Top
Image Alt

منهج الباطنية في الدعوة إلى مذهبهم

  /  منهج الباطنية في الدعوة إلى مذهبهم

منهج الباطنية في الدعوة إلى مذهبهم

من الطبيعي إذًا أن تكون هذه العقيدة الباطلة، التي اعتقدها هؤلاء الباطنيون تدفعهم دفعًا إلى سلوك أيضًا غير سليم وغير مستقيم، ولذلك كان لهم منهج عجيب في تناول أمور العقيدة، وقد اقتبسوا من أساليب الرمزية الفارسية والمادية اليهودية ما أصبح لهم منهج مستقر، في دعوة الناس إلى الإقبال على ما يعتقده هؤلاء الباطنيون.

ومن ثم كان لا بد أن يكون المنهج في الدعوة للباطنية ترجمة أمينة، تحقق ما يصبو إليه الباطنيون، ومن هنا فقد رأينا العجب التنظيمي في قواعد وأساليب الدعوة الباطنية، مما يتأكد معه تمامًا افتراق المنهج الباطني والباطنيين جميعًا عن ساحة الدعوة الإسلامية.

فبينما الدعوة إلى الله في الإسلام تكون على بصيرة وحكمة وسماحة، وبغير تعقيد في الممارسة أو في الطقوس، والناس جميعًا يستوون فيها -أعني في الدعوة الإسلامية- طالما أنهم أهل للمسئولية، إلا أن القواعد الباطنية في الدعوة لمذهبهم تخالف ذلك، وهي بلا شك قد اعتمدت على أساليب تختلف تمام الاختلاف عما جاء به الإسلام، ولذلك سلكوا في دعوتهم إلى مذهبهم مسالك شتى، لا بد أن نبينها لطالب العلم هنا، وهذه المسالك كانوا يعملون فيها بالتدريج، وكانوا ينتقلون فيها من مسلك إلى آخر، وهذه المسالك هي:

الأول: “التفرس والخداع”، ومعنى هذه الخاصية أو القاعدة في المنهج الباطني أن يكون الداعي للباطنية ذكيًّا فطنًا متفرسًا، على درجة عالية من القدرة على الخداع، ولا بد له أن يميز بين من يطمع فيه ويوثق بلينه حتى يقبل ما يلقيه إليه، وأن يكون هذا الداعي ذا حدس وقدرة على التلون، وتغيير الظواهر وردها إلى الباطن، وأن يكون متمتعًا بالقدرة التي تعاونه على دعوة كل واحد ممن يختار بما يصلح له؛ ليقبل عليه وينضوي في العمل الباطني معه. ولذلك نجد أن هؤلاء لا يوجد عندهم بأس أبدًا أن يتوجهوا في دعوة الشيعي عن طريق التشيع، وأن يأتوا إلى الزاهد عن طريق الزهد، وأن يأتوا إلى الماجن عن طريق المجون، وهذا هو معنى التفرس والخداع عندهم، وهو منهج من مناهجهم ووسيلة من وسائلهم في الدعوة إلى مذهبهم.

الثاني: “التأنيس”، والمعنى المراد من ذلك هو أن يكون الداعي لمذهبهم متلونًا في الممارسة، متغيرًا في أساليب الدعوة الباطنية، ينطلق من خلال حيلة التأنيس، إلى أن يوافق في دعوته من يحب أن يدعوه إلى الدخول في الباطنية، فيوافقه على ما هو عليه حتى يأنس به، وإذا أنس به لا شك أنه سيدخل معه في مذهبه.

الثالث: “التشكيك”، فهؤلاء الباطنيون كانوا يستدرجون المدعو إلى مرحلة التأنيس أولًا، ثم بعد ذلك يبدءون في حيلة أخرى ومنهج آخر، ألا وهو التشكيك، وذلك بعد أن يأنس المستجيب لدعوة الباطنية، فيبدأ الداعي الباطني في مرحلة تغيير عقيدته، وذلك بإثارة أسئلة حول بعض الأمور الشرعية التي لا علة لها إلا حكمة التعبد، والامتثال لأمر الله تعالى. فيأتي الداعي الباطني، ويسأل هذا الذي يحب أن يدخله في الباطنية مشككًا إياه، فيسأله عن أمور في غالب الأمر لا يكون هو من الذين يملكون الإجابة عليها، وليس مزودًا بالزاد الإسلامي الذي يمكنه أن يرد عليها، ويبدأ معه بالسؤال عن المتشابهات وأوائل السور، ولم هي هكذا، ثم يسأله بعد ذلك أسئلة محددة. مثل: ما بال الحائض تقضي الصوم دون الصلاة؟ وما بال أبواب الجنة ثمانية وأبواب النار سبعة؟ وغير ذلك مما يمكن أن يقع فيه المسلم -غير المحصن بأحكام الدين وتقواه- في مزالق شيطانية، تسلمه إلى ما يبتغي الباطنية من أهداف وغايات، حتى يجردوه من عقيدته بعد تشكيكه.

الرابع: “التعليق”، فكل الأعمال التنظيمية السرية في بادئ أمرها حين تجند عناصر ونماذج، تؤهلهم لعضويتها، نجد أنهم يعلقون عضوية هذا العضو الذي جندوه، تمهيدًا لربطه بالجماعة الباطنية، وذلك بعد أن يكون قد دخله الشك والريب في أمور عقيدته، واهتز سكون نفسه، وهذا منهم دليل على أنهم يحاولون ألا يطلعوا أحدًا على منهجهم الفاسد الباطل، إلا بعد أن يصل إلى مرحلة تمكنه أن يقبل ما هم عليه، وأن يتنازل عن دينه، ومن هنا استخدموا حيلة التعليق.

الخامس: “الربط”، وهي تأتي بعد حيلة تعليق العضو؛ لأن العضو بعد أن يعلَّق تنتابه الحيرة وتفترسه الشكوك، وتكون حاجته إلى حماية الباطني قوية، فتجيء مرحلة الربط وهي أخذ العهود والمواثيق من المدعو، وأخذ المال الذي جعلوه على من استجاب لهم، ولهم في ذلك طقوس ويمين وعهد أشبه بطقوس المحافل الماسونية.

سادسًا: “التدليس”، وهذه المرحلة من مراحل العمل الباطني فيها يكون العضو أكثر من مجهز؛ ليقبل الأفكار والمعطيات التي تقدم له، وهنا يوضع أمام من يقول له في كل ما ينظم علاقته بالعمل الباطني: إن أمر الدين ليس بهين ولا مكشوف، وهو سر الله المكتوب وأمره المخزون، ولا ينهض بحمله إلا الإمام المنصور، الذي هو الطريق إلى علم النبي الناطق، وهم بهذا يدلسون عليه.

سابعًا: “التأسيس”، وهذه المرحلة يكون العضو فيها قد أوشك أن يكون باطنيًّا، فتوضع أمامه جملة من القضايا التي لا تنكر في الظاهر ولا تبطل الباطن، فتستدرج المدعو من حيث لا يعلم، عندئذ يطرح عليه بعض ركائز منطلقاتهم، حين يعرفون أن الظاهر قشر وأن الباطن لب، وأن الظاهر رمز وأن الباطن هو المعنى المقصود، ويوردون عليه أشياء هكذا، حتى يجعلونه من المستعدين تمامًا والمتأسسين لقبول هذا المنهج الباطل.

ثامنًا: “الخلع”، وهذه الرتبة القاعدة الثامنة من النهج الباطني في تجنيد العناصر التي يستهدفونها، وهي لا تأتي إلا بعد مرحلة التأسيس، ومعناها عندهم التدرج التنظيمي لعضوية الباطنية: الخلع من الدين، والتعبد بدين الباطنية، بعد أن ينتهجوا معه المسالك التي سبق ذكرها.

تاسعًا: “الانسلاخ”، وهذه المرحلة هي الغاية المستهدفة أصلًا، ولا تأتي إلا بعد المراحل الباطنية التي سبق أن ذكرتها جميعًا، ومعناها أن ينسلخ العضو من عقيدته بالكلية وهي العقيدة الإسلامية الصحيحة؛ ليدخل في العقيدة الباطنية ويترك ملة الإسلام.

error: النص محمي !!