Top
Image Alt

ملامح المدرسة العقلية

  /  ملامح المدرسة العقلية

ملامح المدرسة العقلية

بعض ملامح المدرسة العقلية:

أولًا: يقدمون العقل على النص، ويجعلون العقل قاضيًا على النص:

وكثيرًا ما تقرأ في كتاباتهم: النص يقبل التأويل. فهناك مثلًا مَن يطالب المساواة بين البنت والولد في الميراث؛ ضاربًا عرض الحائط بقوله -تبارك وتعالى-: {يُوصِيكُمُ اللّهُ فِيَ أَوْلاَدِكُمْ لِلذّكَرِ مِثْلُ حَظّ الاُنْثَيَيْنِ} [النساء: 11]، ويا أهل النص يا من ليست لكم عقول تفكر، أنتم وما تريدون في النص افهموه كما تريدون، أو أوِّلوه كما تريدون، فالباب مفتوح لأن يقولوا: هذا حديث ضعيف، أو مكذوب ويردُّونه، وإذا تكلمنا فيهم يقولون: نحن عقولنا مظلمة، ومغلقة، وضيقة، ولا تتسع للرأي الآخر، بل منهم مَن يقول: حتى تفسير القرآن لا نريد تفسيرًا له، فكل واحد يقول في القرآن بفهمه، والسنة ليست قاضية على الكتاب!!

فأيُّ عبَث هذا، وأي فوضى هذاه، وإلى أي طريق يريدون أن يصلوا بنا؟

تتمثل بعض معالم المدرسة العقلية -كما قلنا- في تحكيم العقل في النص، وأن العقل قاضٍ على النص!!

لكن النص هو القاضي، وأن العقل يحاول أن يفهم، وأنه لا مصادرة للعقول في فهم النص، والقاعدة الشرعية المعروفة: لا اجتهادَ مع النص. يعني: لا يقول النص شيئًا ونقول نحن غيره، وقاعدة: لا اجتهادَ مع النص، لا تغلق البابَ أمام قاعدة أخرى تفتح الباب للفهم والاجتهاد، الاجتهاد في النص أي: في فهم النص، ماذا يريد النص أن يقول؟ كيف نطبقه؟ نحن نجتهد في فهمه لنطبقه، لا لنعارضه، ولا لنبتعد عنه، لنطبقه بفهم جيد يكون أقرب ما يكون إلى مراد الله تعالى، مثلًا: {أَوْ لاَمَسْتُمُ النّسَآءَ} [النساء: 43] فملامسة النساء من نواقض الوضوء، والذي يقول: إن ملامسة النساء غير ناقضة، هذا يجتهد مع النص، ولا اجتهادَ مع النص، يقول النص شيئًا وهو يقول غيره، فهو يقول: إن الملامسة غير ناقضة، لكن أنْ يقول: ما المراد بالملامسة؟ هذا هو الاجتهاد في النص، والباب مفتوح فيه إلى يوم القيامة في ضوء القواعد المقررة عند علماء الشرع، أو عند العلماء في ضوابط الاجتهاد والمجتهدين.

إذن العقل له ميدانه في فهم النص في الكون الفسيح إلى آخره، لكن أن يشرع العقل، أن ينظر العقل في النص، وأن يكون قاضيًا عليه؛ هذا ما لا يقول به عاقلٌ أبدًا، ولن نقبله مهما كان.

ثانيًا: يردُّون السنة كليَّة أو جزئيًّا:

الذين يزعمون أنهم قرآنيون وينكرون السنة كلية، ومنهم مَن يردُّ بعضها، ومنهم مَن يقبل المتواتر ويرد الآحاد، دعاوَى كثيرة يثيرونها، الغرض كله هو تضييع السنة والتفلت منها.

إذن، هم يجعلون العقل قاضيًا على النص، وهذا أدى إلى إنكارهم للسنة إما كليًّا وإما جزئيًّا.

وعلماء الأمة مجمعون على وجوب العمل بالحديث متى ثبتت صحته، وأن الحديث متى صح يصبح أصلًا من أصول الشرع بصرف النظر عن كونه متواترًا أو آحادًا، والتواتر والآحاد هذا تقسيم على أساس عدد الرواة في كل حلقة لا يتعلق أبدًا بوجوب العمل؛ لأنه حتى الفريق الذي قال: إن الآحاد يفيد الظن، بمعنى: أننا يغلب على ظننا أن النبي صلى الله عليه وسلم قاله ولا نقطع بذلك، يوجبون على الأمة العملَ بما غلب على ظنها، وقلنا: إن هذه من الأمور المجمع عليها عند علماء الأمة، إذن قضية العمل به لا تقبل الجدال.

ثالثًا: توسعهم جدًّا في فهم القرآن الكريم والحديث النبوي في ضوء عقولهم:

وفي ضوء معطيات العلم بكل جوانبه؛ بصرف النظر حتى عن كونها حقيقة علمية أو نظرية علمية لا زالت في طور نظرها بالتجريب، فعندهم إذا قال العلم كذا، إذًا ردُّوا القرآن وردوا السنة، وبعد سنين يردُّ العلم على نفسه؛ فيرفض ما كان يقبله اليوم، وهذا حدث مرارًا وتَكرارًا، وفي كل العلوم، فالمسلَّمات التي كانت من عشرين سنة انقلبت الآن على أعقابها؛ لتصبح من مظاهر التخلف. فعليهم أن يفرقوا بين الحقيقة العلمية والنظرية العلمية، الحقيقة العلمية الثابتة لا تتعارض أبدًا مع القرآن والسنة، أما التي ما زالت في طور التجربة والاختبار؛ فهذه محلّ نظر.

إذن، لا نجعل معطيات العلم -وخصوصًا في مراحله التجريبية- قيدًا على القرآن، أو على السنة المطهرة، فهذا من مفتريات العقول، ومفتريات المنهج العلمي -كما يقولون- ويصنعون بذلك تناقضًا بين العلم والدين، والدين منه براء، ديننا دين العلم الذي امتلأ بالآيات التي تكلمت عن العلم والعلماء، وهذا أمر مفروغ منه ومقرر عندنا.

وهذا هو السر في أنهم أنكروا ما يتعلَّق بالملائكة، أو بالشياطين، أو يئولونها على أحسن الأوجه إذا كانت واردة في القرآن الكريم، وتكلموا عن السحر، وعن قصة آدم، وعن كذا وكذا، وصرفوا الطير الأبابيل عن ظاهره في القرآن الكريم، ومن علماء المسلمين من قال ذلك، يعني: الطير الأبابيل مرض ميكروبي تعرَّض له جيش أبرهة، لماذا؟ لأن بعض العقول لا تقبل أن طيرًا يحمل حجارةً من سجيل صغيرة يدحر بها جيشًا بأكمله، ويقضي الله عليه قضاءً مبرمًا، أليست هذه معجزة من معجزات السماء؟

فضيلة الشيخ محمد الشعراوي -عليه رحمة الله تعالى- في ردِّه على هذا الزعم -وهو يفسر القرآن الكريم- قال: من المؤكد أنه حين نزلت -يعني: سورة الفيل- كان من بين الموجودين في حياة النبي صلى الله عليه وسلم مَن عاصر الحادثة، ولو كانت داءً ميكروبيًّا قضى على الجيش، ولم تكن طيرًا أبابيل تحمل حجارة من سجيل؛ لقالوا له: كذبتَ يا محمد، لم يكن هناك طير، ولا كذا، وإنما كان الأمر مرضًا معديًا فتَك بالجيش كله، لكنَّ ذلك لم يحدث، ولم تنقل لنا رواية واحدة، هذا دليل من الواقع على كذب هذا.

فلماذا يريدون أن يجعلوا العقل قاطعًا في مثل هذا؟

رابعًا: تمجيدهم للعقل أدَّى بهم إلى التهوين من شأن الإجماع، والتقليل من قدره:

وعباراتهم في ذلك كثيرة جدًّا، أيُّ إجماع تقصدون؟ ويعتبرون أنفسهم ممن خُلق بهم الإجماع، فالأمة حين تصطلح على شيء وصارت على هذا قرونًا متعددةً، يأتي اليوم من يفسد عليها وحدتها واجتماعها تحت دعوى أن هذا اجتهاد عقلي أو كذا.

وهذا عبَث؛ لأنه لا يوجد عند أمة، فالأمم استقرت على أمور -حتى ليست عن طريق الوحي- وأجمعت عليها حتى مع وجود مَن يخالفها من أبناء الأمة، ومع ذلك لم يزعم أحد أبدًا أنه يحق له أن يخرج على القانون، أو على الدستور؛ لأن عقله لا يقبله، لماذا هم هناك يحترمون ذلك ونحن هنا نفتح البابَ على مقدساتنا من القرآن والسنة، ونهوّن من إجماع أمتنا، ومِن تحكم العقل في النص؟ ومِن جعل العقل أو المعطيات العلمية التي لا زالت في طور التجربة حكمًا قاضيًا على ما ورد في القرآن أو في السنة، ويئولون، ويرفضون، ويبعِدون…؟ إلى آخره.

وهم أيضًا يكادون يغلقون باب الغيبيات، فلا يريدون أن يتكلم أحد في الغيبيات.

هذه بعض ملامح المدرسة العقلية.

error: النص محمي !!