Top
Image Alt

مفهوم مقاصد الشريعة

  /  مفهوم مقاصد الشريعة

مفهوم مقاصد الشريعة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: إن مقاصد الشريعة الإسلامية العامة، هي الحِكم والمعاني والغايات التي أرادها الشارعُ، والتي نلاحظها في كثير من الأحكام، وليس بالضرورة أن تظهر في سائر أنواع الأحكام. المقاصد الشرعية نوعان: معانٍ حقيقية، ومعانٍ عُرفية عامة. أما المعاني الحقيقية: فهي التي لها تحقق في نفسها؛ بحيث تدل العقول السليمة على ملاءمتها للمصلحة، أو منافرتها لها، أي: تكون جالبة نفعًا عامًّا أو ضررًا عامًّا، مستقلًا عن التوقف على معرفة عادة أو قانون، كإدراك كون العدل نافعًا، فكل العقلاء يدركون أن العقل نافعًا. وأما المعاني العرفية العامة، في المجربات التي ألفتها نفوس الجماهير واستحسنتها، كإدراك كون الإحسان معنىً ينبغي تعامل الأمة به، وكون القذارة تقتضي التطهر. تعريف الإدراك: الإدراك، هو حصول صورة الشيء في الذِّهنِ، وينقسم إلى: تصور وإلى تصديق، فإذا كان إدراكًا للمفردات؛ يكون تصورًا، أمَّا إذا كان إدراكًا للنسبة؛ فيكون تصديقًا. وينقسم أيضًا من حيث الجزم به وعدم الجزم، إلى قسمين: إدراكٌ جازم، وإدراك غير جازم. وغير الجازم، ينقسم إلى ثلاثةِ أقسام؛ هي: – إمَّا أن يكون إدراكًا للطرف الراجح؛ وهو الظَّن. – وإمَّا أن يكون إدراكًا للطرف المرجوح؛ وهو الوهم. – وإمَّا أن يتساوى الإدراكان، وهو المسمى بالشَّكِ. هذا بالنسبة لأقسام الإدراك غير الجازم. أمَّا الإدراك الجازم، فإمَّا أن يكون مطابقًا للواقع، أو غير مطابق للواقع، فإن كان مطابقًا للواقع، سُمِّي: اعتقادًا. وإن كان غير مطابق للواقع، سُمِّي: جهلًا. والإدراك غير المطابق للواقع إمَّا أن يكون ناشئًا عن دليل؛ وهو العِلم، وإمَّا أن يكون ناشئًا عن غير دليل؛ وهو التقليد. وعلى كلٍّ، فللمقاصد الشرعية معانٍ عظيمة ومهمة، لها تحقق في الخارج. وهناك أيضًا من المعاني، ما يدخل تحت مفهوم: الأوهام، والتخيلات. فالأوهام: هي المعاني التي تظهر من خلال التوهم بشيء معين، كما يحصل لكثير من الناس حين يرون رجلًا ميتًا، فيستدعي الخوف لديهم والابتعاد عنه، وهذا انفعال ناتج عن أوهام فقط. أمَّا التخيلات، فهي: هي ما تكون ناتجة عن قوة الخيال إضافة للوهم، كأنْ يتخيل الأنسان شيئًا هو عبارة عن شيء آخر، كتصنيف الحوت أنه خنزير بحري، فـ -الأوهام أو الخيالات- لا يعتبران مقصدًا شرعيًّا، والشريعة الإسلامية تأمر بنبذ الأوهام والتخيلات. فالبناء على الأوهام مرفوض شرعًا إلا عند الضرورة؛ لذا فالأوهام غير صالحة لأن تكون مقاصدًا شرعية. كما أن مقاصد الشريعة مبنية على الفِطرة السليمة، والفطرة هنا ما خُلق عليه الإنسانُ ظاهرًا وباطنًا، أي: جسدًا وعقلًا، فاستنتاج المسببات من أسبابها، والنتائج من مُقدماتها، فِطرة عقلية، فاستنتاج الشيء من غير سببه يُسمى في عِلم الاستدلال بـفساد الوضع، خلاف الفطرة العقلية، فيجب التَّمييز والحذر من اختلال المفاهيم في معنى الفطرة، بأمور باطلة تأصلت في بعض النفوس؛ لذا كان العلماء والحكماء، هم أقدر على تمييز معنى الفطرة، من معنى الهوى والشهوة، والعادات الفاسدة، وأقدر على معرفة مقاصد هذه الشريعة. يقول الله تعالى في كتابه الكريم: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللّهِ الّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللّهِ} [الروم: 30]، فمعنى وصف الدين الإسلامي بأنه فطرة الله: أن كل ما جاء به هذا الدينُ، موافقًا للفِطرة ومُحققًا مقاصدَ الخير، رادعًا عن كلِّ عملٍ يُسبب ضررًا. ولو نظرنا في مقصد الشريعة العام، لوجدناه موافقًا في كل أحكامه لحفظ الفطرة، ومحذرًا من الإخلال بها، فكل ما يفضي إلى حفظ هذه الفطرة؛ يُعَد واجبًا في الشرع، وما خرقها كان محذورًا شرعًا، وما لا يمسها كان مباحًا، فالعادة التي لا تنافي الأحكام الشرعية هي مباحة، وكونها لا تنافي الأحكام الشرعية، فهي من الفطرة. ومما يُفهم من مقاصد الشريعة الإسلامية، حِفظ نظامِ الأمةِ وصلاح الإنسان، فالمصالح مُطردة في كليات الشريعة وجزئياتها. وقد ذكر الشاطبيُّ قصدَ الشارعِ للمحافظة على القواعد الثلاث، وهي: الضرورية، والحاجية، والتحسينية، وأكد أنه لا بد من الدليل على ذلك؛ فإثبات المسألة لا بالدليل الشرعي القطعي، إنما الدليل على المسألة ثابت بوجهٍ آخر، هو روح المسألة، فهذه القواعد الثلاث لا يرتاب في ثبوتها شرعًا أحدٌ ممن ينتمي إلى الاجتهاد من أهل الشرع. فالمقاصد الشرعية لا تقتصر على الفقه والتشريع فقط، وإن كان ذلك هو الأهم، لكن لا بد من شمولية العقل المقاصدي؛ ليتناول جميع حقول المعرفة والفكر والسلوك. ومَن أنكر ما اشتملت عليه الشريعة من محاسن ومقاصد للعباد في المعاش والمعاد؛ فهو مُخطئٍ ضال، فصلاح الخلق وسعادتهم في أن يكون الله عز وجل معبودهم وغاية الغايات لهم، فالشريعة التي بعث الله بها محمدًا صلى الله عليه وسلم جامعة لمصالح الدنيا والآخرة، وما خالف تلك الشريعة فهو باطل، وما وافقها فهو حق. كما يجب أن يكون العقل المقاصدي وقّافًا عند النصِّ الشرعي لا يتجاوزه؛ لا يُسلم أحكامه إلى الاجتهاد البشري القاصر والباطل. وليعلم أن اعتبار مقادير المصالح والمفاسد هو ميزان الشريعة، فعلى الإنسان اتباع النصوص، وعليها يجتهد رأيه لمعرفة الأشباه والنظائر. من أهم قواعد مقاصد الشارع التي يجب أن يدركها كل مسلم؛ لأنها تجسد المفهوم الحقيقي لمقاصد الشريعة: إن الدين تحصيل للحسنات وللمصالح وتعطيل للسيئات وللمفاسد، فالباطل من العبادات والعقائد والمقاصد، يجب إزالة فروعها وأصولها، وأي عمل أصله حب الله فهو مقصود في نفسه معين على حصول العلم النافع، فقد أمر الشرعُ بالعلم بالله؛ لأنه مقصود في نفسه وهو معين على العمل الصالح وعلى علم آخر نافع. فالشارع لا يأمر إلا بمصالح العباد في المعاش والمعاد، فيأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، فالعقول والفطرة توافقه، فيصدقه صريح المعقول وصحيح المنقول، وقد فُطِرَ بنو آدم على احتياجهم إلى جلب المنفعة ودفع المضرة، فلا يعيشون ولا يصلح لهم دين ولا دنيا إلا بذلك، فتمام الدين يكون بالفطرة المكملة وبالشريعة المُنزَّلة. ولقد أوجب الله عز وجل الواجبات وحرم المحرمات؛ لما يتضمن ذلك من المصالح لخلقه ودفع المفاسد عنهم. وقصد الشارع من المكلَف، مخالفة هواه حتى يكون عبدًا لله طوعًا، كما هو عبدًا له كرهًا، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعًا لما جئتُ به)). أيضًا المأمور به مقصود مراد لذاته أصلًا، والمنهي عنه مقصود مراد لغيره تبعًا، إن هذه من أهم مفاهيم وقواعد مقاصد الشريعة الإسلامية. ولكن لا يفهم من ذلك أن كل أمور الشريعة الإسلامية قابلة للاجتهاد المقاصدي، فهناك ثوابت ومتغيرات في الشريعة. وعلماء الشريعة ومجتهدوها توصلوا باستقراء الأدلة والأحكام والقرائن إلى تقرير صِفتين للشريعة وأحكامها وتعاليمها: صفة الثبات والقطع، وصفة التغير والظن، وأطلقوا صفة الثبات والقطع على طائفة من الأحكام التي اعتبروها من المسلَّمات والمقدَّرات الثابتة على مرِّ الأيام والعصور، والتي لا يمكن تعديلها بموجب المصلحة الإنسانية، مهما بلغت من درجات اليقين والقطع والحاجة، كما أطلقوا صفة التغير والظن والاحتمال على تلك الأحكام التي اتسمت بمراعاة البيئات والظروف، ومسايرة أعراف الناس وعاداتهم وحاجياتهم. فمن القطعيات التي يجب الإيمان بها على سبيل اليقين، والتي لا تقبل الاجتهاد المقاصدي أبدًا: العقيدة، والعبادات، والمقدرات؛ كالميراث والعدة، والكفارات، والحدود، وكل ما هو قطعي في منظور الشارع، كالمتواتر، أي: كالسُّنَّة المتواترة، والقرآن الكريم، والإجماع. وأما الأمور الظَّنِّيَّة التي تقبل الاجتهاد المقاصدي؛ فهي: الوسائل التي تخدم العقيدة؛ كالطرق الدعوية، والتعليمية، والجدلية والخطابية، وأساليب ذلك تتغير وتتبدل بحسب الزمان والمكان. أيضًا من الأمور الظَّنِّيَّة: الوسائل التي تخدم العبادات، كمكبرات الصوت في الأذان، وتفويض من يتولى ذبح الهدي في الحج، ولا بد من لفت النظر إلى أن الوسائل التي تخدم العبادات، والتي أوجبها الشارع، لا تقبل الاجتهاد المقاصدي، كاستقبال الكعبة والطهارة وستر العورة؛ فهذه أمور ثابتة. أيضًا من الأمور الظَّنِّيَّة، تفاصيل بعض المعاملات، فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من القطعيات، لكن طريقة تطبيقه يمكن الاجتهاد فيها، كاختيار الخليفة، فيمكن إقامة انتخابات، ووضع شروط لها وغير ذلك، فهذا ممكن الاجتهاد، وكذلك الأمور السياسية والاقتصادية، والنوازل الاضطرارية والمسائل المتضاربة، وعموم الظنيات التي لا نص فيها ولا إجماع، وهذا من لطف الله بالناس؛ إذ لا أحد أرفق بالناس من الله عز وجل، وهذا يوصلنا إلى حقيقة مفهوم الاجتهاد المقاصدي ودقته، وخطورة الإفراط والتفريط فيه، فلا يصح المبالغة في استخدام المقاصد للاجتهاد المقاصدي، على حساب النصوص والضوابط الشرعية، كما أنه لا يصح التفريط في الاجتهاد المقاصدي عند غياب النص وضرورة الحكم، حتى لا تكون الشريعة عاجزة وقاصرة عن تقديم الأحكام الفقهية، خاصة في عصر الحداثة والتطور، كما فعلت الظاهرية التي عطلت الاجتهاد المقاصدي وعطلت القياس والتعليل، فكانت أحكامها قاصرة وعاجزة عن مواكبة الحضارة؛ حيث استخدمت الظاهرية وسائل قديمة في قضايا حديثة، دون مراعاة لمصالح الخلق وأعرافهم وبيئاتهم وظروفهم. وقد أوضح لنا سلطان العلماء عز الدين بن عبد السلام في كتابه: (قواعد الأحكام في مصالح الأنام)، وهو كتاب يكاد يكون خاصًّا في مقاصد الشريعة- أن مقاصد القرآن هي الأمر باكتساب المصالح وأسبابها، والزجر عن اكتساب المفاسد وأسبابها. كما أثبت ابن تيمية -رحمه الله- مفهوم مقاصد الشريعة، وأن الشريعة جاءت لتحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها، وأنها ترجح خير الخيرين وشر الشرين، وتحصل أعظم المصلحتين بتفويت أدناهما، وتدفع أعظم المفسدتين باحتمال أدناهما. ثم إننا لو نظرنا إلى مفهوم المقاصد لدى المالكية، لوجدنا أن الاستحسان عند مالك يعني شيئًا واحدًا محددًا هو رعاية المصلحة، وما رواه عنه أصحابه، من أن الاستحسان، تسعة أعشار العلم، لا يمكن أن يعني إلا مراعاة المصلحة في الأحكام الاجتهادية. تعريف المقاصد لغةً: أصل المقاصد من الفعل الثلاثي قصد يقصد قصدًا؛ ولهذه الكلمة استعمالات ومعانٍ عديدة، تقول: قَصَدَ، فالقصدُ إتيان الشيء، وقصده وقصد له وقصد إليه، كلها بمعنى واحد، وقصد قصدَه، أي: نحا نحوه، والقاصد القريب، يقال: بيننا وبين الماء ليلة قاصدة، أي: هينة السفر لا تعب فيها ولا بطء، ومنه قول الله تعالى: {لَوْ كَانَ عَرَضاً قَرِيباً وَسَفَراً قَاصِداً} [التوبة: 42]، أي: متوسطًا بين القريب والبعيد، والقصد بين الإسراف والتقتير، يُقال: فلان مقتصد في النفقة، وقصد الطريق قصدًا، أي: استقام، ومنه قوله تعالى{وَعَلَىَ اللّهِ قَصْدُ السّبِيلِ} [النحل: 9]، أي: تبين الطريق القاصد المستقيم. واستعمل القصد أيضًا، بمعنى العدل، وهو ما بين الإفراط والتفريط، ومنه قوله تعالى: {وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ} [لقمان: 19]، أي: توسط بين الإسراع والإبطاء، ومنه قوله سبحانه وتعالى: {وَمِنْهُمْ مّقْتَصِدٌ} [فاطر: 32]، أي: استوت حسناته وسيئاته. تعريف كلمة المقاصد عند كبار الأصوليين: إن الكثير من علماء الأصول، ومَن خاضوا في عِلم المقاصد القدامى لم يحددوا تعريفًا واضحًا للمقاصد، إنما كان لهم استعمالات واصطلاحات واضحة ومطوَّلة، وكانوا يعبرون عنها بتعبيرات مختلفة، لكنها بقيت متناثرة بين صفحات كتبهم دون جمعها في كتابٍ خاص بها ولا تعريفٍ محددٍ لها، ويعود ذلك إلى أن صدر هذه الأمة كانوا يفهمون هذه المعاني، وكانت واضحة جليَّة في أذهانهم، أما العلماء المعاصرون، فقد تقاربت رؤيتهم الدالة على تعريف المقاصد مع العلماء قديمًا، وأصَّلوها وجعلوا منها علمًا قائمًا بذاته، منفردًا باسم علم مقاصد الشريعة الإسلامية. أما ما كان يعبر عن المقاصد التي أريد بها مقصود الشارع، هي المصلحة، والمصلحة إما جلبًا لمنفعة أو درءًا لمفسدة، فقد جاء عن ابن العربي المالكي قوله: واعتبار المقاصد والمصالح، وقد نبهنا على ذلك في مسائل الفروع، ومن تلك الفروع منع وتحريم كل ما يشغل عن الجمعة من أجل المصلحة. وكثيرًا ما كان الأصوليون يذكرون المصلحة في أحاديثهم حول الكليات الخمس، قاصدين بها المقاصد الشرعية، كما عُبِّر عن المقاصد بالحكمة، ونرى ذلك في قول ابن رشد الحفيد: فلنفوض أمثال هذه المصالح إلى العلماء بحكمة الشرائع. وعُبر عن المقاصد، برفع الضرر وقطعه، فقد جاء عن القاضي عياض قوله: الحُكم بقطع الضرر واجب. وعُبر عنها أيضًا بدفع المشقة ورفعها، كما ورد عن ابن العربي: لا يجوز تكليف ما لا يطاق. وعُبر عنها بمعقولية الشريعة وتعليلاتها وأسرارها، وكذلك خصائصها العامة وسِماتها الإجمالية، نحو التيسير والوسطية والتسامح، وغرضها العام، وهدفها في الحياة والوجود. كما عُبر عنها برفع الحرج والضيق، واستحباب اللين والرفق والرخصة. وعُبر عنها أيضًا بالكليات الخمس؛ حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال. وعرَّف الإمام الغزالي -رحمه الله- المقاصد بقوله: أما المصلحة، فهي عبارة في الأصل عن جلب منفعة أو دفع مضرة، ولسنا نعني به ذلك، فإن جلب المنفعة ودفع المضرة مقاصد الخلق، وصلاح الخلق في تحصيل مقاصدهم، لكننا نعني بالمصلحة، المحافظة على مقصود الشارع، ومقصود الشرع من الخلق خمسة، وهو أن يحفظ عليهم دينهم ونفسهم وعقلهم ونسلهم ومالهم. والغزالي هنا لم يُعرِّفْ المقاصد تعريفًا محددًا دقيقًا، إنما عدد المقاصد وأكد على وجوب المحافظة عليها. وعرَّفها الآمديُّ -رحمه الله- بقوله: المقصود من شرع الحكم ما جلب مصلحة أو دفع مضرة أو مجموع الأمرين. وقال الإمام الشاطبي، في كتابه (الموافقات): تكاليف الشريعة ترجع إلى حفظ مقاصدها في الخلق، وهذه المقاصد لا تعدوا ثلاثة أقسام؛ أحدها: أن تكون ضرورية، والثاني: أن تكون حاجية، والثالث: أن تكون تحسينية. أما الذين حاولوا تعريف المقاصد، فقد عرَّفوها بقولهم: هي المعاني والحِكم الملحوظة للشارع في جميع أحوال التشريع أو معظمها، بحيث لا تختص ملاحظتها في نوع خاص من أحكام الشريعة، فيدخل في هذا أوصاف الشريعة، وغايتها العامة والمعاني التي لا يخلو التشريع عن ملاحظتها، ويدخل في هذا أيضًا معانٍ من الحكم ليست ملحوظة في سائر أنواع الأحكام. والمقاصد، هي المصالح التي تعود على العباد في دنياهم وأخراهم؛ سواء أكان تحصيلها عن طريق جلب المنافع أم دفع المضار، وقد شمل هذا التعريف للمقاصد، نوعيها الخاصة والعامة. والمقاصد، هي الغايات التي وضعتها الشريعة؛ لتحقيق مصلحة العباد، حصل التعريف بما يعود إلى العباد فقط. وذكر ابن تيمية- رحمه الله- مراده بالمقاصد، حيث قال: إن المراد بالمقاصد: الغايات المحمودة في مفعولاته ومأموراته سبحانه وتعالى، وهي ما تنتهي إليه مفعولاته ومأموراته من العواقب الحميدة، تدل على حِكمته البالغة، وإن لِفعلِه سبحانه غاية محبوبة وغاية محمودة. التعريف الأمثل لمقاصد الشريعة: هي المعاني الملحوظة في الأحكام الشرعية؛ سواء أكان ذلك في العقائد أم العبادات أم المعاملات التي تحقق للعبد العبودية لله تعالى، ومصلحة الخلق في الدارين.

error: النص محمي !!