Top
Image Alt

مناهج العلماء في ترتيب المسالك الثلاثة عند دفع التعارض الظاهري

  /  مناهج العلماء في ترتيب المسالك الثلاثة عند دفع التعارض الظاهري

مناهج العلماء في ترتيب المسالك الثلاثة عند دفع التعارض الظاهري

المسالك الثلاثة هي: الجمع، والنسخ، والترجيح:

للعلماء ثلاثة مناهج في ترتيب القواعد الثلاثة عند استعمالها، وكنت قد لخصتها في بداية الدرس، ولا بأس بإعادة تلخيصها قبل تفصيلها الآن، وهي: المنهج الأول: منهج المحدثين، والمنهج الثاني: منهج جمهور الأصوليين، والمنهج الثالث: منهج السادة الحنفية.

هذه ثلاثة مذاهب أو مناهج للسادة العلماء، في ترتيب المسالك الثلاثة، وهي الجمع والنسخ والترجيح عند الاستعمال.

وتعالوا إلى تفصيل هذه المناهج:

أولًا: منهج المحدثين: رتب المحدثون القواعد الثلاثة عند الاستعمال على الترتيب الآتي:

  1. الجمع: بضرب من التأويل من غير نظر إلى التاريخ، أو تفضيل أحد الحديثين على الآخر، وذلك لأجل العمل بكل منهما؛ لأن الإعمال أولى من الإهمال.
  2. النسخ: إذا عرف التاريخ الذي قيل فيه كل حديث، فينسخ المتأخر المتقدم.
  3. الترجيح: إذا تعذر الجمع.
  4. التوقف: إن تعذر الجمع والنسخ والترجيح، ولا يوجد مثال صحيح واقعي في السنة النبوية، ولا في القرآن الكريم من باب أولى على التوقف، أو الحكم بسقوط الحديثين، انظر (التعارض والترجيح بين الأدلة الشرعية)، الجزء الأول الصحيفة السابعة والسبعون ومائة.

قال ابن الصلاح في النوع السادس والثلاثين، معرفة مختلف الحديث ما نصه: “اعلم أنما يذكر في هذا الباب ينقسم إلى قسمين، أحدهما: أن يمكن الجمع بين الحديثين، ولا يتعذر إبداء وجه ينفي تنافيهما، فيتعين حينئذ المصير إلى ذلك والقول بهما معًا.

ثم قال: القسم الثاني أن يتضادا، بحيث لا يمكن الجمع بينهما وذلك على ضربين: أحدهما: أن يظهر كون أحدهما ناسخًا والآخر منسوخًا، فيعمل بالناسخ ويترك المنسوخ، والثاني: ألا تقوم دلالة على أن الناسخ أيهما والمنسوخ أيهما، فيفزع إلى الترجيح، ويعمل بالأرجح منهما والأثبت، كالترجيح بكثرة الرواة أو بصفاتهم في خمسين وجهًا من وجوه الترجيحات وأكثر.

ولتفصيلها موضع غير ذا -والله سبحانه أعلم-“. انتهى كلام أبي عمرو عثمان بن الصلاح -رحمه الله- في (مقدمة ابن الصلاح) في الصحيفة الثالثة والأربعين ومائة، وانظر أيضًا (تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي)، الجزء الثاني الصحيفة السابعة والتسعون ومائة، إلى الصحيفة الثامنة والتسعين ومائة.

ثانيًا: منهج جمهور الأصوليين:

رتب جمهور الأصوليين قواعد دفع التعارض الظاهري بين الأدلة الشرعية عند الاستعمال، على الترتيب الآتي:

  1. الجمع.
  2. الترجيح.
  3. النسخ.
  4. التساقط. أي: كل منهما يسقط الآخر، فلا يحتج بهما جميعًا، كأن الدليلين غير موجودين، ونرجع إلى البراءة الأصلية.

انظر (التعارض والترجيح بين الأدلة الشرعية)، الجزء الأول الصحيفة السادسة والستون ومائة، إلى الصحيفة السابعة والستين ومائة.

ثالثًا: منهج الحنفية:

رتب مذهب السادة الحنفية قواعد دفع التعارض الظاهري، بين الأدلة الشرعية عند استعمالها على الترتيب الآتي:

  1. النسخ. إن علم تاريخ الدليلين المتعارضين.
  2. الترجيح.
  3. الجمع.
  4. ترك العمل بالدليلين.

انظر (التعارض والترجيح بين الأدلة الشرعية)، الجزء الأول الصحيفة الواحدة والسبعون ومائة.

وبعد أن فرغنا من الكلام على بيان مناهج العلماء في ترتيب المسالك الثلاثة، وهي الجمع والنسخ والترجيح، عند استعمالها في دفع التعارض الظاهري بين الأحاديث؛ أتكلم الآن عن آخر جزئية في هذا الموضوع، وهي الموازنة بين المناهج الثلاثة، أي بين منهج المحدثين ومنهج جمهور الأصوليين ومنهج الحنفية -رحمة الله تعالى عليهم جميعًا- فأقول:

تلخيص الموازنة بين المناهج الثلاثة:

يتفق الأصوليون مع المحدثين في استعمال قاعدة الجمع أولًا، لكنهم يخالفون المحدثين في جعل النسخ قاعدة ثالثة، وأما المحدثون فالنسخ عندهم هو القاعدة الثانية، ويسمي الأصوليون عدم العمل بالدليلين تساقطًا، وتورع المحدثون فتوقفوا عن العمل بالحديثين.

ولا ريب أن التوقف خير من التساقط، وإن كان المآل واحدًا، مع ما سبق التنبيه عليه، أنه لا يوجد مثال واقعي حقيقي في تعارض حديثين تعارضًا حقيقيًّا، أو في تعارض آيتين تعارضًا حقيقيًّا، وإنما هو مسألة نظرية عقلية افتراضية لا نصيب لها في الواقع ونفس الأمر، فينبغي أن نتذكر هذا التنبيه دائمًا؛ لأن القرآن كما سبق بيانه، يصدق بعضه بعضًا والحديث كذلك يصدق بعضه بعضًا، وخالف الحنفية المحدثين وجمهور الأصوليين، فقدموا النسخ وثنوا بالترجيح وثلثوا بالجمع. وخير المناهج منهج المحدثين، فمنهج جمهور الأصوليين، فمنهج الحنفية -رحمة الله تعالى على جميع العلماء.

error: النص محمي !!