Top
Image Alt

مكان الدعوى أو مجلس القضاء

  /  مكان الدعوى أو مجلس القضاء

مكان الدعوى أو مجلس القضاء

هل المراد بمكان الدعوى؛ أين ترفع الدعوى؟ قد عالجنا هذه النقطة قبل ذلك، وقلنا: إن الأصل هو أن الدعوى ترفع في الدائرة التي يتبعها المدعى عليه؛ لأن الأصل أن المدعى عليه بريء الذمة، فلا نكلفه تجشم الانتقال من مكانه إلى مكان غيره إلَّا بعد أن يثبت أن عليه حقا، لكن عند رفع الدعوى المفروض تكون حسب مكان المدعى عليه، هذا إذا كان المدعى عليه شخصًا، إذا كان عقارًا فحيث يكن العقار الدائرة التي يتبعها العقار هذه اسمها مكان الدعوى.

 إنما إذا كان المراد بمكان الدعوى المحكمة أو  مجلس القضاء، فمن المندوب أن يكون مجلس القاضي للحكم في موضع بارز، بل إن الفقهاء يقولون:  يستحسن أن يكون في وسط البلد لماذا فيكون في وسط البلد حتى يصل إليه كل من كان في أطراف البلد، وفي أنحائها يسهل عليهم الوصول إليه، وبما أنه في وسط البلد فيكون بالتساوي هذا نوع من العدل أن كل من كانت بينهم خصومة يصلون إليه بدرجة واحدة من التعب، ويكون في مكان بارز مثلا في وسط البلد، المهم أن يكون في موقع بارز في مكان مشهور معروف بحيث يصل إليه كل المتخاصمين أو المتقاضين كل في دائرة اختصاصه دون مشقة؛ لأنه لا يجوز للقاضي أن يحتجب عنهم بغير عذر.

ويستحب أن يكون ذلك المجلس فسيحًا حتى لا يتأذى بضيقه الخصوم، ولا يزاحم فيه الشيخ الهرم، ولا المرأة العجوز؛ يعني تكون المحكمة واسعة مكان القضاء مجلس القضاء يكون واسعًا بحيث لا يتأذى المتقاضون بضيق المكان، ويحدث بينهم نوع من الاحتكاكات، وهذا قد يزيد من الخصومات بينهم، وقد يدفع بعضهم إلى ترك الدعوى والتنازل عن حقه دون رضى، وذلك إذا كان رجلًا شيخًا أو امراة عجوزًا، وأن يكون المكان بحيث لا يتأذى فيه المتقاضون بشدة حر أو بشدة برد غير عادي أو تكون فيه رائحة كريهة، فإن ذلك قد يفضي إلى الضجر والضيق والملل، وقد يدفع هذا بعض المتقاضين إلى ترك حقه، بل قد يمنع القاضي نفسه أو الحاكم نفسه من استحضار الذهن، والتوفر على الاجتهاد؛ لأن سعة المكان تؤدي إلى سعة الصدر، تؤدي إلى راحة النفس، وتعطي الإنسان فرصة للاجتهاد، كما أنه قد يمنع الخصوم من استيفاء الحجة إذا كان المكان ضيقا أو له رائحة كريهة أو فيه حر شديد أو برد شديد قد يمنع الخصوم من استيفاء الحجة، وإنما لم يكن ذلك واجب، لماذا لم يكن هذا واجب؟ نقول: يجب أن تكون هذه المحكمة بهذه المواصفات.

إن الفقهاء يقولون: إن ذلك مستحب، وذلك لاحتمال عدم توافر ذلك؛ لو قلنا إنه واجب؛ بمعنى إذا لم تتوافر هذه المواصفات يمنع القضاء أو يمتنع القاضي، فيكون ضرر هذا أشد، ولذلك يستحب من الأفضل، فلتعمل الدولة أو الحكومة أو فليعمل المسئولون على اختيار مكان المحكمة أو مجلس القضاء بحيث يكون فيه هذه المواصفات التي لا تؤدي إلى أذى أو ضيق أو ضجر للمتقاضين وبالقاضي، فهو مستحب؛ لاحتمال عدم توافر ذلك بالمكان الذي يختار للقضاء، والقاضي مطالب بتحقيق العدل بينهم سواء في المكان المناسب أو في المكان غير المناسب، ومطالب بفض المنازعات بصرف النظر عن المكان التي قد تنشأ بين المتقاضين، يعني المنازعات التي قد تنشأ بين المتقاضين، فهو مطالب بفض هذه المنازعات في أي مكان في دائرة اختصاصه.

وللفقهاء موقف آخر من مدى صلاحية المسجد؛ هل المسجد يصلح ليكون مجلسًا للقضاء أو لا يصلح؟ وهذه مسألة  تعود إلى التاريخ والحضارة الإسلامية، فذهب جمهور الفقهاء إلى جوز ذلك، لا مانع يجوز أن يكون القضاء في المسجد، واستدلوا على وجهة نظرهم بالكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس.

فمن الكتاب قوله تعالى: {وَهَلْ أَتَاكَ نَبَاُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوّرُواْ الْمِحْرَابَ (21) إِذْ دَخَلُواْ عَلَىَ دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُواْ لاَ تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَىَ بَعْضُنَا عَلَىَ بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقّ وَلاَ تُشْطِطْ وَاهْدِنَآ إِلَىَ سَوَآءِ الصّرَاطِ (22) إِنّ هَذَآ أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِي نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزّنِي فِي الْخِطَابِ (23) قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَىَ نِعَاجِهِ وَإِنّ كَثِيراً مّنَ الْخُلَطَآءِ لَيَبْغِيَ بَعْضُهُمْ عَلَىَ بَعْضٍ إِلاّ الّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مّا هُمْ} [ص: 21-24] الآية.

ووجه الدلالة في هذه الآية واضح حيث إن الخصوم اقتحموا عليه مسجده تسوروا المحراب، والمحراب يشير إلى أنه كان في مسجد، وسيدنا داود معروف أن له مجلس قضاء، وأنه قسم وقته إلى جزء للقضاء، وجزء للعبادة، فهم جاءوه في وقت العبادة، ويدل على أنه حكم بينهم أنه قال:  {قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَىَ نِعَاجِهِ} وهذا يدل على جواز القضاء في المسجد؛ لأنه لو كان لا يجوز لقال لهم: انصرفوا راشدين وأتوني غدا أو بعد غد في مجلس القضاء؛ لأنه لا يجوز القضاء في المسجد في بيت الله؛ فكونه يحكم بينهم، فهذا دليل على أنه يجوز القضاء في المسجد.

فإن قيل: إن هذا شرع من قبلنا، أجيب بأن شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد في شرعنا ما يرفضه، ولم يرد في شرعنا  ما ينقض هذا أو ما يرفضه.

إذًا فيجوز القضاء في المسجد.

ومن السنة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((أنما بنيت المساجد لذكر الله تعالى وللحكم)) وأيضًا؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه كانوا يقضون بين الناس في المساجد.

والقياس؛ قياس القضاء على العلم والذكر بجامع أن كلا منها عبادة، ولأن القضاء من أشرف العبادات، فيجوز في بيت الله.

والإجماع أيضًا منعقد على ذلك، وقد نقلوه بالمعنى؛ إذن هناك إجماع، ولو كان إجماعًا سكوتيًَّا فهو منعقد على جواز القضاء في المسجد؛ لأن بعض الخلفاء كانوا يعقدون مجالس القضاء في المسجد، ولم يعرف أن أحدًا اعترض على هذا.

القول الثاني: فهو أن في اتخاذ مجلس القضاء في المسجد أو اتخاذ المسجد مجلسًا للقضاء لا يجوز، وهو قول جماعة من العلماء، واستدل هؤلاء العلماء بأن النبي صلى الله عليه وسلم  أمر بتجنيب المساجد أشياء معينة؛ منها الصبيان؛أي: الصبية الصغار غير المميزين، والمجانين، كما نهى عن رفع الأصوات في المسجد، ونحو ذلك فقال: “جنبوا مساجدكم صبيانكم ومجانينكم” ونهى عن رفع الصوت في المسجد، ولأن المساجد إذا كانت مجالس للحكم دخلها الجنب، ودخلتها الحائض  ومكثت فيها، مكث الجنب  ومكثت الحائض  تنتظر ساعة أو أكثر حتى يأتي عليه الدور في القضاء، والمعروف أن المراة الحائض ممنوعة من المكث في المسجد، وكذلك الجنب بالإضافة إلى أن ذلك يشغل الناس عن الصلاة؛  ويؤدي إلى كثرة اللغط في المسجد، ويؤدي إلى ارتفاع الخصومات، والجدال والمراء وهي أمور ينبغي أن تتنزه عنها المساجد.

إذًا فعندنا رأيان؛ رأي يجيز، ورأي يمنع.

ومما يجب على القاضي في مجلسه؛  أن يتأدب بآداب الشرع، وأن يحافظ على جمال هيئته ووقاره، ولا يسمح لأحد بالتردد عليه دون داعٍ، وإذا أراد الحكم سوى بين المتخاصمين في نظره وإقباله، وحاول أن يكون فارغ البال لا يهمه إلَّا النظر في قضايا المتخاصمين، وإذا تغير حاله بسبب هم شديد أو قلق صارف أو حزن عميق أو ألم مبرح توقف عن الحكم لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا يقضي القاضي وهو غضبان)).

ويقاس على الغضب أمور تشبهه، أي ما من شأنه أن يؤثر على قراره حتى يحكم بالعدل، وينهي النزاع، ويفض هذه الخصومات التي نشأت بين الناس ورفعوا فيها أمرهم إليه.

error: النص محمي !!