Top
Image Alt

منهج الإمام الشافعي في كتابه (اختلاف الحديث)

  /  منهج الإمام الشافعي في كتابه (اختلاف الحديث)

منهج الإمام الشافعي في كتابه (اختلاف الحديث)

منهج الإمام الشافعي -رحمه الله تعالى- المتوفى سنة أربع ومائتين من الهجرة، في كتابه (اختلاف الحديث):

مقصود الشافعي من تأليف هذا الكتاب:

قصد الإمام الشافعي أن يسوق في كتابه أمثلة عديدة للأحاديث، التي تتعارض ظواهرها وكيفية التوفيق بينها؛ لينبه بما ذكره على ما لم يذكره؛ ليسلك الناظر في كل حديثين متعارضين مسلكه الذي سلكه، وعليه فلم يقصد استيعاب جمع الأحاديث المتعارضة بأسرها في كتابه، كما صرح بهذا الإمام النووي في (التقريب والتيسير لمعرفة سنن البشير النذير) فقال: صنف فيه الإمام الشافعي، ولم يقصد -رحمه الله- استيفاءه، بل ذكر جملة ينبه بها على طريقه. انتهى كلامه في (تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي)، الجزء الثاني الصحيفة السادسة والتسعون ومائة.

وواضح من كلام الإمام النووي، أن الإمام الشافعي لم يقصد بكتابه هذا استيعاب جميع الأحاديث المختلفة، إنما جمع جملة منها بلغت جملة نصوصها مائتين وثلاثة وخمسين حديثًا، ورتبها على ستة وستين بابًا من الأبواب الفقهية، وطبع الكتاب على هامش الجزء السابع من كتاب (الأم)، في مطبعة بولاق مصر، سنة خمس وعشرين وثلاثمائة وألف من الهجرة.

وطبع ملحقًا بكتاب (الأم) بتحقيق محمد زهري النجار، وعدد صفحاته ثلاث وتسعون صفحة، وطبع مفردًا في دار الكتب العلمية في بيروت لبنان، الطبعة الأولى سنة ست وأربعمائة وألف من الهجرة، تحقيق الأستاذ محمد أحمد عبد العزيز، وعدد صفحاته ستة وأربعون ومائتا صفحة.

منهج الشافعي في عرض القضايا:

يتلخص منهج إمامنا الشافعي -رحمه الله ورضي عنه- في كتابه (اختلاف الحديث) في المعالم الآتية:

أولًا: افتتح الإمام الشافعي كتابه بمقدمة نفيسة مطولة، في خمس عشرة ورقة، أي في ثلاثين صفحة انتظمت العناصر الآتية:

أ. منزلة السنة النبوية من القرآن الكريم، ومكانتها في التشريع الإسلامي، وأنها مبينة للقرآن الكريم ومجلية لأحكامه وتشريعاته، وذكر الأدلة على ذلك، كقوله تعالى في سورة النحل في الآية الرابعة والأربعين: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذّكْرَ لِتُبَيّنَ لِلنّاسِ مَا نُزّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلّهُمْ يَتَفَكّرُونَ} [النحل: 44].

ب. حجية خبر الآحاد، وساق الأدلة على حجيته، كتحول الناس في أثناء صلاتهم من بيت المقدس إلى الكعبة المشرفة، عندما جاءهم صحابي واحد، قال لهم: أشهد أنني صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل البيت فداروا كما هم.

ومنها أيضًا كسر الصحابة جرار الخمر، لما أخبرهم صحابي واحد أن الخمر قد حرمت، ومن ذلك أيضًا بعثه صلى الله عليه وسلم عماله ورسله واحدًا واحدًا؛ لتبليغ الدين وإقامة الأحكام والشريعة.

ج. ذكر الشافعي الشواهد على تبيين السنة للكتاب، كمواقيت الصلاة المأمور بها في القرآن الكريم، وصفة الوضوء ومقادير الزكوات وأنصبتها، وصفة الحج ومواقيته وشعائره، وغير ذلك مما يطول حصره واستقصاؤه.

د. ونبه الشافعي إلى خطأ من زعم أن السنة تعرض على القرآن الكريم، فإن وافقت ظاهره وإلا استعملنا ظاهر القرآن وتركنا الحديث، فبين الإمام الشافعي أن هذا القول يدل على جهل منتحله ومدعيه.

هـ. وختم المقدمة بالتوطئة لمختلف الحديث، فذكر أن الأحاديث منها العام الذي أريد به العام، ومنها العام الذي أريد به الخاص، وأشار الشافعي إلى قاعدة الجمع بقوله: كل ما احتمل حديثان أن يستعملا معًا استعملا معًا، ولم يعطل واحد منهما الآخر. انتهى كلامه -رحمه الله- في (اختلاف الحديث)، الصحيفة التاسعة والثلاثون إلى الصحيفة الأربعين.

وتكلم عن قاعدة النسخ والأمور التي يعرف بها النسخ، وقاعدة الترجيح، وأشار إلى الترجيح بقوله: ومنها ما لا يخلو من أن يكون أحد الحديثين أشبه بمعنى كتاب الله، أو أشبه بمعنى سنن النبي صلى الله عليه وسلم مما سوى الحديثين المختلفين أو أشبه بالقياس، فأي الأحاديث المختلفة كان هذا فهو أولاهما عندنا أن يصار إليه.

ثم ختم المقدمة بقوله: وجماع هذا ألا يقبل إلا حديث ثابت، كما لا يقبل من الشهود إلا من عرف عدله، فإذا كان الحديث مجهولًا، أو مرغوبًا عمن حمله، كان كما لم يأت؛ لأنه ليس بثابت. انتهى كلامه الإمام الشافعي في كتاب (اختلاف الحديث)، الصحيفة الأربعون.

ثانيًا: يبتدئ الباب بذكر ترجمته المتضمنة للموضوع، الذي جاءت به الأحاديث المتخالفة، كقوله: باب القراءة في الصلاة، باب التشهد، باب القصر والإتمام في السفر في الخوف وغير الخوف.

ثالثًا: يروي الأحاديث بأسانيدها منه إلى النبي صلى الله عليه وسلم مما يجعل كتابه هذا مصدرًا أصليًّا من مصادر كتب الحديث الشريف، ذات الأسانيد العالية، فقد توفي الإمام الشافعي سنة أربع ومائتين.

رابعًا: إذا فرغ من إيراد الأحاديث، التي يوهم ظاهرها التعارض بأسانيدها غالبًا بين سبب ذكره لها وطريق الجمع بينها؛ ليصل إلى التأكيد على ألا تعارض بين الأحاديث في الواقع ونفس الأمر، وأنها مؤتلفة غير مختلفة، وأن كل حديث منها له موضع إذا علم اندفع التعارض وارتفع التضاد.

خامسًا: إذا فرغ من ذلك، فربما عقد فصلًا بعنوان: باب الخلاف في ذلك، وهذا يفعله عقب بعض الأبواب لا عقب كل باب، ويذكر فيه مذهب المخالف له، ويقول الشافعي مثلًا: فخالفنا بعض أهل ناحيتنا فقال وبقوله أحيانًا: وخالفنا بعض الناس فقال، وأمثال هذه العبارات، وما يذكره في هذه الأبواب هو فقه مقارن، ومناظرات فقهية ومجادلات علمية، ولهذا استكثر الشافعي من عبارة “قال وقلت”.

– طريقة الإمام الشافعي في دفع التعارض بين الأحاديث: هي نفس منهج المحدثين الذي يتبع فيه الترتيب الآتي:

  1. البداءة بالجمع إذا أمكن؛ لأن فيه إعمالًا للحديثين معًا، دون طرح واحد منهما.
  2. النسخ: إذا تحققت أدلته، وحينئذ أخذ بالناسخ وترك المنسوخ.
  3. الترجيح: إذا تعذر الجمع والنسخ، فيرجح أحد الحديثين إذا كان أشبه بكتاب الله، أو بمعاني سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أو أشبه بالقياس.

صفة ترتيب كتاب (اختلاف الحديث) للإمام الشافعي:

رتب أحاديث الكتاب على الأبواب الفقهية، لكن بغير الترتيب المعروف في كتب الفقهاء، ولعله أملاه شيئًا بعد شيء ولم يحرر ترتيبه، وخذ مثلًا في الصحيفة الثامنة والخمسين، باب قتل الأسارى والمفاداة بهم والمن عليهم، وبعده مباشرة في الصحيفة التاسعة والخمسين، باب الماء من الماء.

وفي الصحيفة التاسعة والسبعين ومائة، باب خطبة الرجل على خطبة أخيه، وبعده مباشرة في الصحيفة الثانية والثمانين ومائة، باب الصوم لرؤية الهلال والفطر له، وبعده مباشرة في الصحيفة الرابعة والثمانين ومائة، باب نفي الولد.

ويمكن لمحقق الكتاب أن يصنع له فهرسًا، يلتزم فيه ترتيب كتب المذهب الشافعي؛ لييسر على المراجع للكتاب الانتفاع به.

ميزات كتاب (اختلاف الحديث) للإمام الشافعي:

تميز كتاب (اختلاف الحديث) للإمام الشافعي بما ظهر لي بالميزات التالية:

الأولى: أنه كتاب مفرد في مختلف الحديث خاصة، ولم يخلطه بمشكل الحديث، فأحاديثه تختص بمختلف الحديث، وهذه قمة الموضوعية في التأليف والتصنيف.

الميزة الثانية: غالب أحاديث الكتاب مسندة، ولا ريب أن الإسناد روح الحديث، وحديث بلا إسناد كسطح بلا درج، وهل يرقى السطح بغير درجه؟! وبلغت جملة عدد ما في الكتاب من الأحاديث المرفوعة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم نحوًا من مائتين وثلاثة وخمسين حديثًا أودعها ستة وستين بابًا.

الميزة الثالثة: الكلام على الأحاديث ببيان عللها ونقدها وتمحيصها، وبيان درجاتها وطرقها وشواهدها، وذلك على وجه الاختصار، كقوله في الباب الذي يلي باب صلاة كسوف الشمس والقمر هو من وجه منقطع، ونحن لا نثبت المنقطع على وجه الانفراد، ووجه نراه والله أعلم غلطًا، (اختلاف الحديث) الصحيفة التاسعة والثلاثون ومائة.

الميزة الرابعة: ذكر الأحاديث الواردة في الباب، وبعبارة أخرى لا يقتصر الشافعي على إيراد الحديثين المتعارضين فحسب، بل يضم إليهما الأحاديث المتعلقة بالموضوع، من شواهد لكل من الحديثين المتعارضين.

يقول الأستاذ الدكتور أسامة بن عبد الله خياط: لا ريب أن مثل هذا الصنيع يقدم للباحث خدمة كبرى ومعونة عظمى، حيث إنه يجمع أمام ناظريه كل أو جل ما يتصل بالقضية من أخبار وآثار، مما يوسع دائرة الفهم والاستيعاب، ويعين على تخير أقوى الأقوال وأولاها بالقبول.

ولما كان الأمر كذلك، لم يكن عجبًا أن يبلغ عدد الأحاديث، التي يوردها الشافعي -رحمه الله- في الباب ثمانية أحاديث، كما في باب الصيام والفطر في السفر، وسبعة أحاديث كما في باب الماء من الماء، وستة أحاديث كما في باب صوم عاشوراء، (مختلف الحديث) الصحيفة الخامسة والأربعون وثلاثمائة.

الميزة الخامسة والأخيرة فيما ظهر لي: يتميز أسلوب الكتاب بالأسلوب الرصين القوي المعبر عن المعاني بالألفاظ الواضحة، الذي يتقاطر فصاحة وبلاغة، كسائر الأساليب البليغة التي عرف بها الإمام الشافعي، فالإمام الشافعي حجة في لغة العرب، تؤخذ اللغة من فمه الشريف -رحمه الله- وبل بالمغفرة ثراه وجعل الجنة متقلبه ومثواه آمين.

error: النص محمي !!