Top
Image Alt

مقياس الفصاحة العربية

  /  مقياس الفصاحة العربية

مقياس الفصاحة العربية

لقد اختلف العلماء في الفصيحِ من النثر وغير الفصيحِ، ووضعوا قوائم بأسماء القبائل التي يصح الأخذُ منها، ورأوا أن التفاوت في الفصاحة أمرٌ وارد، وشبهه السيوطي بتفاوت رُتَبِ الصحيح في الحديث؛ ففيها صحيحٌ وأصح.

كما ربط العلماء اللهجات الفصيحة بالبداوة، واهتموا بتحديد مواطنها؛ بحيث كلما دنت لهجات أخرى من هذه المواطن أو ابتعدت عنها؛ كان حَظها من الفصاحة أو حرمانها منها؛ ولذلك كان أفصح العرب “عُليا هوازن” و”سُفلى تميم” -كما يقول أبو عمرو بن العلاء- وحصر أبو عبيد “عُليا هوازن” في خمس قبائل، وذكر منها: سعد بن بكر، ويشم بن بكر، ونصر بن معاوية، وثقيفا، ورأى قبيلة بني سعد بن بكر أفصح هؤلاء؛ لقول رسول الله صلى الله عليه  وسلم: «أنا أفصحُ العرب؛ بَيْدَ أني من قريش، وأني نشأت في بني سعد بن بكر»، وكان مستُرضعًا فيهم كما يذكر السيوطي في مزهره.

كما أكد أبو نصر الفارابي هذا, حين ذكر أن قريشًا كانت أجود العرب انتقاء للأفصح من الألفاظ, والأسهل نطقًا، والأحسن مسموعًا، والأبين عما في النفس، وذكر قيسًا وتميمًا وأسدًا؛ كما ذكر القبائل التي رفض العلماء الاحتجاج بها لتدنِّيها في الفصاحة, وهم: سُكَّانُ الحضرِ وسكان البراري ممن كان يسكن أطراف البلاد المجاورة لسائر الأمم.

ونلاحظ اضطرابًا بين العلماء في عدّ القبائل التي يحتج بكلامها, وتلك التي لا يحتج بها؛ فنلاحظ أن ثقيفًا عدها أبو عبيد فصيحة لانتمائها إلى “عُليا هوازن”، وعدها أبو نصر غير فصيحة لا يحتج بها -وكذا أهل الطائف- لمخالطتهم تجار اليمن المقيمين عندهم.

ونَهَجَ ابن خلدون نَهْجَ أبي عبيد حين عد ثقيفًا فصيحةً, بالإضافة إلى هذيل وخزاعة وبني كنانة وغطفان وبني أسد وبني تميم، في مقابل القبائل غير الفصيحة التي جاورت الفرس والروم والحبشة.

ونستطيع أن نرى أساسين أو عاملين, من خلال هذا الكلام:

الأول: كلما قربت القبيلة من بيئة قريش؛ كانت أقرب إلى الفصاحة وإلى الأخذ بكلامها.

الثاني: على قدر توغل القبيلة في البداوة تكون فصاحتها؛ ولذلك لم يعد العلماء شعر أمية بن الصلت حجة؛ لأنه من ثقيف التي خالطت تجار اليمين المقيمين عندهم, ولذا جاءت في شعره ألفاظ كثيرة لا تعرفها العرب, كما لما يرضوا عن بعض ما جاء في شعر عدي بن زيد النجدي؛ إذ كان يسكن بالحيرة ويدخل الأرياف؛ فثقل لسانه واحتمل عنه شيء كثير جدًّا؛ فلم يعتبروا شعره حجة، وكذا رفضوا الاستشهاد بشعر الكميت الأسدي؛ لأنه عاش في الموصل.

وقد ترددت في بعض كتب التراث أحكام تتصل باللغة غير الفصيحة؛ حيث توصف بالرداءة، أو الضعف، أو ما أشبه، وقد أوضح الشاطبي مفهوم اللغة الضعيفة بما يتلاءم والتحديد المكاني للفصاحة السالف ذكره.

وإذا كان كثيرٌ من العلماء قد رفض لهجات عربية فصيحة بدوية أو قريبة من البداوة، في مقابل أخرى غير فصيحة حضرية أو قريبة من حدود بلاد العجم؛ فإن بعضهم لم يعتد ببعض اللهجات الفصيحة التي حددها الفارابي، ومن هؤلاء: الأصمعي، والسجستاني، وبعضهم كان على النقيض من ذلك؛ حيث اعتد باللهجات كلها, ورأوا أن كل لهجة في نفسها وعند أهلها فصيحة، وابن جني نراه ينتهج هذا النهج، إلا أنه كان على حذر من لغة أهل الحضر؛ لذلك عقد فصلًا عنوانه “بابٌ: في ترك الأخذ عن أهل المدرِ كما أخذ عن أهل الوبرِ”، والمدر تقابل الحضر، والوبر تقابل البدو.

وهذا يعني أن العلماء أخذوا يقسمون اللغة إلى: لغة حضرية، وأخرى بدوية، ويعتنون بالبدوية ويحتكمون إلى أهلها،

وقد ذكر ابن جني في فصله المهم هذا علة امتناع الأخذ عن أهل المدر -وهم الحضر- كما ذكر أنه قد يمتنع أحيانًا الأخذ عن أهل الوبر –أي: البدو- مستدلًّا على ذلك بالبدوي الذي كان يعده ابن جني فصيحًا فترة طويلة, إلا أنه أنشده شعرًا احتوى على مخالفات لُغوية.

ثم أنهى الباب بأبي عبد الله الشجري الذي لما يتحرَّ الأخذ عن قبيلة عقيل؛ فحرك الحرف الحلقيَّ بالفتح، وقد تحقق شرط هذا التحريك وهو انفتاح ما قبله في الاسم على مذهب البغداديين, ورأى ابن جني أن ما قاله الشجري لما يروَ عن قبيلة عقيل؛ مشيرًا إلى أن الكوفيين أجازوا القياس على لغتهم بينما رفض القياس ابن جني ومدرسته، وهذا يتفق مع مجمل آرائه التي ترى أن اللغات على اختلافها حجة، ويتناقض مع آرائه أيضًا في جملتها التي تشير إلى أن ما قيس على كلام العربي؛ فهو من كلامهم.

ولقد افتخر البصريون بأنهم أخذوا اللغة وسمعوها من أهل الوبر –أي: البدو- وعاب الكوفيين أخذهم اللغة من المدر، أي: من الحضر.

يقول السيرافي في كتابه (أخبار النحويين):

حدثنا أبو بكر بن دريد قال: رأيت رجلًا في الوراقين بالبصرة يفضل كتاب (المنطق) ليعقوب بن السكيت ويقدم الكوفيين، فقيل للرياشي -وكان قاعدًا في الوراقين- ما قال, فقال: إنما أخذ اللغة عن حرشة الضباب وأكلة اليرابيع، وهؤلاء أخذوا اللغة عن أهل السواد أصحاب الكواميخ وأكلة الشواريز… أو كلام يشبه هذا.

وإن يقدر الباحثون الجهد الضخم والكبير الذي تجشم الأئمة الأولون عناءه، ويكبروا فيهم الحرص المخلص الأمين بما قطعوا من فيافٍ وأقفار، وبما أقاموا في البوادي بعيدًا عن المواطن والديار؛ فإنه ما كان لجهد كذلك ومهمة كتلك ليظهرا متكاملين، وليخلوَا من أسباب النقد العلمي المقبول, فقد أخذ العلماء على هذا الرعيل الأول بعض المآخذ:

أولًا: أن القدماء ربطوا السليقة بالجنس والوراثة, ولم يأخذوا في حسبانهم أن اللغة أمرٌ مكتسبٌ يمكن أن يتقنها غير أهلها, إذا مارسوها طويلًا منذ المولد.

ثانيًا: أن العلماء أثناء جمعهم للغة قد خلطوا بين الفصحى ولهجاتها المختلفة، يستوي في ذلك البصريون والكوفيون.

error: النص محمي !!