Top
Image Alt

مكانة علم المناسبات، وأهميته

  /  مكانة علم المناسبات، وأهميته

مكانة علم المناسبات، وأهميته

يُمثل القرآن الكريم منبعًا ثريًّا، وفيضًا غزيرًا لفنون وعلوم وفتوح انبثَّت في نظمه، وهديه ورسمه؛ ليبقى المعجزة الخالدة، الدالة على الحق، والمدد الأسمى لمن أخلص الطلب، وتجرد للفهم والعمل؛ في ثناياه جلال من كل وجه، وفي منحه عطاءات لكلّ عصر، ولعل من أدق علومه، علم المناسبات القرآنية، ذلك العلم الذي يربط بين السور، والآيات، والكلمات؛ فإذا هي أجزاء بنيان متصل؛ فعليه يتوقف إدراك الهدايات في أعلى صورها.

فالعلم بالمناسبات بين الآيات القرآنية في السورة الواحدة، وبين السور في الكتاب كله، أمر ذو خطر عظيم؛ لما له من شأن كبير في الدلالة على تفسير النَّظْم الحكيم، تفسيرًا موضوعيًّا.

يقول الغُماري الحسني:

علم التناسب للسور

*علم جليل ذو خطر

قد قلّ فيه الكاتبو

*ن كما قد عز المُستطر

ولما كان هذا العلم دقيق المسالك خفي المدارك، احتاج الباحث فيه إلى استفراغ الجهد؛ بغية الاستقصاء اللغوي لدلالات الكلمات القرآنية، والإحاطة بأسباب النزول والقراءات، والتوسع في أفانين علوم النحو، والمعاني، والبيان، والبديع، مع حسٍّ مرهف، ونفس شفافة، والتقاط سريع، وألمعية وافرة، وسلامة في القصد؛ ليدرك سر اللُّحمة بين لطائف الآيات القرآنية، ومراد الله –تعالى- من ترتيب كلامه على هذه الصفة، فتبدو له أوجه المناسبات في النَّظْم الحكيم.

قال الزركشي: اعلم أن المناسبة علم شريف تحزر به العقول، ويعرف به قدر القائل فيما يقول.

وقال ابن العربي، في “سراج المريدين”: ارتباط آي القرآن بعضها ببعض حتى تكون كالكلمة الواحدة، متسقة المعاني، منتظمة المباني، علم عظيم لم يتعرض له إلا عالم واحد، عمل فيه سورة البقرة، ثم فتح الله لنا فيه فلما لم نجد له حملة، ورأينا الخلق بأوصاف البطلة ختمنا عليه، وجعلناه بيننا وبين الله ورددناه إليه.

وقال الإمام الرازي، في سورة البقرة: ومن تأمل في لطائف نظم هذه السورة وفي بدائع ترتيبها؛ علم أن القرآن كما أنه معجز بحسب فصاحة ألفاظه وشرف معانيه، فهو أيضًا بسبب ترتيبه ونظم آياته، ولعل الذين قالوا: “إنه معجز بسبب أسلوبه”، أرادوا ذلك.

وقال بعض الأئمة: “من محاسن الكلام، أن يرتبط بعضه ببعض؛ لئلا يكون منقطعًا، وهذا النوع يهمله بعض المفسرين أو كثير منهم، وفوائده غزيرة”.

وقال البقاعي: “… وبهذا العلم يرسخ الإيمان في القلب، ويتمكن من اللب؛ وذلك لأنّه يكشف أن للإعجاز طريقين:

أحدهما: نظم كل جملة على حيالها، بحسب التركيب.

الثاني: نظمها مع أختها بالنظر إلى الترتيب.

والأول أقرب تناولًا، وأسهل ذوقًا؛ فإن كل من سمع القرآن من ذكي وغبي يهتز لمعانيه، ويحصل له عند سماعه روعة بنشاط، ورهبة مع انبساط، لا تحصل عند سماع غيره، وكلما دقق النظر في المعنى عظم عنده موقع الإعجاز، ثم إذا عبر الفطن من ذلك إلى تأمل ربط كل جملة بما تلته وما تلاها خفي عليه وجه ذلك، ورأى أن الجمل متباعدة الأغراض متباينة المقاصد؛ فظن أنّها متنافرة، فحصل له من القبض والكرب أضعاف ما كان حصل له بالسماع من الهز والبسط، فربما شككه ذلك، وتزلزل إيمانه، وزحزح إيقانه، وربما وقف كثير من أذكياء المخالفين عن الدخول في هذا الدين، بعدما وضحت إليه دلائله، وبرزت له من جمالها دقائقه وجلائله لحكمة أرادها منزله، وأحكمها بجمله ومفصله، فإذا استعان الله، وأدام الطرق لباب الفرج بإنعام التأمل وإظهار العجز، والوثوق بأنّه في الذروة من إحكام الربط، كما في الأوج من حسن المعنى واللفظ؛ لكونه من جلّ عن شوائب النقص، وحاز صفات الكمال إيمانًا بالغيب، وتصديقًا بالرب، قائلًا ما قال الراسخون في العلم: {رَبّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لّدُنْكَ رَحْمَةً إِنّكَ أَنْتَ الْوَهّابُ} [آل عمران: 8]، فانفتح له ذلك الباب، ولاحت له من ورائه بوارق أنوار تلك الأسرار، رقص الفكر فيه طربًا، وسكر -واللهِ- استغرابًا وعجبًا، وطاش لعظمة ذلك جنانه، فرسخ من غير ريبة إيمانه، ورأى أن المقصود بالترتيب معانٍ جليلة الوصف بديعة الرصف، عليَّة الأمر، عظيمة القدر، مباعدة لمعاني الكلام على أنّها منها أخذت، فسبحان من أنزله وأحكمه وفصله، وغطّاه وجلَّاه، وبينه غاية البيان وأخفاه، وبذلك أيضًا يوقف على الحق من معاني آيات حار فيها المفسرون لتضييع هذا الباب من غير ارتياب، وبه تتبين لك أسرار القصص المكررات، وأنّ كل سورة أعيدت فيها قصة؛ فلمعنى أدعى في تلك السورة استدل عليه بتلك القصة، غير المعنى الذي سيقت له في السورة الثانية السابقة، ومن هنا اختلفت الألفاظ بحسب تلك الأغراض، وتغيرت النظوم بالتأخير والتقديم، والإيجاز والتطويل، مع أنّه لا يخالف شيء من ذلك أصل المعنى الذي تكونت به القصة، وعلى قدر غموض تلك المناسبات، يكون وضوحها بعد انكشافها”.

قال البقاعي: “هذا؛ وإن العلم الذي أفاض الله -وله الحمد- عليّ، أصله: بذل الرقة والانكسار، والتضرع والافتقار لأدق العلوم أمرًا، وأخفاها سرًا، وأعلاها قدرًا؛ لأنه في الحقيقة إظهار البلاغة من الكتاب العزيز، وبيان ذلك في كل جملة من جمله؛ فإن البلاغة مناسبة المقال لمقتضى الحال، وهذا الكتاب لبيان الداعي إلى وضع كل جملة في مكانها، وإقامة حجتها في ذلك وبرهانها؛ لأن هذا العلم تعرف منه علل الترتيب.

وجعل اسم كتابه: (مصاعد النظر للإشراف على مقاصد السور)، دالًّا عليه، فقال: “فتعريف هذا العلم هو اسم هذا الكتاب المصنف فيه علم يعرف منه مقاصد السور.

وموضوعه: آيات السور، كل سورة على حالها.

وغايته: معرفة الحق من تفسيره، كالآية من تلك السور.

ومنفعته: التبحر في علم التفسير؛ فإنه يثمر التسهيل له والتيسير. ونوعه: التفسير، ورتبته: أوله، فيشتغل به قبل الشروع فيه؛ فإنه كالمقدمة له؛ من حيث إنه كالتعريف؛ لأنه معرفة تفسير كل سورة إجمالًا.

وأقسامه: السور.

وطريقة السلوك في تحصيله: جمع جميع فنون العلم”.

قال الغماري -في كلامه عن المسألة الثالثة-: “المناسبة علم شريف عزيز، قلَّ اعتناء المفسرين به؛ لدقته واحتياجه إلى مزيد فكر وتأمل.

وقد اعتبر السيوطي، مناسبة آيات القرآن وسوره، وارتباط بعضها ببعض حتى تكون كالكلمة الواحدة، وجهًا من وجوه إعجاز القرآن. وقال: إن من فوائده: “جعل أجزاء الكلام بعضها آخذًا بأعناق بعض، فيقوى بذلك الارتباط، ويصير التأليف حالته حال البناء المحكم المتلائم الأجزاء”.

ومن المحدثين الذين تنبّهوا إلى قيمة هذا العلم الجليل، الشيخ الزرقاني، يقول: “إن القرآن تقرؤه من أوله إلى آخره، فإذا هو محكم السرد، دقيق السبك، متين الأسلوب، قوي الاتصال، آخذ بعضه برقاب بعض في سوره، وآياته، وجمله، يجري دم الإعجاز فيه كله من ألفه إلى يائه، كأنه سبيكة واحدة ولا يكاد يوجد بين أجزائه تفكّك ولا تخاذل، كأنه حلقة مفرغة، أو كأنه سمط، وحيد، وعقد فريد، يأخذ بالأبصار، نظمت حروفه وكلماته، ونسقت جمله وآياته، وجاء آخره مساوقًا لأوله، وبدا أوله مواتيًا لآخره”.

ويصف الأستاذ مصطفي صادق الرافعي، هذا الأسلوب القرآني العجيب، قائلًا: “وبالجملة؛ فإن هذا الإعجاز في معاني القرآن وارتباطها أمر لا ريب فيه، وهو أبلغ في معناه الإلهي إذا انتبهت إلى أن السور لم تنزل على هذا الترتيب، فكان الأحرى أن لا تلتئم، وأن لا يناسب بعضها بعضًا، وأن تذهب آياتها في الخلاف كل مذهب، ولكنه روح من أمر الله، تفرّق معجزًا، فلمّا اجتمع؛ اجتمع له إعجاز آخر؛ ليتذكّر أولو الألباب”.

ويقول الشيخ عبد الحميد الفراهي: “وربما يحطّ عندك قدر خطيب مصقع أتى بفنون من البلاغة، وأثّر في النفوس بخلابة بيانه لمحض أنه ذهل عن ربط الكلام، فهام من وادٍ إلى واد، مع أنه معذور لأنه ألقى خطبته ارتجالًا، ولم يُعمل فيها النظر والروية، وما مؤاخذاتك لذلك الخطيب إلا لأن الكلام البليغ لا يحتمل سوء الترتيب، فإذا كان الأمر كذلك، أليس من الموقن بإعجاز القرآن أن يثبت حسن نظمه، وإحكام ترتيبه، وتناسق آياته وسوره”؟!.

error: النص محمي !!