Top
Image Alt

مقاصد التشريع الجنائي الإسلامي

  /  مقاصد التشريع الجنائي الإسلامي

مقاصد التشريع الجنائي الإسلامي

لا شك أن الشريعة الإسلامية هي عامة، فقد خلق الله العالم وأحاطه دائمًا برعايته، فلم يتركه بلا هداة يرشدون إلى الخير، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، فكان من رحمته وعدالته أن أرسل الرسل؛ ليخرجوا الناس من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد.

وقد عرفت البشرية كثيرًا من رسل الله، وكثيرًا لم تعرفه البشرية، ولا شك أن من مقاصد التشريع، أو من أسس التشريع عدم الحرج، ورعاية مصالح الناس جميعًا، وتحقيق العدل بينهم.

وفي عدم الحرج ورفع المشقة، تعددت آيات القرآن الكريم، منها: { مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ} [المائدة: 6]، ومنها { وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج: 78]، ومنها { لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ} [النور: 61]، وغير ذلك من الآيات التي تبين أن الله هو الرحمن الرحيم، العالم بتفاوت الناس صحة ومرضًا، قوة وضعفًا، رفع عنا الحرج، ودفع المشقة عن الناس عامة، وعن المرضى والمصابين خاصة.

ولرفع الحرج ودفع المشقة مظاهر كثيرة، منها ما هو في العبادات، ومنها ما هو في المعاملات، ومنها ما هو في العقوبات.

ففي العبادات مثلًا: نرى أولًا عدم كثرة التكاليف التي جاءت في القرآن خاصة بها، حتى صار من اليسير القيام بها دون عنت ولا مشقة، كما نرى إباحة قصر الصلاة حال السفر، والفطر للصائم إذا كان مريضًا، أو على سفر، وإباحة التيمم بدل الوضوء للصلاة لمن لم يجد الماء، أو كان في استعماله للماء ضرر، وتناول المحرم كالخمر، ولحم الخنزير عند الضرورة.

وفي ناحية المعاملات: نجد اليسر شاملًا، فليس هناك إجراءات رسمية، أو شكلية يجب اتباعها ليكون العقد صحيحًا، كما كان الأمر عند الرومان أو غير الرومان، بل تكفي في هذه رغبة المتعاقدين فقط، كما هو معروف، ومن ثم فلا نجد في القرآن في جواز العقود إلا شرط الرضا، ومصداق ذلك قول الله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} [النساء: 29]، فإن كلمة تجارة تشمل كل أنواع المعاملات.

ومن باب التيسير في المعاملات أيضًا: ابتناء كثير من الأحكام على العرف الصحيح، وفي هذا ملاحظة لاختلاف العرف والعوائد؛ لاختلاف الزمان والمكان.

وفي باب العقوبات والجرائم: نجد أن منها ما يسمى في الفقه بالحدود، وهي عقوبات الزنا، والقذف، والسرقة، وشرب الخمر، وصيانة العرض، والنسل، والمال، والعقل، وفي هذا يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: ((ادرءوا الحدود بالشبهات ما استطعتم))، وفي رواية: ((ادرءوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم، فإن وجدتم للمسلم مخرجًا فخلوا سبيله، فإن الإمام لأن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة))؛ ولذلك ورد الكثير في السنة النبوية مما يدل على درء الحدود، وعلى الحث على إسقاط الحدود عن الجناة متى وجدت الشبهة، وهذا فيه ما فيه من رفع الحرج.

كذلك من دلائل اعتبار التيسير في التشريعات، ومن أسس الشريعة الإسلامية: أن الله تعالى تفضل ورفع عنا تكاليف كثيرة شاقة، وعقوبات شديدة ضربها على اليهود؛ جزاء بغيهم وعدوانهم، وفي ذلك نزلت هذه الآيات: { فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ} [النساء: 160]، وقوله: { وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا} [الأنعام: 146]، ومنه: { وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ} [الأعراف: 156].

أما فيما يتعلق برعاية مصالح الناس جميعًا، فذلك واضح في التشريع الإسلامي بما لا يدع مجالًا للشك.

error: النص محمي !!