Top
Image Alt

منهج ابن حبان في كتابه (معرفة المجروحين من المحدثين) وبعض مَن ترجم لهم، وما أُخِذ عليه

  /  منهج ابن حبان في كتابه (معرفة المجروحين من المحدثين) وبعض مَن ترجم لهم، وما أُخِذ عليه

منهج ابن حبان في كتابه (معرفة المجروحين من المحدثين) وبعض مَن ترجم لهم، وما أُخِذ عليه

ابن حبان -رحمه الله- كما ذكرنا له كتاب في الثقات، وله كتاب في المجروحين، ويسمي كتابه في المجروحين (معرفة المجروحين من المحدثين).

وقد كتب ابن حبان له مقدمة نفيسة رائعة.

والكتاب مطبوع في ثلاثة مجلدات، والمقدمة النفيسة التي أشرنا إليها استغرقت أكثر من تسعين صفحة في الكتاب المطبوع، تناول فيها أهمية معرفة الضعفاء، وجواز الجرح، وضرورة الحفاظ على السنة ونشرها وتبليغها، وبيان تغليظ الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم وبيان الضعفاء وحالهم من صيانة السنة، وأن جَرح الضعفاء أمر مشروع لجواز الجرح، وبيان التدقيق في أخذ الأحاديث واجتهاد الصحابة في حفظ السنن وسؤالهم عن الرجال، وبيّن من سلك مسلكهم في الحفاظ على السنة من الأتباع وأتباعهم، وذكر الزهري ومالكًا وشعبة وسفيان الثوري ويحيى بن سعيد القطان وابن مهدي وأحمد بن حنبل وابن معين وعلي بن المديني والبخاري… إلى آخره.

وذكر أنواع المجروحين الذين تنوعت فيهم أسباب الجرح: فأول الأنواع الزندقة التي تعني الكفر، والثاني: الصالحون الذين شغلتهم العبادة عن العلم والحفظ، ثم الكَذَبة الفَجَرة، الذين يضعون الأحاديث على الرسول استحلالًا وجرأةً، وذكر منهم أبا البختري وهب بن وهب وغيرهم، والذين يضعون الأحاديث تقربًا للسلطة، وهذا نوع آخر مثل: غياث بن إبراهيم، والمغفلون الذين لا يحفظون ولا يميزون بين الروايات، فيقلبون الأسانيد ويرفعون المسند؛ منهم: يزيد بن أبان، وغيره، والمختلطون: مثل الليث بن أبي سليم، ومن كان يجيب عن كل سؤال، ومن كان يكذب ولا يعلم أنه يكذب؛ لأن علم الحديث ليس من صناعته… إلى آخره.

ثم بعد أن يفرغ من ذكر الأنواع العشرين يشرع في التراجم.

يقول مثلًا: “أشهل بن حاتم أبو حاتم، وقد قيل: أبو عمرو مولى بني جُمَح”.

فذكر اسمه واسم أبيه وذكر كنيته أنها أبو حاتم، وحتى ذكر الاختلاف في الكنية أبو عمرو، وبين أنه من موالي بني جمح.

“من أهل البصرة، يروي عن ابن عون”، فذكر شيخه.

“روى عنه البصريون، في حديثه أشياء انفرد بها، كأنه يخطئ، حتى خرج عن حد الاحتجاج به إذا انفرد”. فيبين الرأي فيه أنه إذا انفرد فقط لا يقبل، أما إذا لم ينفرد فكأنه يقبله إذا وافقت روايته روايات الآخرين.

فعناصر ترجمته نلخصها في أنه يذكر اسمه واسم أبيه وكنيته، وأخيانا الاختلاف في الكنية، ويبين حاله، ويذكر حديثًا من أحاديثه التي أُخِذت عليه، ويبين من خلالها الحكم عليه أنه يهم أو يكذب أو يضع، ويستعين بأقوال العلماء.

كتاب (المجروحين) لابن حبان من المصادر المهمة جدًّا في معرفة الضعفاء، ولو لم يكن في الكتاب إلا مقدمته لكفاه.

ولكن بعض العلماء عابوا عليه أنه جريء جدًّا في التجريح، وأحيانًا يجرح الثقات.

وابن حجر مثلا في (هدي الساري) في ترجمة سالم الأفطس يقول: “سالم بن عجلان الأفطس الجزري، مولى بني أمية، وثّقه أحمد والعجلي وابن سعد والنسائي والدارقطني وغيرهم”، إلى أن قال: وأفرط ابن حبان فقال: كان مرجئًا يقلب الأخبار وينفرد بالمعضلات عن الثقات. إلى أن قال: ولم يستطع ابن حبان أن يورد له حديثًا واحدًا. إذًا أشد ما أخذوه على ابن حبان في كتابه (المجروحين) أنه يذكر فيه أسامي الثقات، بالإضافة إلى أنه مسرف في الجرح حتى اعتبروه من المتشددين في الجرح، رغم أنه معدود من المتساهلين في التوثيق؛ لدرجة أن هذا الجمع بين المتناقضين شكَّل مشكلة لبعض العلماء، فقال: كيف يوصف بالتساهل في التوثيق وبالشدة في الجرح، فمنهم من قبل هذا الوصف، ومنهم من توقف فيه، ومنهم من حاول أن يبرره، لكن على كل حال هو شديد في تجريحه، ولعل سبب شدته أنه غيور على سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو المنهج الذي علمنا إياه القرآن الكريم والسنة المطهرة وسلف الأمة أن كلًّا يؤخذ من قوله ويرد إلا الرسول صلى الله عليه وسلم؛ فإنه معصوم بالوحي من الله تبارك وتعالى.

error: النص محمي !!