Top
Image Alt

مقدمة في أهمية الدعوة وفضلها، وأهمية دراسة تاريخها

  /  مقدمة في أهمية الدعوة وفضلها، وأهمية دراسة تاريخها

مقدمة في أهمية الدعوة وفضلها، وأهمية دراسة تاريخها

أولًا: بيان أهمية الدعوة وفضلها:

أ. مقدمة في أهمية الدعوة وفضلها:

إن الدعوة إلى الله -تعالى- من أعظم القُربات وأجل المهمات، جعلها الله -تعالى- وظيفة أنبيائه، ومهمة أوليائه، وسبيل أصفيائه قال -جَل من قائلٍ عليمًا: {قُلْ هَـَذِهِ سَبِيلِيَ أَدْعُو إِلَىَ اللّهِ عَلَىَ بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتّبَعَنِي} [يوسف: 108].

وقال -جل من قائل: {يَأَيّهَا النّبِيّ إِنّآ أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشّراً وَنَذِيراً (45) وَدَاعِياً إِلَى اللّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مّنِيراً} [الأحزاب: 45، 46].

والدعوة إلى الله -تعالى- قولًا هي أحسن الأقوال، والدعوة إلى الله عز وجل عملًا هي أحسن الأعمال، قال -جل من قائل عليمًا: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مّمّن دَعَآ إِلَى اللّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} [فُصِّلَت: 33].

وأفضل الخلق بعد المرسلين الذين يقومون مقامهم بالدعوة والتذكير في أممهم، ويخلفونهم بالبشارة والنذارة والتبليغ في أقوامهم، يصلحون من أمر الدين ما فسد، ويحيون من معالم السنن ما اندثر، هم أولى الناس بالنبيين، وأحرى الورى بدعاء إمام المصلحين صلى الله عليه وسلم بنضارة الوجوه والفقه في الدين.

ولا شك أن علم الدعوة وعمَلَها هو أفضل ما اشتغل به مسلم؛ يقول نبينا صلى الله عليه وسلم: ((أفضل الجهاد كلمة حقٍ عند سلطانٍ جائر)) وإذا كان دعاء النبي صلى الله عليه وسلم ودعاء أهل السموات والأرض للدعاة عمومًا؛ فإن الدعاة الذين نفروا ليتفقهوا في أصول دعوتهم هم في الطليعة من هذا الخير؛ فهم أحسن الدعاة قولًا، وأصلحهم في المسلمين عملًا.

وإذا كنّا قد قدّمنا بأن جهاد الدعوة بالكلمة له فضل كبير لا يدرك أمانة الكلمة ولا فقهها مثل الدعاة العلماء بهذا العلم النفيس، قال عز وجل: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مّمّن دَعَآ إِلَى اللّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} هؤلاء هم الذين ينفع الله عز وجل بهم بالبلاد، وهؤلاء الذين يرفع الله عز وجل أقدارهم بين العباد؛ قال -جل من قائل: {يَرْفَعِ اللّهُ الّذِينَ آمَنُواْ مِنكُمْ وَالّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ} [المجادلة: 11]. ولا شك أن مَن تلقَّ علم الدعوة وعمل بها واشتغل، يكن خيرًا ممن عمل بالدعوة من غير أن يتلقى علمها وأن يأخذ فقهها.

ثانيًا: بيان أهمية علم تاريخ الدعوة إلى الله -تعالى:

علم تاريخ الدعوة إلى الله فرع من علم التاريخ العام؛ ذلك أنه يهتم برصد جانبٍ معين من الأحداث والوقائع الماضية، ألا وهو ذلك الجانب المتصل بالدين وحركته وحيويته في حياة الناس؛ ولذلك نراه يعايش دعوات الله -تعالى- على طول الزمن، فيحدد موضوعاتها التي بُلِّغها الخلق في أوقات تلك الدعوات، ويعرفه بوسائلها في البلاغ والدعوة، ويوضح ما دار حولها من نقاشٍ أو حوار أو نزاع، ويبين مواقف المدعوين منها، سواء آمنوا بها أم لم يؤمنوا.

فعلم تاريخ الدعوة يعايش المدعوين جميعًا، عامتهم وخاصتهم؛ فهم جمهور الدعوة، وهم الأمة التي جاءت الدعوة لهم.

هذا العلم الذي نتحدث عنه يعلم الداعية كيف يواجه الخلق، ويفهم الداعية طريقة الخطاب، ومنهج الدعوة، وطريقة البلاغ.

وكما أن دعوة الرسل لم تتبدل، فكذلك مواجهة الملأ لدعوة رسل الله لم تتبدل؛ هذه حقيقة، ويجب على اللاحق أن يستفيد من تجربة السابق ويبني عليها.

ومن عناية الله -تعالى- بالدعوة إلى دينه أن أنزل قصص الرسل والأنبياء وحيًا على رسولنا صلى الله عليه وسلم لتتميز هذه القصص بخصائص القرآن الكريم الثابتة، بخصائص من الصدق، والدقة، وقصد الهداية والخير، في استقامة خالية من العِوج والاضطراب.

وبعد تمام الإسلام، وانقطاع الوحي، وانتقال الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى، واصل أصحاب نبينا صلى الله عليه وسلم ومن بعده التابعون وتابعوهم، رصدَ حركةِ انتشار الإسلام؛ فأخذوا يسجلون عمليةَ تبليغ الدعوة إلى الناس في أرجاء العالم المختلفة.

ثالثًا: لماذا ندرس حياةَ ودعوات الأنبياء؟

السبب الأول: لأن الله عز وجل أمرنا بالاقتداء بهم والتأسي بهم؛ ففي ذلك طاعة لله عز وجل وفي ذلك عبادة لله عز وجل إن الله عز وجل قَصَّ علينا خبرَ أنبيائه ورسله، ثم ختم هذه الآيات بأمر نبينا صلى الله عليه وسلم بأن يقتدي بهديهم، والأمر له صلى الله عليه وسلم أَمْرٌ لأمته.

أمر الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم بقوله: {أُوْلَـَئِكَ الّذِينَ هَدَى اللّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ} [الأنعام: 90] أي: اهتدِ واقتدِ واسلكْ واتبع سبيل مَن سبقك مِن أنبياء الله عز وجل: {لّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لّمَن كَانَ يَرْجُو اللّهَ وَالْيَوْمَ الاَخِرَ وَذَكَرَ اللّهَ كَثِيراً} [الأحزاب: 21].

والله عز وجل أمرنا أن نسأله كل يوم الهداية إلى الصراط المستقيم في قول مَن يصلي: {اهْدِنَا الصّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} [الفاتحة: 6، 7] وهؤلاء الذين أنعم الله عليهم هم النبيون بلا شك، ومن دخل في طاعة الأنبياء من الشهداء والصديقين…

السبب الثاني: أن الله أمرنا بالاقتداء بهم والتأسي بهديهم؛ لأن في حياتهم أكبر العظات، وأعظم العبر، سواء فيما يتعلق بالإيمان بالله عز وجل والتوحيد الصادق الذي عليه أنبياء الله عز وجل أو فيما يتعلق بأخلاقهم وسلوكهم، أو بهديهم ومنهجهم وصبرهم في الدعوة، أو في صراعهم مع الباطل وأهله.

ومن أهم أغراض ورود قصص الأنبياء في القرآن الكريم؛ حيث إن هذه القصص لم تأتِ لمجرد التسلية والمعرفة التاريخية فحسب؛ وإنما جاءت للتعزي بحياتهم وصبرهم وجهادهم؛ حتى لا تفتر عزائم الدعاة؛ حتى لا يضعف صبرهم.

وأنت إذا تأملتَ حياة أنبياء الله ورسله؛ عرفت أنها حياة معصومة، خاصة فيما يتعلق بالعقيدة وفيما أمروا بتبليغه؛ لأن الله -تعالى- اجتباهم وهداهم واصطفاهم عن علمٍ وحكمة؛ لذا قال: {وَمِمّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَآ} [مريم: 58] وقال -جل من قائل- عن إبراهيم وإسحاقَ ويعقوب -عليهم صلوات الله وسلامه: {إِنّآ أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدّارِ (46) وَإِنّهُمْ عِندَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الأخْيَارِ} [ص: 46، 47] وقال عن نبيه موسى صلى الله عليه وسلم: {وَلِتُصْنَعَ عَلَىَ عَيْنِيَ} [طه: 39] وقال -جل من قائل- عن علمه بمن يختار من رسله: {اللّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ} [الأنعام: 124] قال عز وجل: {اللّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلاَئِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النّاسِ} [الحج: 75].

السبب الثالث: التعرف على سنن الله -تعالى- في الإصلاح، ومعرفة أسباب التمكين لهذا الدين؛ فإن هذه الدراسة تعرف الداعية على سنن الله عز وجل في التغيير، وعلى سننه تعالى في الدفع والمدافعة.

كما أنها تكشف للدعاة إلى الله عز وجل عن حقيقة ذلك الصراع الطويل المرير بين الحق والباطل، وهذا كله لا يبرز بوضوح كما يبرز في حياة أنبياء الله -تعالى- ومرسليه، وفي صراعهم مع أقوامهم تارةً بالحجة والبيان، وتارةً بالسيف والسنان؛ حتى آتاهم الله عز وجل نصره، وحتى أنزل عليهم التمكين؛ قال -جل من قائل: {وَلَوْلاَ دَفْعُ اللّهِ النّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأرْضُ} [البقرة: 251] وقال -جل من قائل: {وَلَوْلاَ دَفْعُ اللّهِ النّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لّهُدّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسمُ اللّهِ كَثِيراً وَلَيَنصُرَنّ اللّهُ مَن يَنصُرُهُ} [الحج: 40].

إن في التعرف على هذه السنن الربانية فائدة عظيمة في تجنب الأخطاء، وتوقي موارد الهلكة، ومعرفة أسباب النصر والعزة والتمكين.

error: النص محمي !!