Top
Image Alt

مقدمةٌ في آداب طالب العلم

  /  مقدمةٌ في آداب طالب العلم

مقدمةٌ في آداب طالب العلم

إنَّ الحمد لله، أما بعد:

لا شكّ أنّ الموفَّق مَن وفّقه الله إلى الخير؛ فإنّ الخير بيد الله يَهدي إليه مَن يشاء من عباده؛ ولذلك كان مِن دعائه صلى الله عليه  وسلم: ((اللهمَّ يا مُقلِّبَ القلوب، ثبِّتْ قلبي على دِينك)). وإنّ مِن أعظم الخير وأحسنه: السَّيرَ في طريق طلب العلْم الشّرعيِّ.

ومِن المعلوم أنّ العلْم قسمان: علْم شرعيٌّ، وعلم دنيويٌّ.

القسم الأول: العلم الدنيويّ:علم الرياضيات، والفلَك، والأحياء، وغيرها مِن علوم الدنيا التي يحتاجها الناس في حياتهم. والأمر في هذه العلوم هيّن؛ نعم، لا شكّ في أهميّتها والحاجة لتعلّمها، لكنها لا تصل إلى درجة علوم الشريعة، ومَن تعلّمها لينفع أمّته أُجر على ذلك، ومَن تعلّمها لنفسه لمْ يأثم بذلك.

القسم الثاني: علم شرعي: علم الكتاب والسنة؛ ولا شك أنّ هذا القسم هو الأهمّ، وهو المقصود في قوله صلى الله عليه  وسلم: ((طلبُ العلْم فريضةٌ على كلِّ مسلم)). وهو ميراثُ الأنبياء؛ فقد جاء في الحديث: ((إنّ الأنبياء لمْ يورِّثوا دينارًا ولا درهمًا، وإنما ورّثوا العلْم؛ فمَن أخَذه أخذ بحظٍّ وافر)). أجَلْ، مَن سار في هذا الطريق فهو المحظوظ، وهو الموفَّق، وهو على خير -بإذن الله تعالى- إنْ أخلص العمل لله عز وجل، ولم يُرد إلا وجْه الله والدار الآخرة.

يُعلم من هذا: أنّ فضل تعلّم الشريعة فضل عظيم، ومَن وُفِّق إلى السَّيْر في هذا الطريق فهو الموفَّق. ويكفي طالبَ العلْم شرفًا أنه يسير في الطريق المؤدِّي إلى الجنة، يقول صلى الله عليه  وسلم:  ((مَن سلك طريقًا يلتمس فيه علْمًا، سهّل الله له به طريقًا إلى الجنَّة)).

ولا يستوي مَن أتعب نفسه في تعلّم شرع الله، والجاهل. قال تعالى: هَلْ يَسْتَوِي الّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ} [الزُّمَر: 9]، يعني: لا يستوي الذي يعلم والذي لا يعلم، كما لا يستوي الحيُّ والميت، والسميع والأصمُّ، والبصير والأعمى؛ ولذلك يقول تعالى: {يَرْفَعِ اللّهُ الّذِينَ آمَنُواْ مِنكُمْ وَالّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ} [المجادلة: 11]. ولهذا، لو نظرتَ لوجدتَ أهل العلم هم محلّ الثناء؛ أينما ذُكروا أثنى الناس عليهم في حياتهم وبعد مماتهم. هذا في الدنيا. أمّا في الآخرة، فلا شك أنهم يرتفعون درجاتٍ في الجنة، على حدّ ما قاموا به من دعوة إلى الله ونشْر العلم الذي أنعم الله به عليهم.  وأخيرًا، يكفي طالبَ العلم فخرًا وفضلًا، أنه قد أراد الله به خيرًا، كما أخبر بذلك صلى الله عليه  وسلم في قوله: ((مَن يُرد الله به خيرًا يُفقِّهْهُ في الدِّين)).

آدابُ طَلَبِ العلمِ:

وقد ذكر أهل العلم في هذا المقام آدابًا ينبغي على طالب العلْم أن يتأدّب بها، أذكر منها ما يلي:

الأدب الأول: إخلاص النية لله عز وجل؛ وذلك: أن يكون قصْده في طلبه للعلم: وجْه الله عز وجل والدار الآخرة، ولا يلتفت إلى شيءٍ مِن زخرف الحياة الدُّنيا؛ فإنّ وحي الله عز وجل الذي هو الكتاب والسُّنة، لم ينزله سبحانه وتعالى على نبيّه لنحصل به على حطام الدُّنيا الفانية التي لا تساوي عند الله جناح بعوضة.

نعم، من أراد بتعلّمه رفْع الجهل عن نفسه، وتعليم غيره؛ ليحصل له الأجر والثواب من الله عز وجل، وقرن هذه النية الحسنة بقصد الحصول على شهادةٍ يحصل بها على المال، أو نحو ذلك، فقد نصَّ أهل العلم على أنّ ذلك لا بأس به. ومثله مثْل الحاج الذي يقصد مكة لأداء فريضة الحج، ويتّجر بما أراد أثناء رحلته؛ فإنَّ ذلك جائزٌ باتفاق أهل العلم، لقوله تعالى: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً} [البقرة: 198].

إذًا، عليك أيها الأخ العزيز، وأنت تستمع إلى الدروس العلمية الشرعية، أن تُخلص نيَّتك لله عز وجل، وأن تتذكَّر دائمًا قول النبي صلى الله عليه  وسلم: ((مَن تعلّم علمًا يُبتغَى به وجهُ الله، لا يتعلّمُه إلا لِيُصيب به عرضًا من الدُّنيا، لم يَجد عَرْف الجنة يوم القيامة))، وعرْفها يعني: ريحها؛ والمقصود: أنه لا يدخل الجنة -نسأل الله السلامة والعافية.

الأدب الثاني: العمل بالعلْم؛ فإنَّ العمل هو ثمرة العلْم، وهو النَّتيجة التي إن لم توجد لم تكن هناك فائدةٌ لما تعلّمه الطالب، وكما قال صلى الله عليه  وسلم: ((القرآن حُجّةٌ لك أو عليك)). هو حجة لك إن عملت به، وحجة عليك إن لم تعمل به.

الأدب الثَّالث: تعليم الناس الخير؛ فبعد أن تعْلم، وتعمل بما علِمت، عليك أن تحرصَ على نشر ذلك العلْم إلى مَن تستطيع أنْ توصله إليه، من أهلك وإخوانك وجيرانك وغيرهم. قال صلى الله عليه  وسلم: ((بلِّغوا عنّي ولو آية)).

الأدب الرَّابع: الصبر في طلب العلْم.

الأدب الخامس: احترام العلماء وتقديرهم.

الأدب السادس: التقوى.

error: النص محمي !!