Top
Image Alt

مقدّمة في بيان الصلاة. باب افتراض الصلاة، ومتى كان، وباب قتل تارك الصلاة

  /  مقدّمة في بيان الصلاة. باب افتراض الصلاة، ومتى كان، وباب قتل تارك الصلاة

مقدّمة في بيان الصلاة. باب افتراض الصلاة، ومتى كان، وباب قتل تارك الصلاة

مقدّمة في بيان الصلاة: باب افتراض الصلاة، ومتى كان:

1. حديث عبد الله بن عمر:

قال النووي في “شرح مسلم”: اختلف العلماء في أصل “الصلاة”؛ فقيل: هي الدعاء، لاشتمالها عليه؛ -هذا من الناحية الشرعية. ومن الناحية اللغوية، هي: الدعاء. فمن الناحية الشرعية هي بطبيعة الحال -كما نعلم جميعًا: أقوال وأفعال تفتتح بالتكبير وتختتم بالتسليم؛ ففيها الدعاء أيضًا لاشتمالها عليه. فسُمِّيت الصلاة بالمعنى اللغوي، أو مراعاة للمعنى اللغوي. وهذا هو قول جماهير أهل العربية والفقهاء وغيرهم… وقيل: لأنها ثانية لشهادة التوحيد، كالمصلّي من السابق في خيل الحَلبة. وقيل: هي من الرحمة. وقيل غير ذلك؛ لكن الذي يظهر من هذه الأقوال هو: إما الدعاء، وإما هي: من الرحمة.

وفي أول باب من “كتاب الصلاة”: “باب افتراضها، ومتى كان”، قال الإمام مجد الدين ابن تيمية -رحمه الله-: عن عبد الله بن عمر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه  وسلم: ((بُني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلاّ الله، وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحجّ البيت، وصوم رمضان))، متفق عليه.

وقوله: ((بُني الإسلام على خمْس))، في بعض الروايات: ((خمسة)) بالهاء، وكلاهما صحيح. فالمراد برواية الهاء: بُني الإسلام على خمسة أركان أو أشياء، أو نحو ذلك… وبرواية حذف الهاء: بُني الإسلام على خمس خصال، أو دعائم، أو قواعد، أو نحو ذلك… فهناك في مثل هذا العدد الاختلاف بين العدد والمعدود، فإذا كان المعدود مذكرًا أُنِّث العدد، كـ”ركن” فيكون “خمسة أركان”، وإذا كان المعدود مؤنثًا، ذُكّر العدد كـ”خصال” جمع “خصلة”، فيقال: “خمس خصال”، وكذلك في دعائم أو قواعد أو نحو ذلك.

وقوله: ((شهادةِ)) بالجرِّ على البدل، لأن ((خمس)) مجرورة، فالبدل منها يُجر. ويجوز رفعه خبرًا لمبتدأ محذوف، وتقديره: أحدها شهادةُ، أو منها شهادةُ.

وقوله: ((وإقام الصلاة))، أي: المداومة عليها.

والحديث يدل على أنّ كمال الإسلام وتمامه بهذه الخَمس. فهو كخباءٍ أقيم على خمسة أعمدة، وقطبها الذي يدور عليه الأركان: الشهادة، وبقية شعب الإيمان كالأوتاد للخباء؛ فظهر من هذا التمثيل: أن الإسلام غير الأركان، كما أن البيت غير الأعمدة، والأعمدة غيره. ومقتضى هذا: أنه ليس الإسلام هو كلّ هذه الأمور، إنما هو هذه الأمور أساسية، وكالأعمدة والأركان للبيت، وإن كان البيت كلّه ليس أعمدة أو أركانًا. وهذا مستقيم على مذهب أهل السنة، لأن الإسلام عندهم: التصديق بالقول والعمل. والحديث أورده عبد الله بن عمر في جَواب مَن قال له: ألا تغزو؟ فقال: إني سَمِعت رسول الله صلى الله عليه  وسلم يقول: ((بُني الإسلام على خمس…)) الحديث، فاستدل به ابن عمر على عدم وجوب غير ما اشتمل عليه، ومن جملة ذلك الغزو؛ لأن الإسلام بني على خمس ليس هو منها، وبطبيعة الحال ذلك إذا لم يكن هناك مُهاجَمة عدو؛ لأن الجهاد يصير فرض عين كالصلاة وغيرها.

فابن عمر روى هذا الحديث جوابًا لمن سأله: ألا تغزو، فقال: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه  وسلم يقول: ((بُني الإسلام على خمس…)) الحديث؛ فاستدل به ابن عمر على عدم وجوب غير ما اشتمل عليه، ومن جملة ذلك: الغزو، لأن الإسلام بني على خَمس ليس هو منها.

وإن ذلك في غير حالة ما إذا هاجم العدو بلاد المسلمين، فإنه يجب على كل واحد أن يجاهد، وأن يدفع هذا العدو؛ هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، هو يعني: أن الجِهاد ليس فرض عين، كهذه الأركان، إنما الجهاد هو فرض على الكفاية، فإذا قام به البعض سَقط عن الجميع. قال النووي في “شرح مسلم”: “اعلم: أن هذا الحديث أصل عظيم في معرفة الدِّين، وعليه اعتماده، وقد جمع أركانه”.

وقد صدق فيما قال، ووفّق الإمام النووي -عليه رحمة الله تعالى، لأن الذي يقوم بهذه الأركان ما هو واجب عليه منها، فإنه أقام أركان الدِّين.

2. حديث أنس: “فُرضت على النبي صلى الله عليه  وسلم الصلوات…”:

عن أنس بن مالك قال: “فُرِضت على النبي صلى الله عليه  وسلم الصلوات ليلة أسري به خمْسين، ثم نُقصت حتى جُعِلت خمسًا. ثم نودي: “يا محمد، إنه لا يُبدَّل القول لدي، وإن لك بهذه الخَمس خمسين”، رواه أحمد، والنسائي، والترمذي وصحّحه.

والحديث في “الصحيحين” بلفظ: ((هي: خمْس، وهي: خمسون))، وبلفظ: ((هنّ خمْس، وهن خمسون))؛ والمراد: أنها خمس في العدد، خمسون في الأجر والاعتداد.

والحديث طرف من حديث الإسراء الطويل الصحيح. وقد أنكر بعض المُحْدَثِين هذا الحديث عامة، وهذا الجزء من الحديث خاصة؛ لأنه ليس هناك حِكمة عنده -على فهمه المُنحرف- في أن تُفرض الصلوات خمسين صلاة في أوّل الأمر، ثم يتردّد رسول الله صلى الله عليه  وسلم بين مَوقفه الذي فُرضت فيه الصلوات الخمسون وبين موسى عليه السلام، حينما يطلب مِن رسول الله صلى الله عليه  وسلم أن يطْلب من ربه عز وجل أن يخفّف عنه. قالوا إنّ هذا تمثيلية لا أصل لها… إلخ؛ وفي ذلك إنكار للأحاديث الصحيحة، ولذلك ينبغي لنا أن نقف عند الحِكمة في ذلك وجه الصواب دفاعًا عن السُّنة الصحيحة، وخاصة هذا الحديث.

الحِكمة في فرض الصلوات خمسين أولًا، ثم تخْفيفها إلى خمس بناءً على طلب موسى عليه السلام ورسولنا صلى الله عليه  وسلم هي: إظهار رحمة الله بعباده، وفضله عليهم، وكرَمه، حين خفّف عنهم العمل، ولم ينقص من الفضل والثواب؛ وفي هذا تربية للمؤمنين، لأنهم حين تظهر رحمة الله هكذا جَليّة واضحة، ويعلمون أنّ المطلوب منهم كان خمسين، ثم خُفِّف إلى خمس فقط، وحين يعلمون أن ثواب الخمسين يُمنح للخمس، فإنهم يجتهدون في إتمامها والقيام الحق بها، ويفوزون بالقرب من الله تعالى ورضاه.

كما أنّ في هذا: إظهار رحمة النبي صلى الله عليه  وسلم ورأفته بالمؤمنين، لأنه استجاب لموسى ولم ييأس من طلب التخفيف أكثر من مرة، كما جاء في الحديث؛ وهذا كله مِن أجْل التخفيف على أمّته. وفيه أيضًا: إظهار منزلة رسول الله صلى الله عليه  وسلم عند ربه، لأنه استجاب له، وقَبِل شفاعته في التخفيف عن أمّته؛ فحريّ بنا أن نتمثّل هذه المَنزلة اقتداءً برسولنا وحبًّا له، وصلاة عليه. ولا يقْدح هذا في عِلْم الله تعالى، ولا في حُكمه، كما يفتري المفترون، وكما يدّعي الجاهلون، لأنه عز وجل علِم أنه سيُطْلب منه التخفيف، وأنه سبحانه وتعالى سيستجيب لعبدَيْه لوفور رحمته بعباده، فلم يتغيّر شيء في علْمه عز وجل ، ولا في إرادته وحُكمه، اللّذيْن هما على وَفْق علمه عز وجل . وهذا شبيه بنسخ الأحكام، تخفيفًا على العباد، أو هو كذلك كما سيتبيّن لنا وأمثلته موجودة في القرآن الكريم، وفي السُّنّة النبوية الشريفة.

ولماذا كان موسى عليه السلام هو الذي طلب المُراجعة، وطلب التخفيف من الله عز وجل ؟ وهل في هذا وصاية من موسى على أمة محمد صلى الله عليه  وسلم ، ودليل على أن أحاديث الإسراء والمعراج لعبت فيها أصابع يهودية -كما يزعم المنكرون؟

الحق أن موسى عليه السلام هو الذي طلب المراجعة دون غيره من الأنبياء -عليهم السلام- الذين لقيهم رسول الله صلى الله عليه  وسلم ليلة المعراج، لأن أمّته -بني إسرائيل- كانت أكثر مِن أمم غيره من الأنبياء، ولأن كتابه التوراة كان أكبر الكتب المُنزلة قبل القرآن من حيث التشريع والأحكام، وكانت أمة موسى عليه السلام قد كُلّفت من الصلوات ما لم تقم به، فخاف موسى عليه السلام على أمّة محمد صلى الله عليه  وسلم مثل ذلك؛ فقد قال في بعض الروايات: ((قد والله راودتُ بني إسرائيل على أدنى من ذلك، فتركوه!))، وفي رواية: ((والله لقد راودت بني إسرائيل على أدنى من هذا، فضعفوا، فتركوه!)).

قال القرطبي: “الحِكمة في تخصيص موسى عليه السلام بمراجعة النبي صلى الله عليه  وسلم في أمر الصلاة، لعلّها لكون أمة موسى كُلِّفت من الصلوات ما لم يُكلّّف به غيرها من الأمم، فثَقُلت عليهم؛ فأشفق موسى على أمّة محمد صلى الله عليه  وسلم، وعلى موسى من مثل ذلك. ويشير إلى ذلك: قول موسى: ((إني قد جرّبتُ الناس قبْلك)). ويحتمل أن موسى عليه السلام لمّا غَلب عليه في الابتداء الأسف على نقْص حظّ أمّته بالنسبة لأمة محمد صلى الله عليه  وسلم حتى تمنّى ما تمنّى أن يكون منهم، كما جاء في الحديث، استدرك ذلك ببَذل النصيحة لهم، والشفقة عليهم، ليزيل ما عساه أن يُتوهّم عليه ممّا وقع منه في الابتداء. والعلم عند الله”.

بعد أن اطمأننّا إلى توثيق هذا الحديث، وما كنا في حاجة إلى ذلك لولا ما يُردِّده بين حين وآخر الحاقدون والمُلحدون في الطعْن في سنة رسول الله صلى الله عليه  وسلم ، بعد هذا ننتقل إلى الصلوات المفروضة قبل الإسراء، هل كانت صلاة مفروضة قبل الإسراء، وما هي الصلاة التي فُرضت ليلة الإسراء، وهل استمرّ الحال عليها بعد ذلك؟

ذهب جماعة إلى أنه لم يكن هناك قبل الإسراء صلاة مفروضة إلاّ ما كان الأمر به من صلاة الليل من غير تحديد.

وذهب بعض العلماء إلى أنّ الصلاة كانت مفروضة ركعتيْن بالغَداة، وركعتين بالعَشيّ. وذكر الشافعي عن بعض أهل العلْم أنّ صلاة الليل كانت مفروضة، ثم نُسخت بقوله تعالى: {فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ}  [المزَّمل:20]، فصار الفرض قيام بعض الليل، ثم نُسخ ذلك بالصلوات الخمس. وقال ابن حجر: إن الصلوات فُرضت ليلة الإسراء ركعتيْن ركعتيْن، إلاّ المغرب، ثم زيدت عقب الهِجرة إلاّ الصبح. كما روى ابن خزيمة، وابن حبان، والبيهقي من طريق الشعبي، عن مسروق، عن عائشة، قالت: ((فُرضت صلاة الحضر والسفر ركعتيْن ركعتيْن، فلما قَدِم رسول الله صلى الله عليه  وسلم المدينة واطمأن، زِيدَ في صلاة الحضر ركعتان ركعتان، وتُرِكَت صلاة الفجر لطول القِراءة، وصلاة المَغرب لأنها وِتْر النهار)). وسنعود إلى هذا الحديث بعد قليل -إن شاء الله تعالى. ثم بعد أن استقرّ فَرْضُ الرباعية خُفِّف منها في السفر عند نزول الآية الكريمة: {فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلاَةِ} [النساء:101].

وقد استُدل بهذا الحديث على عدم فرضية ما زاد الخمس الصلوات، كالوِتْر، وعلى دخول النسخ في الإنشاءات -يعني: في الأوامر الإنشائية، وليس في الأخبار، ولو كانت مؤكّدة -هذه الإنشاءات، يعني: يدخل النسخ فيها وإن كانت مؤكّدة، يعني.

واستدل به أيضًا على جواز النسخ قَبل الفعل؛ لأنه حين فُرضت الخمسون، لم تفعل هذه الخمسون حتى نقصت بالتدريج حتى وصلت إلى خمس، كما جاء في حديث الإسراء والمعراج.

3. حديث عائشة: ((فرضت الصلاة ركعتيْن ركعتين)):

عن عائشة رضي الله  عنها، قالت: ((فُرضت الصلاة ركعتيْن ركعتيْن، ثم هاجر ففُرضت أربعًا، وتركت صلاة السفر على الأول)) رواه أحمد والبخاري، وزاد أحمد من طريق ابن كيسان: ((إلاّ المَغرب، فإنها كانت ثلاثًا)).

والحديث يدلُّ على وجوب القَصر، وأنه عَزيمة لا رُخْصة، لأنه أصل الفرض. وقد أخذ بظاهره الحنفية والهادوية. واحتج مخالفوهم بقوله سبحانه وتعالى: {فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلاَةِ} [النساء:101]؛ ونفْي الجُناح لا يدلُّ على العَزيمة، والقَصر إنما يكون من شيء أطول منه.

قالوا: ويدلُّ على أنه رُخْصة: قوله صلى الله عليه  وسلم : ((صَدَقة تصدّق الله بها عليكم))، قاله: صلى الله عليه  وسلم لعمر، عندما قال له: ذهب الخوف، فلِمَ نقصر في الصلاة؟ قال: ((صَدَقة تصدَّق الله بها عليكم، فاقْبلوا صدَقته)). وأجابوا عن حديث الباب بأنه من قول عائشة، غير مرفوع، وبأنها لمْ تَشهد زمان فَرْض الصلاة -قاله الخطابي وغيره.

وبعد أن استقرّ فرض الرباعية خُفِّف منها في السفر عند نزول الآية السابقة، ويؤيّد ذلك ما ذكره ابن الأثير في “شرح المسند”: أن قَصْر الصلاة كانت في السنة الرابعة من الهِجرة، وهو مأخوذ مما ذكَره غيره: أنّ نزول آية الخَوف كان فيها -آية الخَوف التي فيها قول الله تعالى: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلاَةِ} [النساء:101].   

وقيل: كان قصر الصلاة في ربيع الآخر من السنة الثانية؛ ذكره الدولابي، وأورده السُّهيلي بلفظ: بعد الهجرة بعام أو نحوه. وقيل: بعد الهجرة بأربعين يومًا. فعلى هذا، المُراد بقول عائشة: ((فأقرّت صلاة السفر)) أي: باعتبار ما آل إليه الأمر من التخفيف.

ب. باب قتل تارك الصلاة:

1. حديث ابن عمر: ((أمرتُ أن أُقاتل الناس حتى يشهدوا…)):

وننتقل إلى باب آخر في “باب قتل تارك الصلاة”

عن ابن عمر: أن النبي صلى الله عليه  وسلم قال: ((أمرتُ أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلاّ الله، وأن محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة. فإذا فعلوا ذلك، عصموا مني دماءهم وأموالهم، إلاّ بحق الإسلام، وحسابهم على الله عز وجل ))، متفق عليه.

قولهصلى الله عليه  وسلم : ((أُمرْت أن أقاتل الناس))، قال الخطابي: معْلوم أنّ المُراد بقوله: ((أمِرتُ أن أقاتل الناس حتى يقولوا: “لا إله إلاّ الله”))، المُراد بـ: ((الناس)): أهل الأوثان، دون أهل الكتاب، لأنهم يقولون: “لا إله إلا الله”، ويُقاتَل أهل الأوثان ولا يُرفع عنهم السيف؛ وهذا التخصيص بأهل الأوثان إنما يُحتاج إليه في الحديث الذي اقتصر فيه على ذكْر الشهادة، وجُعلت لمجرّدها موجبة للعِصمة. وأما حديث الباب، فلا يحتاج إلى ذلك، لأن العِصمة متوقفة على كمال تلك الأمور، وهي: أن يشهدوا أن محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة؛ فالعِصمة متوقّفة على إتيان كلّ هذه الأمور، وليس الإقرار بشهادة أنْ لا إله إلا الله فقط، فلا يمكن وجود هذه جَميعًا من غير مسلم.

والحديث يدلّ على أن مَن أخلّ بواحدة منها فهو حلال الدم والمال إذا لم يتب، وسيأتي ذكْر الخِلاف، وبيان ما هو الحق في الباب الذي بعْد هذا -إن شاء الله عز وجل وتعالى. وفي الاستتابة وصِفتها ومدّتها خِلاف معروف في الفقه.

وقوله صلى الله عليه  وسلم : ((إلاّ بحق الإسلام))، المُراد به: ما وجب في شرائع الإسلام إراقة الدم كالقِصاص، وزنى المحْصن، ونحو ذلك… أو حلّ به أخذ جزء من المال، كأروش الجنايات -يعني: كالديات في الجنايات- وقِيم المتلَفات، وما وجب مِن النَّفقات؛ فكلّ هذه الأشياء سواء أكانت في الدم أو في المال، هي من حق الإسلام أن تؤخذ، وأن تُسْلب عنها العِصمة بأسبابها هذه.

وقوله صلى الله عليه  وسلم ((وحسابهم على الله))، المُراد: حسابهم على الله فيما يستسرُّون به، ويُخفونه دون ما يُعلنونه ويُبدونه. وفي هذا: أن مَن أظهر الإسلام، وأسرّ الكُفر، يُقبل إسلامه في الظاهر؛ وهذا قول أكثر العلماء، ولهذا قبِلوا ذلك من المنافقين، في عهد رسول الله صلى الله عليه  وسلم ومن جاء بعده. وذهب مالك إلى أنّ توبة الزِّنديق لا تُقبل. ويُحكى ذلك عن أحمد بن حنبل -قاله الخطابي، يعني: الزنديق إذا شهد أن لا إله إلا الله، -وهو الذي يُنكر الشرائع- فلا يُقبل هذا منه، ويُقتل على ما يُحكى عن أحمد بن حنبل، وعلى ما نُقل عن الإمام مالك؛ قال هذا الخطابي. وذكر القاضي عياض معنى هذا، وزاد عليه وأوضحه. قال النووي: وقد اختلف أصحابنا -أي: الشافعية- في قبول توبة الزِّنديق، وهو الذي ينكر الشرع جُملة، قال: فذكروا فيه خمسة أوجه لأصحابنا

الرأي الأول: الأصوب فيها: قبولها مطلقًا، للأحاديث الصحيحة المطلقة.

الرأي الثاني: لا تُقْبل، ويُتحتم قتْله -يعني: لا يحوز العِصمة بالشهادتيْن، لكنه إن صدق في توبته نفَعه ذلك في الدار الآخرة، فكان من أهل الجَنة، -أي: تكون توبته فيما بينه وبين الله تعالى- كتوبة القاذف، على رأي بعض العلماء هي بينه وبين الله عز وجل ، لكنّها لا تُغيّر مِن عدم قبول شهادته.

الرأي الثالث: من أصحاب النووي -وهم: الشافعية- في الزنديق إذا تاب، أنه إن تاب مرة واحدة قُبلت توبته، فإن تكرر ذلك منه لم تُقبل، ويُقتل.

الرأي الرابع: إن أسلم ابتداءً من غير طلب، قُبل، وإن كان تحت السيف فلا.

الرأي الخامس: إن كان داعيًا إلى الضلال وإلى زندقته، لم يقبل منه التوبة، وإلاّ قُبلت توبته.

قال النووي أيضًا: ولا بد مع هذا -يعني: القيام بالأمور المذكورة في الحديث- من الإيمان بجميع ما جاء به رسول الله صلى الله عليه  وسلم، كما جاء في الرواية الأخرى التي أشار إليها المصنف، وهي من حديث أبي هريرة في “صحيح مسلم” بلفظ: ((حتى يشهدوا أن لا إله إلاّ الله، ويؤمنوا بي وبما جئتُ به)). فقوله: ((وبما جئت به)) يعني: بكلّ شرائع الإسلام، ممّا هو زيادة عن إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وما ذُكر في هذا الحديث. ((فإذا فعلوا ذلك، عصموا منّي دماءهم وأموالهم، إلاّ بحقها))، هكذا جاء حديث أبي هريرة في “صحيح مسلم”.

error: النص محمي !!