Top
Image Alt

مقدمة في أصول التفسير

  /  مقدمة في أصول التفسير

مقدمة في أصول التفسير

هذا موضوع جديد، والْكَلَامُ فِيهِ كَثِيرٌ مُتَّسِعٌ؛ فَإِنَّ قَوَاعِدَ التَّفْسِيرِ وَأُصُولَ التفسير كثيرة، ولا يمكننا أن نحصي الموضوعات الداخلة أو المندرجة تَحْتَ هذا العنوان، وهناك من العلماء من كتب في “الوجوه والنظائر” وتفاسير الأقدمين، وقواعد في أدوات المفسر، وهناك بعض الأصول التي يحتاج إليها المفسر -كقانون الترجيح، ونحو ذلك- والأدوات التي لا بد منها للمفسر. هذا الموضوع مفتوح، ومن ثَمَّ سَنَخْتَارُ لَهُ بَعْضَ الْمَوْضُوعَاتِ، سَائِلِينَ اللَّهَ سبحانه وتعالى أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْمَوْضُوعات الْمُنْدَرِجَةَ تَحْتَ عُنْوَانِ “قواعد التفسير وأصوله” إن شاء الله تكون هذه الموضوعات ذات صلة وثيقة بهذه المحاضرة أو بهذا العنوان. أمامنا في المقدمة -مقدمة العلامة شيخ الإسلام -ابن تيمية- له مقدمة في أصول التفسير تحمل هذا الاسم، وهذا العنوان “مقدمة في أصول التفسير” وَلَعَلَّهَا -إِنْ شَاءَ اللَّهُ- فِيهَا مِنَ الْمَنَافِعِ وَالْفَوَائِدِ الْعَظِيمَةِ. فَهَذِهِ الْمُقَدَّمَةُ تَحَدَّثَ فِيهَا شَيْخُ الْإِسْلَامِ عَنْ تَارِيخِ نَشْأَةِ عِلْمِ التَّفْسِيرِ، وعناية الصحابة والتابعين به، وأيضًا تكلم عن طبيعة أنواع الاختلاف في التفسير ووجوهه، وَأَيْضًا تَكَلَّمَ عن بيان تفسير القرآن بالقرآن، وتفسير القرآن بأقوال الصحابة، وَتَكَلَّمَ عن التحذير من الوقوع في حرمة التفسير بمجرد الرأي. وَسَنَبْدَأُ بِمُقْتَطَفَاتٍ مِنْ هَذِهِ الْمُقَدِّمَةِ لِشَيْخِ الْإِسْلَامِ ابْنِ تَيْمِيَةَ، وَنَسْتَكْمِلُ -إِنْ شَاءَ اللَّهُ- الْمَوْضُوعَاتِ الَّتِي نَرَى أَنَّهَا لَهَا صِلة وثيقة بِقَوَاعِدَ وَأُصُولِ عِلْمِ التفسير، القواعد المذكورة في هذه المقدمة قواعد كلية -إن شاء الله- تعين على فهم القرآن ومعرفة تفسيره ومعانيه والتمييز في منقول ذلك ومعقوله. وكان العنوان الأول في هذه المقدمة: “عناية الصحابة والتابعين بمعاني القرآن” يقول -رحمه الله-: يجب أن يُعْلَمَ أن النبي صلى الله عليه وسلم بيّن لأصحابه معاني القرآن كما بين لهم ألفاظه، فقوله تعالى: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذّكْرَ لِتُبَيّنَ لِلنّاسِ مَا نُزّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلّهُمْ يَتَفَكّرُونَ} [النحل: 44]، يتناول هذا وذاك -يعني: يتناول بيان المعاني وبيان الألفاظ- وإذا كانت عبارة شيخنا هذه توحي بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قَدْ فَسّرَ وَبيّنَ لأصحابه جميع معاني القرآن وجميع ألفاظ القرآن، فأنا أعتقد أن هذه العبارة فيها شيء من الاتساع؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم هو المبلغ للوحي، وقد بَيَّنَ لأصحابه، نعم، ولكنه بيّن أكثر المعاني وأكثر الألفاظ، وليس بالضرورة أن يكون قد بيّن جميع كلمات القرآن وجميع ألفاظ القرآن؛ لأن صحابته رضي الله عنهم كما نعلم عنهم كانوا عربًا فصحاء، وكانوا يفهمون القرآن فهمًا واعيًا، عقولهم صافية، قلوبهم واعية، هم عاصروا التنزيل، وعاشوا ملابسات الوحي، فهناك أشياء كثيرة كانوا يعرفونها، فما كانوا يحتاجون إليها، إنما بيّن لهم الرسول صلى الله عليه وسلم ما كانوا بحاجة إلى بيانه. التابعون كانوا غير ذلك -جيل التابعين كانت فصاحتهم ولغتهم وعقولهم طبعًا تختلف عن الصحابة، ولم يعاصروا التنزيل ولا ملابسات الوحي، وَدَخَلَ في عصر التابعين في الإسلام من غير العرب ناسٌ كثيرون دخلوا في دين الله أفواجا، فكان الكلام والفهم والشرح والمتابعة عند التابعين أكثر مما كان عند الصحابة، ومما يذكره شيخ الإسلام نقل وقال: قال أبو عبد الرحمن السلمي حدثنا الذين كانوا يقرئوننا القرآن -كعثمان بن عفان وعبد الله بن مسعود وغيرهما: أنهم كانوا إذا تعلموا من النبي عشر آيات لم يجاوزها حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل، قالوا: فتعلمنا القرآن والعلم والعمل جميعًا، ولهذا كانوا يبقون مدة من الزمن في حفظ السورة، وإذا عرفنا أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا معايشين للوحي، فمعنى هذا أنهم لم يختلفوا في تفسير القرآن إلا في أشياء قليلة جدًّا -كان النزاع بينهم قليلًا جدًّا- وفي التابعين كان أكثر منه في الصحابة؛ لأن التابعين تباعدت أيامهم عن فترة نزول الوحي، فلم يشاهدوه، ولم يعاصروا أيامه وأحداثه، كما أنهم اختلطوا بغيرهم، فكان الاختلاف عندهم أكثر منه في الصحابة، ومع ذلك فهو قليل بالنسبة إلى من جاء بعدهم، وَكُلَّمَا كان العصر أشرف كان الاجتماع والائتلاف والعلم والبيان فيه أكثر. ومن التابعين من تلقى جميع التفسير عن الصحابة، كما قال مجاهد: عرضت المصحف على ابن عباس، أُوقِفُهُ عند كل آية منه، وأسأله عنها. فهذا يدل على أنه جمع التفسير كله، ولهذا قال الثوري: إذا جاءك التفسير عن مجاهد فحسبك به. ولهذا يعتمد على تفسيره الشافعي والبخاري وغيرهما من أهل العلم، وكذلك الإمام أحمد وغيره ممن صنف في التفسير، نراه يكرر الطرق عن مجاهد أكثر من غيره، والمقصود أن التابعين تلقوا التفسير عن الصحابة، كما تقلوا عنه علم السنة، وإن كانوا قد يتكلمون في بعض ذلك بالاستنباط والاستدلال، كما يتكلمون في بعض السنن بالاستنباط والاستدلال. العنوان الثاني: يحدثنا فيه شيخ الإسلام في مقدمة “أصول تفسيره وقواعد التفسير” يقول: هناك اختلاف بين السلفِ في التفسير، وهو اختلاف تنوع وليس اختلاف تضاد، الخلاف بين السلف في التفسير قليل، وخلافهم في الأحكام أكثر من خلافهم في التفسير، وغالب ما يصح عنهم من الخلاف يرجع إلى اختلاف تنوع لا اختلاف تضاد، وذلك صنفان؛ أحدهما: أن يعبر كل واحد منهم عن المراد بعبارة غير عبارة صاحبه، بمعنى: أنه يعبر بعبارة تدل على معنى في المسمى غير المعنى الآخر مع اتحاد المسمى بمنزلة الأسماء المتكافئة التي بين المترادفة والمتباينة -يعني: كما نرى في أسماء الله سبحانه وتعالى الحسنى، وأسماء رسوله صلى الله عليه وسلم وأسماء القرآن، فإن أسماء الله كلها على مسمى واحد، فليس دعاء المسلم باسم من أسماء الله الحسنى مضاد لدعائه باسم أخر، بل الأمر كما قال -جل وعلا-: {قُلِ ادْعُواْ اللّهَ أَوِ ادْعُواْ الرّحْمَـَنَ أَيّاً مّا تَدْعُواْ فَلَهُ الأسْمَآءَ الْحُسْنَىَ وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً} [الإسراء: 110]، وكل اسم من أسمائه يدل على الذات المسماة وعلى الصفة التي تضمنها الاسم -كالعليم- يدل على الذات والعلم، والقدير يدل على الذات والقدرة، والرحيم يدل على الذات والرحمة، ومن أنكر دلالة أسمائه على صفاته ممن يدعي الظاهر، فقوله من جنس قول ولاة الباطنية القرامطة الذين يقولون: لا يقال، هو حي، ولا ليس بحي، بل ينفون عنه النقيضين؛ فإن أولئك القرامطة الباطنية لا ينكرون اسمًا هو علم محض -كالمضمرات- وإنما ينكرون ما في أسمائه الحسنى من صفات الإثبات… إلى آخره. والمقصود أن كل اسم من أسمائه يدل على ذاته، وعلى ما في الاسم من صفاته -جل وعلا- ويدل أيضًا على الصفة التي في الاسم الآخر بطريق اللزوم، وكذلك أسماء النبي محمد صلى الله عليه وسلم محمد، وأحمد، والماحي، والحاشر، وكذلك أسماء القرآن؛ يسمى القرآن: الفرقان الهدى الشفاء البيان والكتاب، وأمثال ذلك؛ فإن مقصود السائل تَعْيينَ المسمى؛ إذا كان مقصود السائل تعيين المسمى عَبَّرْنَا عَنْهُ بِأَيِّ اسْمٍ كَانَ إِذَا عُرِفَ مُسَمَّى هَذَا الِاسْمِ، وَقَدْ يَكُونُ الِاسْمُ علمًا، وقد يكون صفة؛ كَمَنْ يَسْأَلُ عَنْ قَوْلِهِ: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي} [طه: 124]، مَا ذِكْرُهُ؟ فيقال له: هو القرآن مثلًا، أو ما أنزله من الكتب، فإن الذكر مصدر، والمصدر تارة يضاف إلى الفاعل، وتارة يضاف إلى المفعول؛ فإذا قيل ذكر الله بالمعنى الثاني، كان ما ما يُذْكَرُ به مثل قول العبد: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر. هذا إضافة المصدر إلى مفعوله، وإذا كان بالمعنى الأول من إضافة المصدر “ذكر الله” إلى فاعله كان المراد من “ذكر الله” ما يذكره هو، وهو كلامه سبحانه وتعالى. والمقصود أن يعرف أن الذكر هو كلامه المنزل، أو هو ذكر العبد له، فسواء قيل: ذكري كتابي، أو كلامي أو هداي أو نحو ذلك؛ فإن المسمى واحد، وإذا كان مقصود السائل معرفة ما في الاسم من الصفة المختصة به فلا بد من قدر زائد على تعيين المسمى، مثل أن يسأل عن {الْقُدّوسُ السّلاَمُ الْمُؤْمِنُ} [الحشر: 23]، وقد عُلِمَ أنه الله سبحانه وتعالى إذا عرف هذا فالسلف كثيرًا ما يعبرون عن المسمى بعبارة تدل على عينه، وإذا كان فيها من الصفة ما ليس في الاسم الآخر -كمن يقول: أحمد: هو الحاشر والماحي والعاقب- ومعلوم أن هذا ليس اختلاف تضاد؛ لأن المسمى واحد، طبعًا كله يرجع إلى شيء واحد، هذا ليس اختلاف تضاد -كما يظنه بعض الناس. ولو أردنا أن نضرب مثالًا في التفسير نقول: تفسير العلماء لـ{الصّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} [الفاتحة: 6]، قال بعضهم: {الصّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} هو القرآن -أي: اتِّبَاعه- لقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث علي: ((هو حبل الله المتين، والذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم)) وقال بعضهم: {الصّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} هو الإسلام؛ لقوله صلى الله عليه وسلم في حديث النواس بن سمعان: ((ضرب الله مثلًا صراطًا مستقيمًا…)) الحديث، فالصراط المستقيم هو الإسلام -كما جاء في الحديث- فهذان القولان متفقان بأن دين الإسلام هو اتباع القرآن الكريم، ولكن كل منهما نبه على وصف غير الوصف الآخر، كما أن لفظ “صراط” يشعر بوصف ثالث، وكذلك قول من قال: هو السنة والجماعة، وقول من قال: هو طريق العبودية، وقول من قال: هو طاعة الله ورسوله. كلها تفاسير مختلفة، كلهم أشاروا إلى ذات واحدة وَلَكِنْ وَصَفَهَا -كلّ بصفة من صفاتها. الصنف الثاني: أن يذكر كل منهم من الاسم العام بعض أنواعه، على سبيل التمثيل وتنبيه المستمع على النوع لَا عَلَى سَبِيلِ الْحَدِّ الْمُطَابِقِ لِلْمَحْدُودِ فِي عُمُومِهِ وَخُصُوصِهِ، مْثل: سائل أعجمي سأل عن مسمى لفظ الخبز؛ فَأُرِيَ رَغِيفًا، وقيل له: هذا. فالإشارة إلى النوع “هذا” لا إلى هذا الرغيف وحده، وبالمثال في التفسير يتضح. مثال ذلك: أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ يَذْكُرُ من الاسم العام بعض أنواعه قولهم: أي: المفسرون في تفسير قوله سبحانه وتعالى: {ثُمّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لّنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذُنِ اللّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ} [فاطر: 32]، فَمَعْلُومٌ أَنَّ الظَّالِمَ لِنَفْسِهِ يَتَنَاوَلُ الْمُضَيِّعَ لِلْوَاجِبَاتِ، وَالْمُنْتَهِكَ لِلْمُحَرَّمَاتِ، وَالْمُقْتَصِدُ يَتَنَاوَلُ فَاعِلَ الواجبات وتارك المحرمات، والسابق يدخل فيه من سبق فتقرب بالحسنات مع الواجبات، فَالْمُقْتَصِدُونَ هُمْ أَصْحَابُ الْيَمِينِ، وَالسَّابِقُونَ أولئك المقربون، ثُمَّ إِنَّ كُلًّا مِنْهُمْ يَذْكُرُ هَذَا فِي نَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ الطَّاعَاتِ -كَقَوْلِ الْقَائِلِ: السَّابِقُ: الَّذِي يُصَلِّي فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ، وَالْمُقْتَصِد: الَّذِي يُصَلِّي فِي أَثْنَائِهِ، وَالظَّالِمُ لِنَفْسِهِ الَّذِي يؤخر العصر إلى الاصفرار. أو يقول: السابق والمقتصد والظالم، وقَدْ ذَكَرَهُمْ في آخر سورة البقرة، فإنه ذَكَرَ المحسن بالصدقة، والظالم بأكل الربا، والعادل بالبيّن، والناس في الأموال؛ إما محسن، وإما عادل، وإما ظالم؛ فالسابق المحسن بأداء المستحبات مع الواجبات، والظالم: آكل الربا أو مانع الزكاة، والمقتصد: الذي يؤدي الزكاة المفروضة ولا يأكل الربا، وأمثال هذه الأقاويل، وهي كثيرة، فكل قول للمفسرين من هذه الأقوال -كل قول- ذكر نوعًا داخلًا في الآية، ولم يكن على سبيل الحصر، وإنما ذُكِرَ لتعريف المستمع بتناول الآية له، وتنبهه به على نظيره؛ فَإِنَّ التَّعْرِيفَ باِلْمثالِ قد يسهل أكثر من التعريف بالحدث المطابق. والعقل السليم يَتَفَطَّنُ لِلنَّوْعِ، كما يتفطن إذا أشير له إلى رغيف الخبز فقيل له هذا رغيف الخبز. ومن هَذَا الْبَابِ اخْتِلَافُ التنوع، قَدْ يَجِيءُ كَثِيرًا قَوْلُهُمْ: هذه الآية نزلت في كذا، لا سيما إن كان المذكور شخصًا، كَأَسْبَابِ النُّزُولِ الْمَذْكُورَةِ في التفسير، كَقَوْلِهِمْ: إِنَّ آيَةَ الظِّهَارِ نزلت في امرأة أوس بن الصامت، وإن آيَةَ اللعَانِ نَزَلَتْ فِي عُوَيْمِر الْعجلاني أو هلال بن أمية، وإن آية الكلالة نزلت في جابر بن عبد الله، وإن قوله: {وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُمْ بِمَآ أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَآ أَنزَلَ اللّهُ إِلَيْكَ} [المائدة: 49]، نزلت في بني قريظة… إلى آخر ما يروى عنهم في هذا. وَنَظَائِرُ هَذَا كَثِيرٌ مِمَّا يَذْكُرُونَ أَنَّهُ نَزَلَ في قوم من المشركين بمكة أو في قوم من أهل الكتاب اليهود والنصارى، أو في قوم من المؤمنين؛ فالذين قالوا ذلك لم يَقْصِدُوا أَنَّ حُكْمَ الآية مختص بأولئك الأعيان دون غيرهم؛ فإن هذا لا يقوله مسلم ولا عاقل على الإطلاق، والناس -وإن تنازعوا في اللفظ العام الوارد على سبب- هل يختص بسببه أم لا؟ فلم يقل أحد من علماء المسلمين: إن عمومات الكتاب والسنة تختص بِشَخْصٍ معين، وإنما غاية ما يقال: إِنَّهَا تَخْتَصُّ بِنَوْعِ ذَلِكَ الشَّخْصِ، فَيَعُمُّ مَا يُشْبِهُهُ، وَلَا يَكُونُ الْعُمُومُ فِيهَا بِحَسَبِ الْلَفْظِ. والآية التي لها سبب معين -إن كانت أمرًا ونهيًا- فهي متناولة لذلك الشخص، وَلِغَيْرِهِ مِمَّنْ كَانَ بِمَنْزِلَتِهِ -وِإِنْ كَانَتْ خَبَرًا بِمَدْحٍ أَوْ ذَمٍّ- فهي متناولة لذلك الشخص، ولمن كان بمنزلته أيضًا، ومعرفة سبب النزول تعين على فهم الآية؛ فإن العلم بالسبب يورث العلم بالمسبب، ولهذا كان أصح قولي الفقهاء: أنه إذا لم يعرف ما نواه الحالف رَِجِعَ إِلَى سَبَبِ يَمِينِهِ وما هَيَّجَهَا وأثارها. وقولهم: نَزَلَتْ هذه الآية في كذا: يراد به تارة أنه سبب النزول، ويراد به تارة أن هذا داخل في معنى الآية، وإن لم يكن السبب، كما تقول: عنى بهذه الآية كذا. وقد تنازع العلماء في قول الصاحب: نزلت هذه الآية في كذا؛ هل يجري مجرى المسند، كما يذكر السبب الذي أنزلت من أجله، أو يجري مجرى التفسير منه الذي ليس بمسند، والبخاري يدخله في المسند، وغيره لا يدخله في المسند، وأكثر المسانيد على هذا الاصطلاح -كمسند أحمد وغيره- بِخِلَافِ مَا إِذَا ذَكَرَ سببًا نزل عَقِبَهُ؛ فإنهم كلهم يدخلون مثل هذا في المسند. وإذا عرف هذا فقول أحدهم: نَزَلَتْ فِي كَذَا، لا ينافي قول الآخر: نزلت في كذا، إذا كان اللفظ يتناولهما، كما ذكرناه بالتفسير بالمثال، وإذا ذكر أحدهم لها سببًا نَزَلَتْ لِأَجْلِهِ، وذكر الآخر سببًا، فقد يمكن صدقهما بأن تكون نزلت الآية عقب تلك الأسباب، أو تكون نزلت مرتين؛ مرة بهذا السبب ومرة بهذا السبب، وهذان الصنفان اللذان ذكرناهما في تنوع التفسير تارة لتنوع الأسماء والصفات، وتارة لذكر بعض أنواع المسمى وأقسامه -كالتمثيلات- هما الغالب في تفسير سلف الأمة، الذي يظن أنه مختلف. ومن التنازع الموجود عنهم: ما يكون اللفظ فيهم محتملًا للأمرين؛ إِمَّا لِكَوْنِهِ مُشْتَرَكًا في اللغة؛ كَلَفْظِ {قَسْوَرَةٍ} [المدثر: 51]، الذي يراد به الرامي، ويراد به الأسد، ولفظ {عَسْعَسَ} [التكوير: 17]، الذي يراد به إقبال الليل، وإدباره، وإما لكونه متواطئًا في الأصل، لكن المراد به أحد النوعين أو أحد الشيئين؛ كالضمائر في قوله: {ثُمّ دَنَا فَتَدَلّىَ (8) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَىَ} [النجم: 8، 9]، وكلفظ: {وَالْفَجْرِ (1) وَلَيالٍ عَشْرٍ (2) وَالشّفْعِ وَالْوَتْرِ} [الفجر: 1- 3]. وما أشبه ذلك، فمثل هذا قد يجوز أن يُرَادَ بِهِ كُلُّ الْمَعَانِي الَّتِي قَالَهَا السَّلَفُ، وَقَدْ لَا يَجُوزُ ذلك؛ فالأول: إما لكون الآية نزلت مرتين، فأريد به هذا تارة، وهذا تارة، وإما لكون اللفظ المشترك يجوز أن يراد به معنياه؛ إِذْ قد جُوِّزَ ذَلِكَ عِنْدَ الكثير؛ جَوَّزَهُ أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ -الْمَالِكِيَّة والشافعية والحنبلية- وكثير من أهل الكلام، وإما لكون اللفظ متواطئًا، فيكون عامًّا إذا لم يكن لتخصيصه موجب، فهذا النوع إذا صح فيه قولان، كان من الصنف الثاني. ومن الأقوال الموجودة عنه، ويجعلها بعض الناس اختلافًا: أن يعبروا عن المعاني بِأَلْفَاظٍ مُتَقَارِبَةٍ لَا مُتَرَادِفَةٍ؛ فإن الترادف في اللغة قليل، وأما في ألفاظ القرآن؛ فإما نادر، وإما معدوم، وقل أن يعبر عن لفظ واحد بلفظ واحد يؤدي جميع معناه، بل يكون فيه تقريب لمعناه، وَهَذَا مِنْ أَسْبَابِ إِعْجَازِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ؛ فإذا قال القائل: قوله -جل وعلا-: {يَوْمَ تَمُورُ السّمَآءُ مَوْراً} [الطور: 9]، إن المور هو الحركة؛ إذ المور حركةٌ خفيفةٌ سريعةٌ، وكذلك إذا قال: الوحي هو الإعلام، أو قيل: {أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ} [الإسراء: 73]، أنزلنا إليك، أو قيل: {وَقَضَيْنَآ إِلَىَ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنّ فِي الأرْضِ مَرّتَيْنِ وَلَتَعْلُنّ عُلُوّاً كَبِيراً} [الإسراء: 4]، أي: أعلمنا، وأمثال ذلك، فهذا كله تقريب لا تحقيق. فَإِنَّ الوحي هو إعلامٌ سريعٌ خفي، والقضاءُ إليهم أخصُّ من الإعلامِ؛ لأن فيه إنزال إليهم، وإيحاء إليهم، والعرب تُضَمِّنُ الفعل معنًى، وتعديه تعديتَه، ومن هنا غَلَطَ مَنْ جَعَلَ بَعْضَ الْحُرُوفِ تَقُومُ مَقَامَ بَعْض، كما يقولون في قوله: {قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَىَ نِعَاجِهِ} [ص: 24]، أي: مع نعاجه، وقوله: {مَنْ أَنصَارِيَ إِلَى اللّهِ} [آل عمران: 52]، أي: مع الله، ونحو هذا. والتحقيق ما قاله نحاة البصرة من التضمين، فالعرب تضمن الفعل معنى لفعل آخر، كما أن الحروف أيضًا تُضَمَّنُ معانيَ لحروف أخرى، فهذا شيءٌ واضحٌ في علم اللغة العربية، فَنُحَاةُ البصرة قالوا بالتضمين، فسؤال النعجة يتضمن جمعها وضمها إلى نعاجه، وكذلك قوله: {وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الّذِي أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ لِتفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ} [الإسراء: 73]، ضمن معنى: يزيغونك، ويصدونك، وكذلك قوله: {وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الّذِينَ كَذّبُواْ بِآيَاتِنَا إِنّهُمْ كَانُواْ قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ} [الأنبياء: 77]، فالفعل “نَصَرْنَا”، ضمن معنى “نَجَّيْنَاهُ”، و “خَلَّصْنَاهُ”، وكذلك قوله: {عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللّهِ يُفَجّرُونَهَا تَفْجِيراً} [الإنسان: 6]، ضمن: يروي بها. ونظائر هذا في الحقيقة كثير، ويعني ممن تكلم في مثل هذا من قال: {لاَ رَيْبَ فِيهِ} [البقرة: 2]، أي: لا شك، هو في الحقيقة تقريب، وإلا فالريب فيه اضطراب وحركة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (( دَعْ مَا يريبك إلى ما لا يريبك))، في الحديث: “أنه أمر بظبي حاقف”، حاقف، يعني: نائم قد انحنى في نومِهِ، فَقَالَ: (( لا يريبه أحد))، فكما أن اليقين ضمن معنى السكون والطمأنينة، فالريب ضده ضُمِّنَ الاضطراب والحركة. وَلَفْظُ الشَّكِّ -وَإِنْ قِيلَ: إِنَّهُ يَسْتَلْزِمُ هَذَا الْمَعْنَى- لَكِنَّ لَفْظَهُ لَا يَدُلُّ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ إِذَا قِيلَ: {ذَلِكَ الْكِتَابُ} [البقرة: 2]، هذا القرآن، فهذا تقريب؛ لأن المشار إليه -وإن كان واحدًا- فَالْإِشْارَةُ بِجِهَةِ الْحُضُورِ غَيْرُ الْإِشَارَةِ بِجَهَةِ الْبُعْدِ والغيبة، ولفظ الكتاب يتضمن من كونه مكتوبًا مضمومًا ما لا يتضمنه لفظ القرآن من كونه مقروءًا مظهرًا باديًا، فهذه الفروق موجودة في القرآن. فإذا قال أحدهم أيضًا -في آية أخرى في قوله -جل وعلا-: {أَن تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ} [الأنعام: 70]، {أَن تُبْسَلَ نَفْسٌ} إذا قال في معناها: أن تحبس، وقال الآخر: تُرْتَهَن، ونحو ذلك، لم يكن من اختلاف التضاد، وإن كان المحبوس قد يكون مرتهنًا، وقد لا يكون؛ إذ هذا تقريب للمعنى -كما تقدم- وليس نصًّا على أن هذا المعنى مرادف له. جميع عبارات السلف في مثل هذا نافعٌ جِدًّا؛ لأن مجموع عباراتهم أدل على المقصود من عبارة أو عبارتين، ومع هذا فلا بد من اختلاف محقق بينهم، كما يوجد مثل ذلك في الأحكام، ونحن نعلم أن عامة ما يضطر إليه عموم الناس من الاختلاف معلوم، بل متواتر عند العامة، أو الخاصة، كما في عدد الصلوات ومقادير وقوعها ومواقيتها، وفرائض الزكاة ونصبها، وتعيين شهر رمضان والطواف والوقوف ورمي الجمار والمواقيت، وغير ذلك. ثم اختلاف الصحابة في الجَدِّ والإخوة، ونحو ذلك لا يوجب ريبًا في جمهور مسائل الفرائض، بل ما يحتاج إليه عامةُ الناسِ هو عَمُودُ النسب من الآباء والأبناء والكلالة من الإخوة والأخوات، ومن نسائهم كالأزواج؛ فإن الله أنزل في الفرائض ثلاث آيات مفصلة، ذَكَرَ فِي الْأُولَى الأصول والفروع، وذكر في الثانية الحاشية التي تَرِثُ بِالْفَرْضِ كالزوجين وولد الأم، وذكر في الثالثة الحاشية الوارثة بالتعصيب، وهم الأخوة لأبوين أو لأب، و اجتماع الجد والأخوة نادر، ولهذا لم يقع في الإسلام إلا بعد النبي صلى الله عليه وسلم. والاختلاف قد يكون لخفاء الدليل أو الذهول عنه، وقد يكون لِعَدَمِ سماع الدليل، وقد يكون الغلط في فهم النص، وقد يكون لاعتقاد معارض راجح، فالمقصود هنا التعريف لمجمل الأمر دون تفاصيله.

error: النص محمي !!