلك بشرًا وجعله رسولًا إلى الأجناس، ومنع أن يكون الله عز وجل يؤيد بشرًا ويجعله رسولًا إلى الناس؛ فإن كان المسيح من أجل إحياء ميت هو الله؛ فكل من أحيا ميتًا بزعمك فهو الله، وبإجماع من جميع الملل الثلاثة أن إلياس النبي أحيا الموتى، وكذلك اليسع، فلما تظلمون بعضا دون بعض.

تعقيب على رد أبي عبيدة، من خلال ما أورده أبو عبيدة الخزرجي في رسالته ردًّا على قضية الصلب، والدعوة إلى الإيمان بألوهية المسيح، نجد أنه التزم المنهج التالي:

أولًا: رده على الصلب:

  1. الاعتماد على مسلمات الخصم، وما يؤمن به؛ حيث إنه اعتمد في ذلك على ما يؤمن به خصمه من نصوص التوراة والإنجيل، ومع أنه لم يورد في رده آية قرآنية واحدة؛ إلا أنه استفاد فكريًّا من منهج القرآن، في منهج الرد، وتنظيم الأجوبة والرد على المغالطات.
  2. ومن خلال هذه المسلمات أبرز النقاط التالية وركز عليها:
    1. عدم معرفة اليهود بشخص عيسى، وهذا يحقق احتمالًا بأن المأخوذ للصلب، قد يكون شخصًا غير عيسى، وهذا تشكيك في الرواية.
    1. تناقض الأناجيل فيما بينها، عندما ذكرت الرواية، ولو كانت حدثت فعلًا اختلفت فيها.
    1. الطعن في شهادة يهوذا الإسخريوطي؛ حيث ذكرت الأناجيل أنه كافر ملعون؛ فكيف يؤخذ بشهادته، بينما لعنته أناجيلهم.
    1. ندم يهوذا على فعله ورد الثلاثين درهمًا إليهم، وأعلمهم بأنه ليس المقبوض عليه عيسى، فينهض هذا احتمال أن يهوذا قد أدركته الندامة قبل وصوله مع رجال الشرطة؛ فعين لهم أحد التلاميذ على أنه عيسى، ولم يُنكر التلميذ رغبة منه في إنقاذ معلمه فأخذ وصلب.
  3. بعد التشكيك في الروايات والشخص المصلوب استدل بنصوص من الإنجيل على أن المصلوب ليس هو عيسى، وإنما شخص آخر يشبهه، وأورد شاهدًا بذلك عندما احتاج عيسى إلى الماء، ولم يصبر يومًا واحدًا؛ بينما تذكر الأناجيل أنه كان يجوع ويعطش أربعين يومًا، لا يحتاج إلى طعام أو شراب، ويقول عندئذ: إلهي إلهي، لما شبقتني -أي: تركتني- عندما اشتد عطشه، ويرتب على ذلك أن أن هذا الشخص الذي لم يصبر على العطش هو غير عيسى، وهو المصلوب، وينتهي إلى أن الأناجيل ليست قاطعة في أمر صلبه، بل فيها اختلافات كثيرة وشكوك عديدة.

ونوجز منهج الرد الذي التزمه أبو عبيدة في الخطوات الآتية:

أولًا: البدء بمسلمات الخصم، واعتماده عليه كمسلمات معلومة الجواب؛ لا خلاف عليها.

ثانيًا: إثبات بطلان التأليه، وإثبات نبوة عيسى ورسالته، ثم أبطل الصلب وشكك فيه؛ حيث إنه في رسالة القسيس كان مقدمة لدعوته إلى الإيمان بإلوهية المسيح.

ثالثًا: الاعتماد في بطلان الدعوة بشقيها الصلب والألوهية، على مناقشة نصوص العهدين القديم والجديد.

رابعًا: الرد على عقيدة التثليث، وجره إلى الاعتراف بغموضها.

خامسًا: الوصول إلى الغاية: إثبات الوحي ونبوة عيسى، وأن الوحي من عند الله، وعيسى رسولٌ أيده الله بالمعجزات، وقد اعتمد هذا المنهج على الأسلوب العقلي، فهو مجادلة بالحسنى، ونموذج جيد لما يجب أن تكون عليه دعوة غير المسلمين، يعتمد على فهم عقيدة الخصم، وركائزها عنده والرد عليها بأسلوب منظم، ملزم للخصم بالإقرار بالحق، والانتهاء عن الباطل، والتمادي فيه. تطبيقاته من القرآن والسنة: محمد -صلى الله عليه وسلم- رسول عام، وبقية الرسول خصوصيين، ولعل ذلك من الأدلة وأنصعها على عالمية الدعوة الإسلامية، وأن عالمية محمد وعموم دعوته أمر لم تنفرد الشريعة الإسلامية بتقريره، وإنما قررته الشرائع السابقة. في بشارات الأنبياء السابقين بمحمد صلى الله عليه وسلم فإنهم أخبروا عنه، وبشروا به رسولًا للبشرية جمعاء، وسوف نسوق الآن أدلة على عموم دعوته، وعالميتها من القرآن الكريم

error: النص محمي !!