Top
Image Alt

مكانة القرآن الكريم، وأقوال أهل العلم عند تعارض الآي في الظاهر

  /  مكانة القرآن الكريم، وأقوال أهل العلم عند تعارض الآي في الظاهر

مكانة القرآن الكريم، وأقوال أهل العلم عند تعارض الآي في الظاهر

1. كلمة عن القرآن الكريم ومكانته:

في الحقيقة: لا بد من أن أذكر كلامًا حسنًا جيدًا، ذكره أهل العلم عن كتاب الله عز وجل حتى ندفع في وجه الذين قالوا بأن القرآن الكريم فيه اختلاف، أو اضطراب، أو تناقض.

القرآن الكريم كلام رب العالمين سبحانه وتعالى تحدَّى الله عز وجل به العرب، وهم أهل البلاغة والفصاحة والبيان، وفي ذلك يقول القرآن الكريم: {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مّن دُونِ اللّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (13) فَإِلّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ فَاعْلَمُوَاْ أَنّمَآ أُنزِلِ بِعِلْمِ اللّهِ وَأَن لاّ إِلَـَهَ إِلاّ هُوَ فَهَلْ أَنتُمْ مّسْلِمُونَ} [هود: 13- 14]، يقول الإمام الباقلاني -رحمه الله، تبارك وتعالى-: جعل الله -تبارك وتعالى- عجزهم عن الإتيان بمثله دليلًا على أنه منه -يعني: من عند الله، تبارك وتعالى- ودليلًا على وحدانيته، وفي هذا أمران:

أحدهما: التحدِّي إليه.

والآخر: أنهم لم يأتوا إليه بمثله.

ثم يقول -رحمه الله، تبارك وتعالى-: والذي يدلُّ على ذلك العلم المتواتر الذي يقع به العلم الضروري، فلا يمكن جحود واحد من هذين الأمرين:

أعني: التحدِّي الذي تحدَّاهم الله -تبارك وتعالى- به. والأمر الثاني: أنه لم يُؤْثَر عن واحد منهم أنه أتى بشيء يُشبه كلام الله -تبارك وتعالى- أو يُماثله.

ثم يقول الإمام الباقلَّاني -رحمه الله-: فإذا ثبت هذا؛ وجب أن يعلم ما بعده أن تركه الإتيان بمثله كان لعجزهم عنه، والذي يدلُّ على أنهم كانوا عاجزين عن الإتيان بمثل القرآن الكريم، أنه تحدَّاهم إليه حتى طال التحدِّي، وجعله دلالة على صدقه ونبوَّته، وتضمَّن أحكامه استباحة دمائهم وأموالهم، وسبي ذريتهم، فلو كانوا يقدرون على تكذيبه؛ لفعلوا، وتوصلوا إلى تخليص أنفسهم، وأهليهم، وأموالهم من حكمه بأمر قريب، هو عادتهم في لسانهم، ومألوف من خطابهم، وكان ذلك يُغنيهم عن تكلِّف القتال، وإكثار المِرَاءِ والجدال، وعن الجلاء عن الأوطان، وعن تسليم الأهل والذرية للسبي، فلما لم يحصل هناك معارضة منهم عُلم أنهم عاجزون عنها.

ويقول الإمام الباقلاني -رحمه الله- أيضًا في موضع آخر: ومعلوم أنهم لو عارضوه بما تحدَّاهم إليه؛ لكان فيه توهين أمره، وتكذيب قوله، وتفريق جمعه، وتشتيت أسبابه، وكان من صدَّق به يرجع على إعقابه، ويعود في مذهب أصحابه.

فلما لم يفعلوا شيئًا من ذلك مع طول المدة، ووقوع الفسحة، وكان أمره يتزايد حالًا فحالًا، ويعلو شيئًا فشيئًا، وهم على العجز عن القدح في آياته، والطعن في دلالته عُلم بيِّنًا أنهم كانوا لا يقدرون على معارضته، ولا على توهين حُجَّتِهِ، وقد أخبر الله تعالى عنهم أنهم قوم خصمون، وقال: {فَإِنّمَا يَسّرْنَاهُ بِلَسَانِكَ لِتُبَشّرَ بِهِ الْمُتّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لّدّاً} [مريم: 97]، وعُلم أيضًا أنما كانوا يقولون من وجوه اعتراضهم على القرآن مما حكى الله عز وجل عنهم من قولهم: {وَإِذَا تُتْلَىَ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُواْ قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَآءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَـَذَا إِنْ هَـَذَآ إِلاّ أَسَاطِيرُ الأوّلِينَ} [الأنفال: 31]، وقولهم: {فَلَمّا جَآءَهُم مّوسَىَ بِآيَاتِنَا بَيّنَاتٍ قَالُواْ مَا هَـَذَآ إِلاّ سِحْرٌ مّفْتَرًى وَمَا سَمِعْنَا بِهَـَذَا فِيَ آبَآئِنَا الأوّلِينَ} [القصص: 36]، وقالوا {وَقَالُواْ يَأَيّهَا الّذِي نُزّلَ عَلَيْهِ الذّكْرُ إِنّكَ لَمَجْنُونٌ} [الحجر: 6]، وقالوا: {لاَهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرّواْ النّجْوَى الّذِينَ ظَلَمُواْ هَلْ هَـَذَآ إِلاّ بَشَرٌ مّثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السّحْرَ وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ} [الأنبياء: 3]، وقالوا: {وَيَقُولُونَ أَإِنّا لَتَارِكُوَ آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مّجْنُونٍ} [الصافات: 36]، وقال الله عنهم: {وَقَالَ الّذِينَ كَفَرُوَاْ إِنْ هَـَذَا إِلاّ إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَآءُوا ظُلْماً وَزُوراً (4) وَقَالُوَاْ أَسَاطِيرُ الأوّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَىَ عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً} [الفرقان: 4-5]، إلى آيات كثيرة في نحو هذا.

وهي كلها تدل على أنهم كانوا متحيِّرين في أمورهم، متعجبين من عجزهم، يفزعون إلى نحو هذه الأمور من تعليل، وموافقةً بما وقع التحدِّي إليه، وعُرف الحثُّ عليه، وقد عُلم أنهم ناصبوه الحرب، وجاهروه، ونابذوه، وقطعوا الأرحام، وأخطروا بأنفسهم، وطالبوه بالآيات، والإتيان بغير ذلك من المعجزات، يُريدون تعجيزه ليَظْهَرُوا عليه بوجهٍ من الوجوه؛ فكيف يجوز أن يقدروا على معارضته القريبة السهلة عليهم، وذلك يدحض حجَّته، ويُفسد دلالته، ويُبطل أمره فيعدلون عن ذلك إلى ما صاروا إليه من الأمور، التي ليس عليها مزيد في المنابذة والمعاداة، ويترك الأمر الخفيف.

هذا مما يمتنع وقوعه في العادات، ولا يجوز اتفاقه من العقلاء، وهذا في الحقيقة كلام جميل يُبيِّن مكان وهيبة وعظمة القرآن الكريم، وأن العرب الفصحاء ما وجدوا أدنى تعارض في القرآن الكريم، أو اضطراب، وهم أهل البلاغة والفصاحة والبيان، وكانوا لا شكَّ يودُّون أن يُواجهوا القرآن الكريم بالإبطال، والنقد، وغير ذلك، ولو كان فيه مجال لفعلوا، ولكنه تحدَّاهم فعجزوا، فدلَّ ذلك على مكانة القرآن الكريم، وعلى هيبته وعظمته، وأنه لا يُوجد فيه أدنى تعارض، أو اختلاف.

والإمام الباقلاني -رحمه الله، تبارك وتعالى- مع ذلك يذهب مذهبًا آخر للاستدلال على عجز العرب عن الإتيان بما تحدَّاهم القرآن إليه، فيقول: ويمكن أن يقال: إنهم لو كانوا قادرين على معارضته، والإتيان بمثل ما أتى به؛ لم يجزْ أن يتفق منهم ترك المعارضة، وهم ما هم عليه من الذَّرَابة والسلافة، والمعرفة بوجوه الفصاحة، وهو يستطيل عليهم بأنهم عاجزين عن مباراته، وأنهم يَضْعُفُون عن مجاراته، ويقرِّعهم ويؤنِّبُهم عليه، ويُدرك آماله فيهم، وينجح ما يسعى له بتركهم المعارضة.

وهو يذكر فيما يتلوه تعظيم شأنه -وأعني بذلك: شأن القرآن- وتفخيم أمره حتى يتلو عليهم قوله تعالى: {قُل لّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنْسُ وَالْجِنّ عَلَىَ أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَـَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً} [الإسراء: 88]، ويقرأ عليهم أيضًا قوله تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مّنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ} [الحجر: 87]، ومثله: {وَإِنّهُ لَذِكْرٌ لّكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ} [الزخرف: 44] إلى غير ذلك من الآيات التي تتضمَّن تعظيم القرآن الكريم، وذلك مما يدعوهم إلى المباراة، ويحضُّهم على المعارضة، وإلا لم يكن متحديًا إليه.

بهذا ونحوه يقيم الإمام الباقلاني -رحمه الله- الحجة على أن القرآن الكريم قد أعجز العرب، حين لم يَقُمْ له أحد من شعرائهم، أو خطبائهم، أو حكمائهم يُعارضه بمثل سورة من سوره، أو عشر سور ولو مفتريات، كما كانوا يصفون ما في القرآن الكريم من أخبار وقصص، بقولهم: {وَقَالُواْ مَا هَـَذَآ إِلاّ إِفْكٌ مّفْتَرًى} [سبأ:43]، وكيف يكون هذا من الإفك المفترى، وهو بهذه المكانة من البيان والفصاحة إلى جانب عجز البُلَغَاء والفصحاء عن أن يأتوا بشيء يُماثلون به كتاب ربِّ العالمين سبحانه وتعالى، جل في علاه.

وأخلص من كل ذلك إلى أن القرآن الكريم هو كتاب ربُّ العالمين سبحانه وتعالى، جل في علاه- لا تعارض فيه، ولا تناقض بحالٍ من الأحوال، ولو كان فيه شيء من ذلك؛ لسبق بلغاء العرب وفصحاؤهم إلى الحديث عن ذلك، ولكنهم انقطعوا عن مُجَارَاة القرآن الكريم، أو الإتيان بشيء يُشبه كلام رب العالمين؛ فَلْتَخْرَسْ اليوم ألسنة يقولون عن كلام الله كلامًا باطلًا! فهو الحق، وهو الكلام الكريم، وهو كلام رب العالمين سبحانه وتعالى، جل في علاه- وليس من كلام النبي صلى الله عليه وسلم، ولا من كلام جبريل عليه السلام ويكفي أن نقول بأن القرآن الكريم كلام رب العالمين سبحانه وتعالى وكفى.

2. أقوال أهل العلم عند تعارض الآي في الظاهر:

في الحقيقة: أنه لا يُوجد تعارض في القرآن الكريم، وإن بدا تعارض في الظاهر، فيجب أن نرجع إلى أقوال أهل العلم الذين لم يتركوا شيئًا من ذلك؛ ولهذا تكلَّم الإمام الزركشي -رحمه الله تبارك وتعالى- في كتابه (البرهان)، وعقد فصلًا بعنوان فصل في القول عند تعارض الآي، ثم ذكر تحت هذا الفصل ما يلي:

قال الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني -رحمه الله، تبارك وتعالى-: إذا تعارضت الآية، وتعذَّر فيها الترتيب والجمع؛ طُلب التاريخ، وتُرك المتقدِّم منهما بالمتأخر، ويكون ذلك نسخًا له، وإن لم يوجد التاريخ، وكان الإجماع على استعمال إحدى الآيتين؛ عُلم بإجماعهم أن الناسخ ما أجمع على العمل به، قال: ولا يوجد في القرآن الكريم آيتان متعارضتان تعريان عن هذين الوصفين، أودُّ من طلاب العلم أن يفهموا جيدًا هذا الكلام، وهو أنه لا تتعارض آيات القرآن الكريم بحال، وإذا تعارضت يجب علينا أن ننظر؛ لندفع هذا التعارض؛ فقد يكون التعارض بسبب أن آية تقدَّمت على الأخرى فالأولى منسوخة، والثانية ناسخة.

ومن المعلوم أننا نعمل بالناسخ، ونترك المنسوخ، ثم ذكر الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني -رحمه الله، تبارك وتعالى- كلامًا جيدًا عند تعارض الآي فقال: وذكروا عند التعارض مرجحات -يجب أيضًا أن نتنبَّه لهذه المُرَجِّحات حتى لو وجدنا أن آيتين تعارضتا في الظاهر نستخدم هذه المرجحات، وندفع هذا التعارض:

الأول: تقديم المكِّيِّ على المدني، وإن كان يجوز أن تكون المكية نزلت عليه صلى الله عليه وسلم بعد عوده إلى مكة، والمدنيَّة قبلها، فيقدم الحكم بالآية المدنية على المكية في التخصيص والتقديم، إذا كان غالب الآيات المكية نزولها قبل الهجرة.

الثاني: أن يكون أحد الحكمين على غالب أحوال أهل مكة، والآخر على غالب أحوال أهل المدينة، فيقدَّم الحكم بالخبر الذي فيه أحوال أهل المدينة؛ كقوله تعالى: {فِيهِ آيَاتٌ بَيّـنَاتٌ مّقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً وَللّهِ عَلَى النّاسِ حِجّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً} [آل عمران: 97]، مع قوله: {يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرّ بِالْحُرّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالاُنثَىَ بِالاُنْثَىَ} [البقرة: 178]، فإذا أمكن بناء كل واحدة من الآيتين على البدل؛ جعل التخصيص في قوله تعالى: {يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى} كأنه قال: إلا من وجب عليه القصاص، ومثل قوله تعالى: {يَـَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْتُلُواْ الصّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مّتَعَمّداً فَجَزَآءٌ مّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النّعَمِ} [المائدة: 95] ونهيه صلى الله عليه وسلم عن قتل صيد مكة مع قوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ مَاذَآ أُحِلّ لَهُمْ قُلْ أُحِلّ لَكُمُ الطّيّبَاتُ وَمَا عَلّمْتُمْ مّنَ الْجَوَارِحِ مُكَلّبِينَ تُعَلّمُونَهُنّ} [المائدة: 4]؛ فجعل النهي فيمن اصطاده في الحرم، وخُصَّ من اصطاده في الحلِّ، وأدخله حيًّا فيه، وبهذا ندفع التعارض.

الثالث: أن يكون أحد الظاهرين مستقلًّا بحكمه، والآخر مقتضيًا لفظًا يُزاد عليه، فيُقَدَّم المستقلَّ بنفسه عند المعارضة والترتيب. ولأضرب مثال على ذلك يتَّضح به هذا المقال: قال تعالى: {وَأَتِمّواْ الْحَجّ وَالْعُمْرَةَ للّهِ} [البقرة: 196] مع قوله تعالى: {وَأَتِمّواْ الْحَجّ وَالْعُمْرَةَ للّهِ} [البقرة: 196]، وقد أجمعت الأمة على أن الهدي لا يجب بنفس الحصر، وليس فيه صريح الإحلال بما يكون سببًا له، فيقدم المنع من الإحلال عند المرض بقوله: {وَلاَ تَحْلِقُواْ رُؤُوسَكُمْ حَتّىَ يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلّهُ} على ما عارضه من الآية.

الرابع: أن يكون كل واحد من العمومين محمولًا على ما قُصد به في الظاهر عند الاجتهاد، فيقدم ذلك على تخصيص كل واحد منهما من المقصود بالآخر؛ كقوله تعالى: {حُرّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمّاتُكُمْ وَخَالاَتُكُمْ} [النساء: 23] بقوله: {وَاعْبُدُواْ اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً} [النساء: 36] يعني: أن الله تعالى قال في آية: {وَاعْبُدُواْ اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً}، وقال في آية أخرى فيما يُمكن أنه يجوز الجمع: {وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} عندئذٍ نخصُّ الجمع بملك اليمين بقوله: {حُرّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمّاتُكُمْ وَخَالاَتُكُمْ وَبَنَاتُ الأخِ وَبَنَاتُ الاُخْتِ وَأُمّهَاتُكُمُ اللاّتِي أَرْضَعْنَكُمْ} [النساء: 23]، فتُحمل آية الجمع على العموم، والقصد فيها بيان ما يحلّ وما يحرم، وتحمل آية الإباحة على زوال اللوم فيمن أتى بحال.

الخامس: أن يكون تخصيص أحد الاستعمالين على لفظ تعلَّق بمعناه والآخر باسمه، كقوله تعالى: {يِا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ} [المائدة: 106]، مع قوله تعالى: {يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُوَاْ إِن جَآءَكُمْ فَاسِقُ بِنَبَإٍ فَتَبَيّنُوَاْ أَن تُصِيببُواْ قَوْمَا بِجَهَالَةٍ} [الحجرات: 6]؛ فيمكن أن يقال في الآية بالتبيُّن عند شهادة الفاسق إذا كان ذلك من كافر على مسلم، أو مسلم فاسق على الكافر وأن يقبل الكافر على الكافر وإن كان فاسقًا، أو يحمل ظاهر قوله تعالى: {فَتَبَيّنُوَاْ أَن تُصِيببُواْ قَوْمَا بِجَهَالَةٍ} على القبيلة دون الملَّة، ويحمل الأمر بالتثبُّت على عموم النسيان في الملة؛ لأنه رجوع إلى تعيين اللفظ وتخصيص الغير بالقبيلة؛ لأنه رجوع إلى الاسم على عموم الغير.

السادس: ترجيح ما يُعلم بالخطاب ضرورة على ما يُعلم منه ظاهرًا؛ كتقديم قوله تعالى: {الّذِينَ يَأْكُلُونَ الرّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاّ كَمَا يَقُومُ الّذِي يَتَخَبّطُهُ الشّيْطَانُ مِنَ الْمَسّ} [البقرة: 275] على قوله: {يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُوَاْ إِذَا نُودِيَ لِلصّلاَةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْاْ إِلَىَ ذِكْرِ اللّهِ وَذَرُواْ الْبَيْعَ} [الجمعة: 9]؛ فإن قول الله تعالى: {وَذَرُواْ الْبَيْعَ} يدل على حل البيع ضرورة، ودلالة النهي على فساد البيع إما ألا تكون ظاهرة أصلًا، أو تكون ظاهرة منحطَّة عن النص.

وقد ذكر الإمام القاضي أبو بكر -رحمه الله- في (التقريب) كلامًا جميلًا أيضًا حول تعارض الآيات في الظاهر قال فيه: لا يجوز تعارض آي القرآن والآثار، وما يُوجبه أدلة العقل، فلذلك لم يُجعل قوله تعالى: {قُلْ مَن رّبّ السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ قُلِ اللّهُ قُلْ أَفَاتّخَذْتُمْ مّن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ لاَ يَمْلِكُونَ لأنْفُسِهِمْ نَفْعاً وَلاَ ضَرّاً} [الرعد: 16] معارضًا لقوله: {إِنّمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ أَوْثَاناً وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً} [العنكبوت: 17]، وقوله: {إِذْ قَالَ اللّهُ يَعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَىَ وَالِدَتِكَ} [المائدة: 110]، وقوله: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَآئِقَ وَمَا كُنّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ} [المؤمنون: 17]؛ لقيام الدليل العقلي أنه لا خالق غير الله -تبارك وتعالى- فيتعيَّن تأويل ما عارضه، فيؤوَّل قوله: {وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً} [العنكبوت: 17] بمعنى: وتكذبون؛ لأن الإفك نوع من الكذب، ويؤول قوله: {وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً} أي: تصوِّر.

ومن ذلك قوله تعالى: {اللّهُ يَبْسُطُ الرّزْقَ لِمَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ} [العنكبوت: 62]، لا يعارضه قوله: {وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَضُرّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَـَؤُلآءِ شُفَعَاؤُنَا} [يونس: 18] فإن المراد بهذا: ما لا يعلمه أنه غير كائن، وكذلك لا يجوز جعل قوله تعالى: {إِنّ اللّهَ لاَ يَخْفَىَ عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الأرْضِ وَلاَ فِي السّمَآءِ} [آل عمران: 5] معارضًا لقوله: {وَلَنَبْلُوَنّكُمْ حَتّىَ نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ} [محمد: 31]، ولا نجعل أيضًا قوله تعالى: {إِلَىَ رَبّهَا نَاظِرَةٌ} [القيامة: 23] معارضًا لقوله: {لاّ تُدْرِكُهُ الأبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأبْصَارَ وَهُوَ اللّطِيفُ الْخَبِيرُ} [الأنعام: 103]، في تجويز رؤيته وإحالتها؛ لأن الدليل العقلي يقضي بالجواز، ويجوز تخليص النفي بالدنيا، والإثبات بالقيامة.

وكذلك لا يجوز جعل قوله تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا السّمَاوَاتِ وَالأرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتّةِ أَيّامٍ وَمَا مَسّنَا مِن لّغُوبٍ} [ق: 38] معارضًا لقوله تعالى: {وَهُوَ الّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ} [الروم: 27]، بل يجب تأويل أهون على هين، وكذلك أيضًا لا يجوز لنا أن نجعل قوله تعالى: {كَـذّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالأحْزَابُ مِن بَعْدِهِمْ وَهَمّتْ كُـلّ أُمّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُواْ بِهِ الْحَقّ} [غافر: 4] معارضًا لأمره نبيَّه صلى الله عليه وسلم وأمته بالجدال في قوله تعالى: {ادْعُ إِلِىَ سَبِيلِ رَبّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [النحل: 125]، فيُحمل الأول على ذمِّ الجدال الباطل.

ولا يجوز كذلك جعل قوله تعالى: {وَيَبْقَىَ وَجْهُ رَبّكَ ذُو الْجَلاَلِ وَالإِكْرَامِ} [الرحمن: 27] معارضًا لقوله تعالى: {كُلّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ} [الرحمن: 26]؛ لأن قوله تعالى: {وَيَبْقَىَ وَجْهُ رَبّكَ} [الرحمن: 27] يتعلق برب العالمين سبحانه وتعالى، جل في علاه- أما قوله تعالى: {كُلّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ} فهو خاصٌّ بالمخلوقات التي خلقها ربُّ العباد سبحانه وتعالى، جل في علاه.

فلا اختلاف، ولا تعارض، ولا تناقض بحال -كما ذكر أهل العلم- أنه لا يمكن أبدًا أن يكون هناك تعارض في قراءتين في آية واحدة.

وقد ضربوا لذلك مثلًا: قول الله -تبارك وتعالى- في الآية التي تحدَّثت عن الوضوء: {وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ} [المائدة: 6] بالنصب والجر، فقد وردت قراءتين في هذه الكلمة، وردت: {وَأَرْجُلَكُمْ} بالنصب، كما وردت: “وَأَرْجُلِكُم” بالجر، وكلا القراءتين صحيحتين؛ فجمع بينهما أهل العلم، وقالوا: بأنه لا تعارض بين القراءتين هنا بحال.

وقالوا: يُجمع بينهما بحمل إحداهما على مسح الخفين، والثانية على غسل الرجل إذا لم يجد متعلقًا سواهما؛ لأنه لا يُوجد سوى إما المسح أو الغسل، وكلاهما موجود، وله حكم؛ فتُحمل أية النصب إذًا على غسل الرجلين، وتُحمل آية الجر -أعني: قراءة الجر- على المسح على الخفِّ، وبالتالي لا يكون هناك أدنى تعارض.

ونخلص من ذلك إلى أن كلام رب العالمين سبحانه ليس فيه تناقض، أو اختلاف، أو اضطراب بحال، وقد بينت أن العلماء دفعوا ما ظاهره التعارض في آيات القرآن الكريم دفعًا حسنًا جميلًا.

error: النص محمي !!