Top
Image Alt

مفهوم شعر الطبيعة وموضوعاته في الشعر الأندلسي

  /  مفهوم شعر الطبيعة وموضوعاته في الشعر الأندلسي

مفهوم شعر الطبيعة وموضوعاته في الشعر الأندلسي

مفهوم شعر الطبيعة:

شعر الطبيعة في اصطلاح النقاد والدارسين: يتناول الشعر الذي يصف ما يسمى بالطبيعة الصائتة، ويقصدون بها: ما اشتملت عليه الطبيعة، أو ما اشتمل عليه الكون من الكائنات الحية المتحركة ذات الصوت سوى الإنسان؛ فكلُّ شيءٍ له صوت من الحيوان والطيور يدخل في هذا الجانب من الطبيعة التي يسمونها الطبيعة الصائتة، أي: ذات الصوت.

فالشعر الذي يصف هذه الكائنات من الحيوان بأجناسه المختلفة، والطير بأنواعه المختلفة هذا من شعر الطبيعة.

والقسم الثاني من الطبيعة يسمونه الطبيعة الصامتة، في مقابل الطبيعة الصائتة، ويدخل في هذا الجانب: الجمادات الطبيعية المختلفة، سواء ما سكن منها؛ كالأرض، والجبال، والكثبان، والوديان، أو ما تحرك؛ كالأنهار، والبحار، والغدران، والجداول، وبقية الكائنات التي هي من الطبيعة التي لا صوت لها، ويدخل في ذلك أيضًا: النباتات المختلفة، وما يتصل بهذه النباتات؛ كالرياض، والبساتين، والأزهار، والأشجار، والثمار… إلى غير ذلك من أنواع النبات.

ويدخل في هذا الجانب كذلك الظواهر الطبيعة المختلفة؛ كالشمس، والقمر، والنجوم، والكواكب، والرعد، والبرق، والرياح، والنار، والليل، والنهار، والربيع، والخريف، والشتاء، والصيف؛ فكلُّ هذا يندرج تحت ما يسمى بالطبيعة الصامتة.

وبعض الدارسين يجعل هذه الطبيعة الصامتة نوعين:

النوع الأول: الطبيعة الطبيعية: الجبال، والوديان، والأنهار، والأشجار، والشمس، والقمر… إلى غير ذلك.

والنوع الثاني: الطبيعة الصناعية: وهي التي يكون للإنسان عمل في إنشائها وتنسيقها؛ كالقصور، والبِرَك المائية، والنوافير، والنقوش المرمرية، والتماثيل… وغير ذلك من ألوان الفن الذي يبدعه الإنسان محاكيًا به الطبيعة.

إذًا الطبيعة هي هذا الكون بمشاهده ومفرداته التي يستمتع بها الإنسان، أو يرغبها أو يتأملها؛ الطبيعة هي ما في الكون سوى الإنسان.

وبعض الدارسين يعرِّف شعر الطبيعة؛ فيقول: شعر الطبيعة، هو: الشعر الذي يُصور الطبيعة بنوعيها الصامت والصائت كما نُقِشَت في صفحة نفس الشاعر، وتمثَّلها وجدانه، وتصوَّرها خياله، بعد أن أضفى عليها من لمساته ولفتاته، وأفاض عليها من أضوائه وقبساته، هذا هو شعر الطبيعة.

وقد عرف الشعر العربي القديم هذا اللون من الإبداع منذ الشعر الجاهلي، والشعر الإسلامي والأموي، وفي الشعر العباسي نجد كثيرًا من هذا الشعر، ما دام هذا الشعر هو ما يصف به الشاعر الكون ومظاهره من حوله؛ فلا يخلو من هذا الشعر عصرٌ ولا بيئةٌ؛ لكن الذي جعل الدارسين يخصون شعر الطبيعة في الأدب الأندلسي بالدراسة؛ لأن الأدب الأندلسي في الحقيقة غنيٌّ جدًّا وثريٌّ جدًّا بهذا اللون من الشعر.

بواعث شعر الطبيعة في الأدب الأندلسي:

أولًا: جمال الطبيعة الآسر في تلك البلاد كان باعثًا مهمًّا من بواعث غزارة الشعر الأندلسي في وصف الطبيعة؛ حيث إن طبيعة الأندلسيين بين طبائع البلدان؛ كطبيعة الربيع بين الفصول والأيام، صاغها الله آية رائعة من فرائد آياته، ومثلًا نادرًا من بدائع آثاره؛ فجاءت كما جاء الفنُّ الرفيعُ الآسِرُ عروسَ الكون، وغُرَّةَ الأوطان، وفتنة الآفاق، ودمية الحس، ومنية النفس، وريحانة الحياة، وأغنية الوجود.

فالطبيعة في هذه البلاد طبيعةٌ جميلةٌ تستولي على العقول، وعلى القلوب، وتفجر ينابيع الشعر في نفوس الشعراء؛ لما حبَاها الله عز وجل من جمال فاتن؛ حيث ترتفع في ساحاتها الجبال المتوَّجة بالخضرة، وتمتد في بطاحها السهول الواسعة الخصبة، وتجري فيها الجداول والأنهار، وتغرِّد على أفنانها الأطيار، وتنساب في مراعيها الممرِعَة المعشوشبة الماشية والأنعام، ويعمل المزارعون في هذه الحقول وتلك المزارع نشطين مرحين مستبشرين، وتنشر شمس السماء نورَها الذهبي على هذه الربوع الجميلة؛ فتزيدها جمالًا إلى جمال.

فهذه الطبيعة إذًا كانت باعثًا مهمًّا من البواعث التي جعلت شعر الطبيعة في الأدب الأندلسي من الفنون الزاهرة، الغزيرة التي استوقفت الدارسين.

ثانيًا. تعلق الأندلسيين ببلادهم تعلقًا كبيرًا؛ فهم يحبون هذه البلاد حبًّا صادقًا، وحبُّ وطنهم جعل طبيعة هذا الوطن تمتزج بمشاعرهم، وعواطفهم، وتعلُّقُهم بهذه الأوطان، دعاهم إلى التعبير عن الإعجاب بها، وإكبارها؛ ومن ثَمَّ أكثروا من وصف مظاهر الجمال في هذا الوطن الذي أحبوه وتعلقوا به.

ثالثًا. أنهم في تأثرهم بأدب المشارقة، وتتلمذهم عليه، وجدوا المشارقة يصفون الطبيعة، ويكثرون من وصف الطبيعة من حولهم، وهم أرادوا أن ينافسوا المشارقة في كل شيء؛ فكان عليهم كذلك أن يبدعوا في شعر الطبيعة مدفوعين في هذا بالباعثَيْن السابقَيْن، وهما: جمال الطبيعة الآسر في بلادهم، وحبهم الشديد لأوطانهم؛ فهم إذًا لا ينقصهم شيء، وهم شعراء يستطيعون أن ينافسوا المشارقة في هذا اللون من الشعر، وعندهم البواعث التي تساعدهم على ذلك؛ فمن هنا جاء شعر الطبيعة في الأدب الأندلسي غزيرًا وكثيرًا وبديعًا، ومن هنا اهتم الدارسون برصده ودراسته.

error: النص محمي !!