Top
Image Alt

مفهوم مصطلح الفواصل الصوتية، وعلاقاتها، وبيان مواقع الوقفة والسكتة والاستراحة

  /  مفهوم مصطلح الفواصل الصوتية، وعلاقاتها، وبيان مواقع الوقفة والسكتة والاستراحة

مفهوم مصطلح الفواصل الصوتية، وعلاقاتها، وبيان مواقع الوقفة والسكتة والاستراحة

. مفهوم مصطلح الفواصل الصوتية، وعلاقتها بهيئات التراكيب والقواعد النحوية، وبالمعنى:

الفواصل الصوتية: مصطلح يطلق على مجموعة من الظواهر الصوتية التي تشكل ظواهر أخرى كالنبر والتنغيم تلوينًا موسيقيًّا خاصًّا بالمنطوق يحدد طبيعة التركيب، وماهيته، ودلالته. هذه الفواصل تشمل: الوقفة، والسكتة، والاستراحة، أو أخذ النفس، وكلها ذات خطر وبالٍ في صحة الأداء الصوتي، وتجويده، وفي التحليل النحوي، والدلالي للتراكيب، ويرتبط الأداء الصحيح لهذه الفواصل ارتباطًا وثيقًا بعنصرين مهمين من عناصر التوصيل اللغوي:

الأول: هيئات التراكيب، وما تنتظمه من قواعد وأحكام تحدد نوعيتها، وخواصها النحوية، والخواص النحوية مصطلح عام يشير إلى الخواص الصوتية، والصرفية، والتركيبية المقررة في نظم هذه المستويات، والمتفق عليها نظرًا وتطبيقًا.

ومن هنا كان لنا- على ما جرى العرف عند بعضهم- أن نطلق هذا العنصر الأول: قواعد اللغة.

الثاني: المعنى الذي يفصح عن هذا التركيب أو ذاك.

إن العنصرين متلازمان صحة وفسادًا، فإذا صح التركيب؛ صح المعنى، وإذا فسد التركيب فسد المعنى؛ إذ لا يتصور أن يتعارض التركيب المنتظم بالقواعد الصحيحة مع المعنى المراد، نعم تقدم بعض التراكيب الصحيحة، وتعطي فرصًا أوسع لمعاني سياقية منوعة، ولكنها جميعًا تتآزر في بيان المعنى الكلي للمنطوق، وهنا تأتي الفواصل الصوتية مع ظواهر صوتية أخرى كالتنغيم مثلًا تأتي عاملًا مهمًّا في الإفصاح عن هذه المعاني السياقية؛ قال تعالى: {وَجَعَلُواْ لِلّهِ شُرَكَاء الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُواْ لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ} [الأنعام: 100] قرئت كلمة “الجن” بالنصب في رواية، وفي رواية أخرى بالرفع، وكلتا القراءتين صحيحة بالنسبة للمعنى الكلي للآية الكريمة.

فالنصب على أن الكلمة بدل من سابقها المنصوب، أو هي مفعول به أول مؤخر، و”شركاء” مفعول به ثانٍ مقدم، حيث أن الفعل “جعل” يتعدى إلى مفعولين، {وَجَعَلُواْ لِلّهِ شُرَكَاء الْجِنَّ} ومن ثم لا فصل بينهما في النطق، أما الرفع فعلى أنها خبر لمبتدأ محذوف، وعلى هذا يقتضي النطق الصحيح سكتة خفيفة بين بين كلمة شركاء، وكلمة الجن وعلامتها في الكتابة الفاصلة، “وجعلوا لله شركاء، الجنُّ” هكذا.

2. الوقفة ومواقعها:

إذا انتقلنا إلى بيان موجز لكيفيات تطبيق هذه الفواصل في الكلام المنطوق، وبيان وظائفها في الفهم والإفهام، وتحليل التركيب أو التراكيب تحليلًا نحويًّا دقيقًا؛ فلننتقل إلى الوقفة.

أ. الوقفة: لا تكون الوقفة ولا تتحقق إلا عند تمام الكلام في مبناه ومعناه، ويقصد بذلك أن تكون بنية المنطوق مؤلفة وفقًا لقواعد اللغة، ومنسوقة وحداتها في نظم خاص يطابق المعنى المقصود والغرض المطلوب بحسب الظروف والحال.

ب. القاعدة: أن تأتي الوقفة الكاملة مصاحبة بنغمة هابطة دليلًا على تمام الكلام، ورمزها في الكتابة النقطة، وهذه هي الحال في الجمل والتراكيب التقريرية، وأحيانًا تأتي الجمل الاستفهامية منتهية بوقفة، أو ما يشبه ذلك، ولكنها وقفة من نوع خاص؛ إنها مجرد فاصلة صوتية نطقية، أو قل: إنها وقفة معلقة تفيد ارتباط السؤال بما يتمه ويكمل معناه، وهو الإجابة عنه، والعادة أن يشار إلى هذا المثال ونحوه بالكتابة بالرمز علامة الاستفهام في الكتابة في نهاية السؤال، وبالنقطة في نهاية الإجابة المتممة للرسالة مبنًى ومعنًى.

جـ. مواقع الوقفات: ليس من السهل تحديد مواقع الوقفات وحصر أمثلتها بصورة كاملة أو نهائية؛ فذلك أمر يصعب الإتيان به عمليًّا؛ لأن الوقفات الصحيحة مرتبطة أشد ارتباطٍ بصور التراكيب ونوعياتها ومعانيها المنتظمة لها، وما أكثر هذه التراكيب وما أكثر معانيها، وبخاصة عند مراعاة المقامات والسياقات الاتصالية للكلام، ومعلوم أن هذه المقامات، والسياقات لا حدود لها على الإطلاق؛ إذ هي مرتبطة بأحوال المتكلم والسامع، وما يلفهما من أوضاع ثقافية، واجتماعية، ونفسيه، وغيرها.

ولنعد إلى البداية فنقول: الوقفة الصحيحة لا تكون ولا تتحقق إلا بتمام الكلام في المبنى والمعنى، فهذه هي القاعدة الضابطة، وهي المعيار الذي يُعتمد صالحًا للعمل به في هذا الشأن، ومع ذلك يمكن ذكر أمثلة مما لا يجوز الوقف عليه.

لا تجوز الوقفة أو السكتة في كثير من التراكيب، وهي- وإن نأت عن الحصر والاستقصاء- يمكن تقديم نماذج منها لمجرد التوضيح:

1. لا تجوز الوقفة، كما لا تجوز السكتة أيضًا بين المضاف والمضاف إليه؛ لأنهما من حيث المبنى والمعنى كالشيء الواحد.

2. كذلك الحال لا تجوز الوقفة بين الفعل وفاعله، فلا يجوز الفصل بينهما وبين المفعول أيضًا.

3. وينطبق هذا بتمامه على التراكيب المكونة من الأدوات الخاصة، ومدخولها، أي: الأدوات التي تؤثر في مدخولها من حيث الإعراب، أو المعنى، أو كلاهما، كحروف الجر مع الأسماء، وأدوات النصب والجزم مع الفعل المضارع، وأدوات الاستثناء مع المستثنى، فهذه التراكيب، ونحوها لا يجوز الفصل بين عنصريها بوقفة، أو سكتة.

4. لا مكان للوقفة أو السكتة بين اسم الإشارة وبدله، أو عطف بيان المحلى بالألف واللام، كما في قوله تعالى: {ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ} [البقرة: 2] على قراءة من جعل {الْكِتَابُ}  بدلًا، والخبرَ جملة {لاَ رَيْبَ} أي: لا ريب فيه- حيث ينتهي التركيب كله بوقفة؛ {ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ}  دليلًا على تمام الكلام.

أما إذا كان اسم الإشارة متلوًّا بخبره المحلى بالألف واللام؛ فقد تحدث سكتة خفيفة للدلالة على أهمية الخبر، وتفرده بمضمونه، كما في قوله تعالى: {الْكِتَابُ} على قراءة من وقف على لفظ {الْكِتَابُ} وجعله خبرًا لاسم الإشارة، ودليل جواز هذه السكتة مجيء ضمير الفصل أحيانًا بين المبتدأ والخبر في مثل هذه الحالة، كما في قوله تعالى: {ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيم} [التوبة: 72].

وفي قولنا: هذا هو الرجل، أي: الرجل الكامل الرجولة، فكأن ضمير الفصل جاء معاونًا لهذه السكتة.

5. لا تقع وقفة أو سكتة بين النعت ومنعوته إلا إذا كان النعت نعتًا مقطوعًا؛ فيجوز سكتة خفيفة بينهما، أي: بين النعت والمنعوت دليلًا على معاودة المتكلم في الكلام للتوضيح بذكر النعت المقطوع بإعرابه المخالف لإعراب المنعوت، كما تقول: مررت بمحمدٍ الطويلُ، أو مررت بمحمد الطويلَ بنصب المقطوع، أو رفعه في حين أن المنعوت مجرور.

6. لا يجوز الفصل في وقفة أو سكتة بين المميز والمميز، كما لا يجوز ذلك بين الحال المفرد وما جاء لبيان حاله، كما في قولك: جاء علي ضاحكًا، أما إذا كان الحال جملة؛ فقد تقع سكتة خفيفة بين الطرفين: جاء محمد وهو يضحك بسكتة بين جاء محمد، وجملة الحال: وهو يضحك.

3. السكتة ومواقعها:

أ. السكتة: وهي في اصطلاح البحث الصوتي- كما يرى الدكتور كمال بشر- أخف من الوقفة، وأدنى منها زمنًا، وهي في حقيقة الأمر: لا تعني إلا مجرد تغيير مسيرة النطق بتغيير نغماته إشعارًا بأن ما يسبقها من الكلام مرتبط أشد ارتباط بما يلحقها، ومتعلق به، ومن هنا يسميها بعضهم وقفة أو سكتة معلقة.

ب. القاعدة: أنها تكون مصحوبة بنغمة صاعدة “Rising Tone” دليلًا على عدم تمام الكلام، وعلامتها في الكتابة: الفاصلة، أي: الفاصلة التي نكتبها، هذه الفاصلة فاصلة واصلة، هي فاصلة من حيث النطق، واصلة للسابق باللاحق بناءً ومعنى.

جـ. مواقع السكتات: السكتة- بخلاف الوقفة- يمكن إعمالها، كما يجوز إهمالها، ولكن إعمالها أولى، وتقع السكتة في النطق الصحيح في نماذج معينة من التراكيب، تلك هي النماذج التي تنتظم طرفين يكونان وحدة متكاملة، ولا يستغني أحدهما عن الآخر وفقًا لهيئات تركيبهما ودلالة المنطوق كله، ومن أهم هذه النماذج وأوضحها في هذا الشأن ما يأتي:

1. الجمل الشرطية؛ حيث تكون السكتة بين طرفيها- أي: بين جملة الشرط وجملة الجواب- كما في قوله تعالى: {وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا} [الطلاق: 2].

2. ومثلها في ذلك كل الجمل المحكومة برابط من الروابط العامة كجملة: بينما، وبين، وكلما، ولما، ولو، ولولا، التي يمكن أن يشتم بين ركنيها معنى الشرط، ومن أمثلة ذلك قوله تعالى: {كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا} [آل عمران: 37] الآية السابعة والثلاثون من سورة آل عمران، وقوله: {لَوْلاَ أَنتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِين} [سبأ: 31] وقوله- عز شأنه-: {فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْاْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ} [البقرة: 246]

3. وتقع السكتة أيضًا بين المنعوت والنعت المقطوع.

4. هناك إمكانية لسكتة خفيفة بين المبتدأ والخبر إذا كانا معرفتين، وبخاصة إذا كان الخبر محلّى بأداة التعريف الدالة على العهد أو الكمال، وكان المبتدأ اسم إشارة، كما في قوله تعالى: {ذَلِكَ الْكِتَابُ} على قراءة من جعل الكتاب خبرًا: {ذَلِكَ الْكِتَابُ} وكما في قولنا: ذلك الرأي، أي: الرأي الصائب، ودليل إمكانية هذه السكتة مجيء ضمير الفصل في هذه الحالة بين المبتدأ والخبر: ذلك هو الرأي؛ أي: الصائب.

5. وتحدث السكتة أيضًا قبل أداة الاستدراك “لكن” وأداة الإضراب “بل” وذلك بعد كلام مستدركٍ عليه، أو مضروب عنه، والسكتة هنا فاصلة نطقًا، ولكنها- في الوقت نفسه- واصلة من حيث البناء والمعنى، بدليل انتهائها بنغمة صاعدة، وهي دليل عدم تمام الكلام، يظهر ذلك مثلًا بنحو قولك سمعت ما يقولون، ولكني غير متأكد.

6. تقع سكتة محتملة، أو وقفة أحيانًا بعد القول وحكايته، وقد عبرت اللغة العربية عن هذه الحالة بوجوب كسر همزة “إن” إشارة إلى هذه الظاهرة الفاصلة الواصلة. إنها فاصلة؛ فكسرت همزة “إن” فكأنها بداية لجملة مستقلة، ولكنها أيضًا واصلة؛ لأن “إن” ومدخولها محكي بهذا القول ومفسر له ومتضمن مقصوده؛ ولولا السكتة الفاصلة نطقًا في هذه الحالة؛ لوجب فتح الهمزة؛ إذ هي دليل الوصل التام من حيث النطق، والتركيب، والمعنى.

وعلى هذا يمكن توجيه القراءة الواردة بكسر همزة “إن” في قوله تعالى: {فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانتَصِر} [القمر: 10]. وقوله- عز شأنه-: {فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم} [آل عمران: 195].

ولا يمكن تفسير كسر إن في الآيتين إلا بتقدير سكتة فاصلة في النطق قبل “إن” التي جاءت مع مدخولها بيانًا، وتوضيحًا لمضمون الدعاء في الآية الأولى، والاستجابة في الآية الثانية، فكأن “إن” وقعت حينئذٍ في بداية هذه الجملة التفسيرية، أو كأن التقدير: “فقال إني مغلوب”، و”فقال إني لا أضيع”.

أما القراءة بفتح الهمزة- وهي الأشيع والأشهر- في الآيتين فلا سكتة، ولا فصل بين طرفي الآيتين؛ لأن “أن” بفتح الهمزة ذات اتصال مباشر وثيق بما يسبقها بحكم موقعها الإعرابي في هذه الحالة، وكل ما يشبهها من حالات أيضًا ينطبق عليه ذلك، ويقصد بذلك تلك الحالات التي يمكن أن تصوغ من “أن” الفتح مع مدخولها مصدرًا له موقع إعرابي في الجملة رفعًا ونصبًا وجرًّا.

4. الاستراحة ومواقعها:

أما الاستراحة: فهي مجرد وسيلة صوتية لمنح الكلام خاصة الاستمرارية عند مِثْلِ الوقفة، أو السكتة في فتراتها الزمنية؛ إذ لا يكاد يلحظها السامع غير المجرب، أو أن يتوقع حدوثها، إنها فرصة لمجرد أخذ النفس، أو ما يسميه بعضهم: سرقة النفس، ولا قواعد ضابطة لها، ويتوقف تفعيلها على قدرة المتكلم، وعلى مدى فهمه واستيعابه لقواعد اللغة، وهي في حاجة إلى خبرة ودربة فلا تمتد في فترتها الزمنية إلى ما يشبه الوقفة أو السكت فيفسد المعنى.

والملاحظ أن بعض قراء القرآن الكريم كثيرًا ما يعملون هذه الاستراحة عندما تطول الآية؛ قصدًا إلى الإمعان في التطريب والتلحين وتلوين الصوت؛ وذلك لجذب المستمعين، وكسب انتباههم، وتعلقهم بهذا الأداء المطرب المنغوم؛ في رأيهم.

ومهما يكن الأمر، فإن للفواصل الصوتية مصاحبة بالتنغيم دورًا بارزًا في دقة التحليل اللغوية على المستويات كافة، وعلى الأخص في حسبانها عاملًا فاعلًا في تصنيف الجمل، والعبارات إلى أجناسها النحوية المختلفة، وفي توجيه الإعراب كذلك، وقد لحظ الكثيرون أن بعض الأمثلة، أو الآيات الكريمة تلقى إلينا بأكثر من وجه من حيث الإعراب، وبتقليب هذه الأوجه، والنظر الدقيق في أحوالها المختلفة؛ يتبين أن المسوغ الحقيقي لها كيفيات أدائها من حيث النطق بما يلفها من ظواهر صوتية تمنح التراكيب ألوانًا موسيقية معينة ترشد إلى تسويغ هذا الوجه أو ذاك.

وللسكتة بالذات دور بالغ الأهمية في هذا الشأن، كما اتضح ذلك من جملة الأمثلة التي سيقت في هذا الصدد، وكما يتضح أيضًا من المثالين الآتيين بتأكيد هذا الدور، وأهميته في التحليل الإعرابي.

المثال الأول: تقرأ الآية الكريمة: {أَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاء بَنَاهَا} [النازعات: 27] برفع كلمة: {السَّمَاء} ويفسر الرفع ها هنا على أن {السَّمَاء} معطوف على الضمير “أنتم”، وتجيز قواعد اللغة النصب على الاشتغال بتقدير فعل محذوف يفسره الفعل المذكور، أي بنصب {السَّمَاء} ، والوجهان- أي: وجه الرفع، ووجه النصب- صحيحان، ولا تجاوز فيهما وفقًا لما تجيزه قواعد اللغة.

ولكن بقي أن نعرف كيف تؤدى الآية نطقًا في كل حال؛ حتى نفرق بين هذين الوجهين، وما نتج عنهما من اختلافٍ في نظم الآية ومعناها كذلك.

فالسكتة إيجابًا، أو سلبًا هي الفيصل في فهم هذين الوجهين، وتسويغ جوازهما على وجه دقيق، ففي حالة الرفع- رفع السماء- يكون العطف على ما قبلها يقتضي النطقُ سكتة خفيفة بعدها مصحوبة بنغمة صاعدة، يكون ذلك دليلًا على الاستفهام في هذا الجزء من الآية، وتأتي بقيتها توضيحًا لمضمون المقصود، والملاحظ أن بعض القراء يقفون وقوفًا يكاد يكون تامًّا بعد كلمة {السَّمَاء} في حالة الرفع، وهو دليل إمكانية وقوع هذه السكتة، أما في حالة النصب فلا سكتة، ولا إمكانية لوقوعها بعد كلمة {السَّمَاء} لاتصالها الوثيق بما بعدها؛ إذ هي في حكم المفعول للفعل- أي: للفعل الذي يأتي بعدها- بل هي مفعوله عند بعضهم، وهنا تأتي إمكانية سكتة في مكان آخر، هو ما بين {خَلْقًا} والعاطف {َأَمِ} وما يتلوه، وبهذا التفسير الصوتي للأداء يمكن إدراك جواز الوجهين، كما يمكن إدراك ما نتج عنهما من اختلاف في نظم الآية.

المثال الثاني: هناك رأيان في إعراب الشطر الآتي من قصيدة الحصري القيرواني:

يا ليلُ الصبُّ متى غدُه؟

*أقيامُ السَّاعةِ مَوْعِدُهُ؟

قيل: إن كلمة ليل، مبني على الضم في محل نصب على النداء مجازًا، وهو نكرة مقصودة في هذا السياق؛ يا ليل، الصبّ متى غده؟ والصب- هنا- مبتدأ، وما بعده خبر له، وقيل: إن “ليل” منصوب بالفتحة؛ لأنه مضاف، والصبّ مضاف إليه، وعندئذ نقول: يا ليلَ الصبِّ متى غده؟ والوجهان محتملان، وجائزان بحسب القواعد الثابتة للغة، ولكن يبقى تسويغهما، وبيان الفرق بينهما، وطبيعة هذا الفرق، معتمدًا على الأداء الصوتي بين أن نقول: يا ليل، الصبُّ متى غده؟ أو أن نقول: يا ليل الصب، متى غده؟ أقيام الساعة موعده؟

فهنا الاعتماد على الأداء الصوتي، والذي يسوغ التوجيه في قراءة، وإنشاد البيت، وعلى تعرف ما يلف الشطر في الحالين من تلوين موسيقي، وهنا تأتي الفواصل الصوتية متمثلة في السكتات، وما يصحبها من تنغيم عاملًا مهمًّا في بيان كل ذلك وتوضيحه بدقة؛ بناء ليل على الضم بوصفه وحده منادى، يستلزم ذلك وجود سكتة تالية له: يا ليلُ، الصب متى غده؟ وذلك للفصل بينه وبين الجملة الاستفهامية بعده، وبدايتها: الصب بالرفع الواقع مبتدأ، أما نصب كلمة “ليل” على الإضافة فيعني أن النداء منصب على العبارة، وهنا أيضًا يقتضي الأمر وجود سكتة بعدها: يا ليلَ الصبِّ، متى غده؟

هكذا يتبين بكل وضوح أن للتلوين الموسيقي للكلام المنطوق- متمثلًا في السكتة، والوقفة، وما يصاحبهما من نغمات مختلفات- دورًا فاعلًا في تصنيف الجمل، والعبارات، وتوجيه إعرابهما، وقد جرت العادة عند اللغويين على أن يرمزوا للسكتة في الكلام المكتوب بعلامة الفاصلة، وكثيرًا ما يقع التجاوز في توظيف هذا الرمز؛ إما جهلًا، أو خلطًا في تعيين مواقعه المناسبة له؛ ذلك أن هذا الرمز، وغيره يمثل عنصرًا من عناصر نظام متكامل اتفق على تسميته- حديثًا- بنظام علامات الترقيم Banctuation.

وهذا النظام بصورته الدقيقة المتبعة في كتابات لغات أخرى لم يكن معروفًا في نظام الكتابة العربية، وإنما هو أسلوب أو طريقة حديثة نسبيًّا نقله بعض المصلحين تجويدًا للكتابة، وجعلها صالحة قدر المستطاع لترجمة المنطوق من الكلام، ومن هنا كان الخلط الواضح في توظيف علامات الترقيم في جملتها؛ إذ يبدو أن النقل قد تم دون دراسة دقيقة، واعية لهيئات التراكيب، وكيفيات نظمها في اللغات المنقول منها، واللغة المنقول إليها هذا النظام، وهي العربية.

والحق: أن الكتابة العربية في حاجة ماسة إلى وضع نظام متكامل للترقيم- على حد تعبير الدكتور كمال بشر- يتمشى مع طبيعتها وخواص تراكيبها من حيث نظمها، وصور هذا النظم وأساليبه، وهذا عمل قومي كبير ينبغي أن تتولى مسئوليته هيئة عارفة متخصصة في شئون العربية بكل جوانبها، ولا ينكر أن نفرًا من الدارسين قد حاولوا في الحديث صنع شيء من ذلك، كما حاول بعض الأقدمين طرح إشارات متواضعة- نظرًا وتطبيقًا- إلى الفواصل الصوتية المختلفة، وعلاماتها في الكتابة، ولكن هذه المحاولات- بشقيها- لا يمكن الزعم بكمالها ودقتها على الوجه المطلوب والغرض المقصود.

error: النص محمي !!