Top
Image Alt

منزلة السُّنّة بالنسبة للكتاب في التشريع، والمذاهب في ذلك

  /  منزلة السُّنّة بالنسبة للكتاب في التشريع، والمذاهب في ذلك

منزلة السُّنّة بالنسبة للكتاب في التشريع، والمذاهب في ذلك

المذهب الأول: أنّ السّنّة قاضية على الكتاب: تُقيِّد مُطلَقه، وتُخصِّص عامّه، وتُبيِّن مُجمَله، وتُوضِّح مُشكَله، إلى غير ذلك… وعلى هذا جمهور السّلف، منهم سعيد بن جبير، والأوزاعيّ، ومكحول، ويحيى بن أبي كثير، وغيرهم…

المذهب الثاني: أنّ السّنّة مبيِّنة للكتاب، بمعنى أنها تَشرحُه وتوضِّحه؛ ولعلّ المراد هنا: أنها تقتصر على مجرَّد البيان والتّوضيح، فهي راجعة إلى الأوّل داخلة فيه، أو أنها مقصورة على هذا الجانب، بينما الأولى قد تستقلّ بالتشريع؛ فعلى هذا تكون في مرتبة أقلّ مِن الأولى.

المذهب الثالث: أنّ السّنّة في المرتبة الثانية بعد الكتاب. وأشهر مَن قال به: الشاطبيّ قديمًا في (الموافقات)، وتابعه على هذا جمْع مِن المُتأخِّرين، مثل: عبد العزيز الخولي، وعلي حسب الله، والسايس، وغيرهم…

والقول الراجح عند الأكثر هو: أنّ السّنّة قاضية على الكتاب، وأنها تأتي بأحكام وتشريعات لمْ يأْتِ بها القرآن.

ومِن الأدلة والأمثلة على استقلال السّنّة بالتشريع: ما ذكره الإمام ابن القيم -رحمه الله- في كتابه (إعلام الموقّعين)، حيث قال: “والسّنّة مع القرآن على ثلاثة أوجه:

الأول: أن تكون موافقة له مِن كلّ وجْه، فيكون توارد القرآن والسّنّة على الحُكم الواحد مِن باب توارد الأدلّة وتضافرها.

الثاني: أن تكون بيانًا لِما أريد بالقرآن وتفسيرًا له.

الثالث: أن تكون موجِبة لِحُكم سكَت القرآن عن إيجابه، أو مُحرِّمة لِما سكَت عن تحريمه؛ ولا تخرج عن هذه الأقسام. فلا تُعارضُ القرآنَ بوَجْه ما؛ فما كان منها زائدًا على القرآن، فهو تشريع مبتدَأ مِن النبي صلى الله عليه وسلم تجب طاعته فيه، ولا تَحلّ معصيته. وليس هذا تقديمًا لها على كتاب الله، بل امتثال لِما أمَر الله به مِن طاعة رسوله. ولو كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يُطاع في هذا القِسم، لم يكن لطاعته معنًى، وسقطت طاعته المختصّة به؛ وإنه إذا لمْ تَجبْ طاعته إلاّ فيما وافق القرآن لا فيما زاد عليه، لم يكُن له طاعة خاصّة تختصّ به، وقد قال الله تعالى: {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا} [النساء: 80]، وكيف يُمكن أحدًا مِن أهل العلْم أنْ لا يَقْبَل حديثًا زائدًا على كتاب الله؟ فلا يَقبل حديث تحريم المرأة على عمّتها ولا على خالتها، ولا حديث التّحريم بالرضاعة لكلِّ ما يَحرم مِن النّسب، ولا حديث خِيار الشّرط، ولا أحاديث الشُّفعة، ولا حديث الرّهن في الحضر -مع أنه زائد على ما في القرآن- ولا حديث ميراث الجَدّة، ولا حديث تَخيِير الأمَة إذا عُتقت تحت زوجها، ولا حديث منْع الحائض مِن الصوم والصلاة، ولا حديث وجوب الكفّارة على مَن جامَع في نهار رمضان، ولا أحاديث إحداد المتوفَّى عنها زوجها -مع زيادتها على ما في القرآن مِن العِدّة.

فهلّا قُلتُم: إنها نَسْخ للقرآن، وهو لا يُنسَخ بالسّنّة. وكيف أوجبْتُم الوتر -مع أنه زيادة محضة على القرآن- بخبَر مختلَف فيه؟ وكيف زِدتُم على كتاب الله فجوَّزتم الوضوء بنبيذ التمر بخبَر ضعيف؟ وكيف زِدتم على كتاب الله فشرطْتم في الصَّداق أنْ يكون أقلّه: عشرة دراهم، بخبَر لا يصحّ البتّة، وهو زيادة محضة على القرآن؟ وقد أخذ الناس بحديث: ((لاَ يَرِث المسلمُ الكافرَ، ولا الكافرُ المُسلمَ))، وهو زائد على القرآن. وأخذوا كلُّهم بحديث توريثه صلى الله عليه وسلم بنتَ الابن السُّدس مع البنت، وهو زائد على ما في القرآن.

وأخذ الناس كلّهم بحديث استبراء المَسبيّة بحيضة، وهو زائد على ما في كتاب الله. وأخذوا بحديث: ((مَن قَتَل قَتيلًا، فلَهُ سَلَبُه))، وهو زائد على ما في القرآن مِن قِسمة الغنائم. وأخذوا كلهم بقضائه الزائد على ما في القرآن، مِن أنّ أعيان بني الأبوَيْن يتوارثون دون بني العِلاّت: الرجل يرث أخاه لأبيه وأمِّه دون أخيه لأبيه. ولو تتبّعْنا هذا لطال جدًّا… فسُنن رسول الله صلى الله عليه وسلم أجلّ في صدورنا وأعظمُ وأفرضُ علينا أنْ لا نَقبَلها إذا كانت زائدة على ما في القرآن، بل على الرأس والعينيْن. وكذلك فُرض على الأمّة الأخذ بحديث القضاء بالشّاهد واليمين، وإن كان زائدًا على ما في القرآن؛ وقد أخذ به أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وجمهور التابعين والأئمة” -إلى أن قال-: “بل أحكام السّنّة التي ليست في القرآن -إن لم تكن أكثر منها- لم تنقص عنها؛ فلو ساغ لنا ردّ كلّ سُنّة زائدة كانت على نص القرآن، لبطلت سُنن رسول الله صلى الله عليه وسلم كلّها، إلاّ سنّة دلّ عليها القرآن؛ وهذا هو الذي أخبَر النبي صلى الله عليه وسلم بأنه سيقع، ولا بدّ مِن وقوع خبَره”.

وقال الإمام الشافعيّ -رحمه الله- في كتابه (الرسالة): “وسُنن رسول الله مع كتاب الله وجهان:

الأول: نصّ كتاب، فاتّبعه رسول الله كما أنزل الله.

الثاني: جُملة، بَيَّن رسول الله فيه عن الله معنى ما أراد بالجملة، وأوضح كيف فرضها: عامًّا أو خاصًّا، وكيف أراد أن يأتيَ به العباد. وكلاهما اتّبع فيه كتاب الله”. قال: “فلم أعلَمْ من أهل العلْم مخالِفًا في أنّ سُنن النبي من ثلاثة وجوه، فاجتمعوا منها على وجهيْن.

والوجهان يجتمعان ويتفرّعان:

أحدهما: ما أنزل الله فيه نصَّ كتاب، فبيّن رسول الله صلى الله عليه وسلم مثْل ما نصّ الكتاب.

الثاني: ممّا أنزل الله فيه جملةَ كتاب، فبيّن عن الله معنى ما أراد.

وهذان الوجهان اللّذان لم يختلفوا فيهما.

الثالث: ما سَنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما ليس فيه نصّ كتاب”.

وقال الحافظ أبو عمر ابن عبد البر: “البيان منه صلى الله عليه وسلم على ضربيْن:

الأول: بيان المُجمَل في الكتاب العزيز، كالصلوات الخمْس في مواقيتها، وسجودها، وركوعها، وسائر أحكامها، وكبيانه للزكاة، وحدِّها، ووقتها، وما الذي تؤخذ منه الأموال، وبيان مناسك الحجّ؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذْ حجّ الناس: ((خُذوا عنِّي مناسكَكُم!)).

الثاني: زيادة على حُكم الكتاب، كتحريم نكاح المرأة على عمّتها وخالتها، وكتحريم الحُمُر الأهليّة، وكلِّ ذي ناب من السِّباع، إلى أشياء يطول ذكْرها…

وقد أمر الله عز وجل بطاعته واتّباعه أمْرًا مُطلقًا مُجملًا، لم يُقيَّد بشيء، كما أمَرنا باتّباع كتاب الله، ولم يَقُل: ما وافق كتاب الله، كما قال بعض أهل الزيغ”.

error: النص محمي !!