Top
Image Alt

مقدمة في صفات أئمة الحديث، وترجمة الإمام البخاري

  /  مقدمة في صفات أئمة الحديث، وترجمة الإمام البخاري

مقدمة في صفات أئمة الحديث، وترجمة الإمام البخاري

الحمد لله رب العالمين، حمدًا كثيرًا طيبًا طاهرًا مباركًا فيه، سُبحانك لا نُحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسِك، تباركتَ وتعاليتَ، ذا الجلال والإكرام، وصلى الله تعالى وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه، ومن تبِعهم بإحسان أجمعين.

أما بعد:

قبْل أن نتناول (صحيح البخاري) بالدراسة، لابد وأن نعلم أن لأئمة الحديث، ونقده – ومنهم البخاري – صفات لا بد وأن تتوافر فيهم.

وأهمها:

أولًا: حفظُهم للحديث صحيحِه وسَقيمه، وتمييز هذا من ذاك.

ثانيًا: أنهم من العلماء والفقهاء بالسُّنن والآثار.

ثالثًا: أن لهم مَعْرفةً واسعةً برواة الآثار، مَعرفة تُمكِّنهم من الحُكم عليهم، ومعرفة العُدول منهم من المُجرّحين.

رابعًا: تَوافر التقوى فيهم، والورع، والزهد، وطهارة الخُلق، وصَفاء النفس.

خامسًا: أنهم من الذين يجْهرون بالحق لا يخافون في الله لومَة لائِم عند السُّلطان، أو المنحرفين عن الدِّين مِن ذوي البِدَع.

سادسًا: أنهم أصحاب عقْل سديد، ومَنطق حَسَن، وبَراعة في الفهْم.

ترجمة الإمام البخاري:

هو الإمام أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري – صاحب “صحيح البخاري”ـــ وُلد سنة مائة وأربع وتسعين، وتوفِّي سنة مائتيْن وستّ وخمسين من الهجرة.

حفِظ القرآن الكريم كلّه، وشيئًا من الحديث النبوي الشريف، ولمّ يتجاوزِ العاشرة من عمره، وبعدها خَرج إلى شُيوخ الحديث يَكتُب عنهم ويَسمَع منهم، ولم يبلغ الحادية عشرة من عُمره، حتى كان له معرفة بالحديث تُمكِّنه من مراجعة الشيوخ الكِبار وبيان أخطائِهم.

يقول الإمام البخاري مؤرِّخًا لهذه الفترة من حياته، فيما يرويه عنه ورَّاقُه: محمد بن أبي حَاتم الورَّاق، قال: “سمعت البخاري، يقول: أُلهِمت حِفظ الحديث وأنا في الكُتَّاب، قلت: كم أتى عليك إذ ذاك؟، فقال: عشر سنين أو أقلّ، ثم خرجت من الكُتّاب، فجعلت أختلف إلى الدَّاخلي وغيره -الدَّاخلي من شيوخه-، فقال يومًا -فيما كان يقرأ للناس-: عن سفيان، عن أبي الزبير، عن إبراهيم، فقلت: إنّ أبا الزبير لم يَرو عن إبراهيم، فانتهرني، فقلت له: ارجِع إلى الأصل إن كان عِندك، فدخل فنظر فيه ثم رجع، فقال: كيف هو يا غُلام؟، فقلت: هو الزبير، وهو ابن عديّ، عن إبراهيم، فأخذ القلم وأصلح كِتابه، وقال لي: صدقت، قال: فقال له إنسان: ابنُ كم حين رددتَ عليه؟، فقال: ابن إحدى عشرة سنة.

وازدادت معرفة الإمام البخاري بالحديث رِواية ودِراية، ُساعده على ذلك ملَكتُه الحافظة ورَحلاته العديدة إلى مُدن العالَم الإسلامي، كي يسمع من شيوخها ويكتب عنهم، بعد أن سمع من الشيوخ في موطنه وحَفِظ ما عندهم من الحديث.

وبدأ رحلاته بمكة المكرمة، ثم رحل بعد ذلك إلى بغداد، والبصرة، والكُوفة، والمدينة، والشام، وحِمص، وعَسْقلان، ومصر.

وكانت له هِمَّة عالية، وإخلاص وافِر في تحصيل العلم وتدوينه؛ يُؤثِره على نَومه ورَاحته”.

فقد رُوي أنه كان يستيقِظ في الليلة الواحدة من نومه، ويكتُب الفائدة تمرّ بخاطِره، ثم يُطفئ سراجه، وكانت نتيجة هذا كلّه: الإلمام الواسع بالأحاديث -صحيحها وسقيمها- وبجميع الرُّواة -العُدول منهم والمجرَّحين- فحفِظ في سنّ مبكرة كُتب إماميْن كَبيريْن من أئمة الحديث، وهما: عبد الله بن المبارك، ووكيع بن الجرَّاح؛ وكان ذلك في السادسة عشرة من عمره، وفي الثامنة عشرة، كان قد بَلغ درجة من العِلْم في فقه الحديث وفي فقه الصحابة، تُمكِّنه من التصنيف في هذا المجال.

ويقول، مبيِّنًا مدى معرفته بأحاديث الصحابة والتابعين: لا أجيء بحديث عن الصحابة والتابعين، إلّا عَرفتُ مَولِد أكثرِهم ووفاتهم ومساكنهم، ولست أروي حديثًا من حديث الصحابة والتابعين -يعني: من الموقوفات- إلّا وله أصلٌ أحفظُه عن كتاب الله تعالى وسُنّة رسوله صلى الله عليه  وسلم”.

ولم يكن البخاري جمَّاعًا للعلْم الكثير دون تريُّث، وإنما كان يلتقي برجاله، وينتقي منهم ويستوثق من أحاديثهم.

سمّاه الإمام مسلم: “سيدّ المُحدِّثين وطبيب الحديث في عِلله”.

ويقول الإمام الترمذي: “لم أرَ أحدًا بالعراق، ولا بخُرَاسان، في فَهْم العِلل، والتاريخ، ومعرفة الأسانيد، أعلمَ من محمد بن إسماعيل”.

وقال ابن خُزيمة:  “ما تحت أديم السماء أعلمُ بالحديث من البخاري”.

 عقيدة الإمام البخاري:

  لقد بدأنا الحديث عن عقيدة الإمام البخاري باعتبارها مِلاك خُلقه ودِينه؛ وهي عقيدة صحيحة صافية لا تَشوبها شَائبة، ويكفي أنه ابتدأ “صحيحه”، بحديث يعتبره العلماء ثُلث، أو نِصف الإسلام،

وهو حديث عمر بن الخطاب رضي الله  عنه: أنّ رسول الله صلى الله عليه  وسلم قال: «إنّما الأعمال بالنِّيَّات، وإنّما لِكلِّ امرئ ما نوى: فمَن كانت هِجرتُه إلى الله ورسوله، فهِجرتُه إلى الله ورسوله، ومن كانت هِجرتُه إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها، فهِجرتُه إلى ما هاجر إليه».

قد عَقَد كتابيْن في “صحيحه”، يمكننا أن نَسْتخلص منهما العقيدة الصحيحة، وعقيدة الإمام البخاري، وهما كِتابَا: “التوحيد” و”الإيمان”.

ففي “كتاب التوحيد”: أثبت صفات الله عز وجل العُلى، وما ينبغي أن تكون صِلة العبد بربّه -تبارك وتعالى- وأنّ رسالة رسول الله صلى الله عليه  وسلم وما دعا إليه، هو: التوحيد، ويتجلّى ذلك في كثير من الأبواب منها :

باب: ما جاء في دعاء النبي صلى الله عليه  وسلم أمّته إلى توحيد الله تبارك وتعالى.

باب: قول الله -تعالى-: {قُلِ ادْعُواْ اللّهَ أَوِ ادْعُواْ الرَّحْمَـنَ أَيًّا مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ الأَسْمَاء الْحُسْنَى}    [الإسراء:110].

وباب: قول الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِين} [الذاريات:58].

 وهكذا إلى آخر الكتاب، أثبتَ كلّ صِفات الله عز وجل التي وردت في الكتاب والسُّنّة.

أمّا في كتاب الإيمان: فبيَّن من خِلال تراجِمه كذلك: الإيمان وشرائِعَه وشُعَبه.

قال: باب: قول النبي صلى الله عليه  وسلم: «بُنِي الإسلام على خَمْس»، ثم أردَف ذلك بقوله: وهو -أي: الإيمان-: قَول وفِعْل، ويزيد وينقُص، ويتجلى ذلك في أبواب منها:

باب أمور الإيمان.

باب ((المسلم مَن سَلِم المسلمون مِن لِسانه ويده)).

باب: تفاضُل أهل الإيمان في الأعمال.

كما بَيَّن ما يُكفِّر وما لا يُكفِّر.

وبيَّن علامات المنافقين، فقال:

باب: المعاصي مِن أمْر الجاهلية، ولا يَكْفر صاحبُها بارتكابها إلّا بالشِّرك.

وطبيعة الحال هو في هذا يردُّ على بعض الفِرق التي ذهبت إلى أنّ المعاصي تُكفِّر صاحبَها.

وباب: علامة المنافق.

وإذا قيل: إنّ فقْه البخاري في تراجمه، فصحّ هذا عليه؛ فإنّه ينبغي أن يُقال: عقيدة البخاري أيضًا في تراجمه.

ويُلاحظ: أنه بيَّن أمور الإيمان والعقيدة، نَقيّة مُدعمّة بالكتاب والسُّنّة، دون الخَوض فيما لا ينبغي الخَوضُ فيه، وبعيدًا عمّا يُوقع في لَبس أو حَيرة، أو فيما لا تُحمد عُقباه.

وقد حدّد البخاري موقفه من الفِرق كلّها، وأنه يعتقد ما يعتقده أهل السُّنّة والجماعة، حين قال: “الإيمان قول وعمل، ويزيد وينقص. والقرآن كلام الله غيرُ مخلوق، وأفضل  أصحاب رسول الله صلى الله عليه  وسلم: أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم عليّ، على هذا حييتُ وعليه أموت، وعليه أُبعثُ إن شاء الله تعالى”.

وبهذه المَقالة حدّد وأجْمل عقيدة أهل السُّنّة والجماعة، التي تتميّز بها عن غيرها من العقائد التي ذهبت إليها الفِرق، أو من الأفكار الضّالّة التي ذهب إليها آخرون، سواء أكانوا من الخَوارج أو من غيرهم.

شيوخ البخاري، ومنهم أئمّة عصره:

أمّا عن شيوخه، فقد أتاحت له رحلاته لقاء الشيوخ، الذين هم مَحلُّ الثِّقة والأمانة، والذين بلغوا حدَّ الكَثْرة الكَاثِرة التي أتاحت له أن ينتقي وأن يختار أحاديثه  في “الصحيح” مِن روايتهم، فجاء الصحيح خُلاصة.

ومِن أعيان شيوخه: عليّ بن المَديني، وأحمد بن حنْبل، ويَحيى بن مَعين، ومحمد بن يوسف الفِربري، ومكي بن إبراهيم البَلخي، ومحمد بن يوسف البيكَندي، وإسحاق بن راهويه.

وعدد شيوخه الذين خرَّج عنهم في الصحيح: مائتان وتسعة وثمانون شيخًا.

تلاميذ البخاري:

وأمّا تلاميذه، فلا يُحصَوْن، وقد روى عن البخاري خلائِق لا يُحصَوْن، حتى قيل: إنه سمِع منه “الصحيح” تسعون ألْفًا، مِن أعيانهم هؤلاء الأئمة: مُسلم بن الحجاج، والتِّرمذي، والنَّسائي، وابن خُزيمة، وأبو داود، ومحمد بن يوسف الفِربْري، وإبراهيم بن مَعْقِل النَّسفي، وحمَّاد بن شاكر النَّسَوي، ومنصور بن محمد البَزدوي، وهؤلاء الأربعة الأخيرون، هم أشهر رواة “الصحيح” عنه.

وكان هؤلاء التلاميذ ومَن بعدَهم من تلاميذهِم، هم الذين صانوا روايات الإمام البخاري، – وخاصة في “صحيحه -“، وأسلموها يدًا بيد، في جميع القُرون، حتى وصل إلينا نقيًّا خالصًا من كل شائبة.

كُتب الإمام البخاري:

بَقِي لنا أن نُبيِّن ما صنَّفه الإمام البخاري من كُتب؛ وعُمدتنا فيه: ما صَنفه الإمام الحافظ ابن حجر:” هدي الساري مُقدمة فتح الباري “، فقد عدَّ له واحدًا وعشرين كتابًا، وذكَر مع الكثير منها أسماء مَن عُرفوا بروايتها، أو الذين انتفعوا بالنقل عنها، ونبَّه على ما كان موجودًا منها عنده، ومرويًّا له بالسَّماع أو بالإجازة.

ب – وهذه هي الكتب، على حسَب ترتيبها في ذكْره لها في كتابه: (هدي الساري مُقدمة فتح الباري):

وأولها وأهمها: كتاب (الجامِع الصحيح)، وسنتحدث عنه تفصيلًا فيما بعد.

ومن هذه الكتب:

كتاب (الأدبُ المفرد)، ويرويه عنه: أحمد بن محمد بن الجليل البزار.

وكتاب (رَفعُ اليدين في الصلاة)، ويرويه عنه: محمود بن إسحاق الخُزاعي، وكان هذا آخر ما حدث عنه ببخارى.

وكتاب (القِراءة خلف الإمام).

وكتاب (برّ الوالديْن).

وكتاب (التاريخ الكبير)، ويرويه عنه: أبو أحمد محمد بن سليمان بن فارس، وأبو الحسن محمد بن سَهل النَّسَوي، وغيرهما…، وهو ثاني كتبه في التأليف، ألّفه في الليالي المُقْمِرة عند قبْر النبي صلى الله عليه  وسلم في سن مبكرة؛ وهو الكتاب الذي بلغ من إعجاب الإمام إسحاق بن راهويه -وهو شيخ البخاري- أن حمَله إلى الأمير عبد الله بن طاهر، وقال له: أيها الأمير ألا أريك سحرًا؟،. وهو الكتاب الذي يقول فيه أبو أحمد الحاكِم: “إنه كتاب لم يُسْبق إليه، ومن ألَّف بعدَه شيئًا من التاريخ، أو الأسماء أو الكنى، لم يستغنِ عنه”.

فالله يرحمه فإنه الذي أصَّل الأصول.

وكتاب (التاريخ الأوسط)، ويرويه عنه: عبد الله بن أحمد بن عبد السلام الخَفَّاف، وزَنجويه بن محمد اللبَّاد.

وكتاب (التاريخ الصغير)، ويرويه عنه: عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن الأشقر.

وكتاب (خَلْق أفعال العباد)، ويرويه عنه: يوسف بن رَيحان بن عبد الصمد، والفِربري.

وكتاب (الضُّعفاء)، ويرويه عنه: أبو بِشر محمد بن أحمد بن حمَّاد الدولابي، وأبو جعفر شيخ بن سعيد، وآدم بن موسى الخَواري.

ويعقب ابن حجر يُعقِّب على هذه العشرة، بقوله: “وهذه التصانيف مَوجودة مَروية لنا بالسَّمَاع أو بالإجازة، واقتصاره على من ذَكر من رواة هذه الكتب، لا يعني أنه لم يروها عن البخاري سِواهم، وإنما معناه أنّ المذكورين من رواتها، هم الذين اتصلت به روايتهم دون غَيرهم”.

error: النص محمي !!