Top
Image Alt

منهج التابعين في تحمل السنة وأدائها، ومظاهر ذلك

  /  منهج التابعين في تحمل السنة وأدائها، ومظاهر ذلك

منهج التابعين في تحمل السنة وأدائها، ومظاهر ذلك

وننتقل بعد هذا إلى منهج التابعين في تحمل السنة وفي أدائها:

وكان هناك حَدَثٌ مهم في حياة المسلمين قبيل وفاة الخليفة عثمان بن عفان رضي الله عنه فقد وقعت الفتنة التي بدأت باستشهاده رضي الله عنه وبعد وفاته كان أهلُها ليس عندهم من الإيمان ما يعصمهم من الكذِب على رسول الله صلى الله عليه وسلم فزادوا في الأحاديث ما يصور بدعهم وأهواءَهم.

قال ابن عباس -مصورًا ذلك: “إنا كنا مرةً إذا سمعنا رجلًا يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ابتدرته أبصارُنا، وأصغينا إليه بآذاننا، فلما ركِبَ الناس الصعب والذلول، لم نأخذ من الناس إلا ما نعرف”. وفي رواية عنه -رضي الله عنه: “إنا كنا نحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ لم يكن يُكذب عليه، فلما ركب الناس الصعب والذلولَ، تركنا الحديث عنه”.

ولهذا فقد كان واجبًا على التابعين أن يزيدوا من حيطتهم وحذرهم وشدتهم؛ حتى يميزوا بين أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وغيرها من الأحاديث التي وضعها الوضَّاعون الذين يريدون نصرةَ ما ذهبوا إليه بالباطل، ولكن هذا الصِّنفَ من الرجال كان قليلًا؛ لقرب العهد من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولشيوع الورَع والتقوى؛ تأسيًا بصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين كان إيمانهم قويًّا رائعًا ظاهرًا في حركاتهم وسكناتهم، وكانت الوسيلةُ لنقل سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم هي الروايةُ، وكان مِعيار صدق الحديث أو وضعه هو صدقُ ناقلِيه أو كذبهم.

ولهذا اهتم التابعون بدراسة الرجال والبحث عَمَّا إذا كانوا عدولًا فيُقبل حديثهم، أو مجرَّحين فلا يقبل منهم ما يروون؛ ومن أجل هذا تكلموا في رواة الأحاديث بما يبين تعديلهم أو تجريحهم.

وممن تكلم في ذلك -على ما يذكره ابن عدي: سعيد بن المسيب، وعطاء بن أبي رباح، والحسن البصري، ومحمد بن سيرين، والشعبي، وابن جبير، وغيرهم، وإن كان كلامهم قليلًا؛ لأن التابعين أكثرهم عدول، ولا يكاد يوجد في القرن الأول الذي انقرض في الصحابة وكبار التابعين ضعيف إلا الواحد بعد الواحد -يعني: إلا الواحد بعد الواحد من التابعين- كما أنهم لم يقبلوا الحديثَ إلا عن ثِقة عُرِفَ بالعدالة، وإلى جانب نقد الرجال كان هناك الاهتمامُ بالأسانيد التي -كما قلنا- نشأت منذ عهد الرسول صلى الله عليه وسلم بتوجيهه إلى الصحابة. التزموا الإسنادَ الذي يبين لهم الرجال، فيلتقون بهم أو يسألون عنهم فيقفون على حالهم من حيث الصدق، والضبط، والعدالة.

ومن هذا ما يرويه الإمام مسلم بسنده عن عبد الله بن الصامت، عن أبي ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن بعدي من أمتي…)) الحديث. قال ابن الصامت: “فلقيت رافع بن عمرو الغفاري أخا الحكم الغفاري، قلت: ما حديث سمعته من أبي ذر كذا، فذكرت له هذا الحديثَ، قال: وأنا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم”.

ويُبين الإمام ابن سيرين السرَّ وراء الاهتمام بالإسناد، فيقول: لم يكونوا يسألون عن الإسناد، فلما وقعت الفتنة قالوا: سَمُّوا لنا رجالكم، فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثُهم، وينظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم.

أيضًا اهتم التابعون بالحفظ والسماع والتثبت في الأداء مع نقد الرجال والاهتمام بالإسناد، وقد اقتدوا بالصحابةِ رضي الله عنهم في الحَيْطة مع أنفسهم في رواية الأحاديث ومع الآخرين، فلم يجيزوا لأنفسهم أن يتلقوا الحديثَ من غير أن يكونوا متثبتين في أدائه، ومتأكدين أنهم لن يحرفوه عن وجهه، أما مع الآخرين فقد أحصوا أخطاءَ الرواة؛ ليعرفوا حقيقة ما يروُون بمقارنته بغيره.

ويَقُول الإمام الشعبي: والله لو أصبت تسعًا وتسعين مرةً وأخطأت مرةً، لعدوا عليَّ تلك الواحدة.

أيضًا اقتدى التابعون بالصحابة في نقد متون الحديث، وكانت لهم نظرات في متن الحديث وتوثيقه بعيدًا عن السند، وسواء أكانوا على صواب أو على غير صواب، فالذي يهمنا هنا هو رصدُ هذه الظاهرة – نقد متون الحديث- لأن المحدثين والمسلمين ظُلموا من أعدائهم في أنهم كانوا يهتمون بالأسانيد دون المتون.

كان إبراهيم النخعي -مثلًا- يترك بعض أحاديث أبي هريرة ويبرر ذلك بفعل بعض الصحابة وموقفهم من هذه الأحاديث، وكان يقول: كانوا يأخذون من حديث أبي هريرة ويدعون -يعني: الصحابة- ولو كان ولد الزنا شر الثلاثة لما انتظر بأمه أن تضع، وهو بهذا ينكر حديث أبي هريرة: ((ولد الزنا شر الثلاثة)) يعني: شر من أبيه وأمه، وهم ثلاثة، وقد رده هنا -كما نرى- بالقياس، وروي هذا عن الشعبي.

وقد رد إبراهيم النخعي أيضًا حديث فاطمة بنت قيس، وحديث التغريب للزاني، وحديث الشاهد واليمين؛ لمعارضتها -في رأيه- للقرآن الكريم، كما رد أحاديث القنوت في الفجر، بأنه لو صح لاشتهر عن جَمْع من الصحابة، أي: أنه فيما تعم به البلوى.

وسمع الإمام الشعبي رجلًا يحدِّث عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الله تعالى خلق صورين له، في كل صور نفختان؛ نفخة الصعق ونفخة القيامة، فرده؛ لأنه يتعارض مع القرآن الكريم، وقال لراويه: يا شيخ، اتقِ الله، ولا تحدثن بالخطأ، إن الله تعالى لم يخلق إلا صورًا واحدًا، وإنما هي نفختان؛ نفخة الصعق ونفخة القيامة، وقد فهم هذا من قوله تعالى: {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الأَرْضِ إِلاَّ مَن شَاء اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُم قِيَامٌ يَنظُرُون} [الزمر: 68].

تدوين السنة في عهد التابعين:

ننتقل إلى مظهر من مظاهر المنهج في عهد التابعين، وهو تدوين السنة في عهد التابعين، أو كتابة السنة في عهد التابعين:

كان للتابعين دور في تدوين السنة أو في كتابة السنة لا يقل أهميةً في توثيق الحديث عن دَوْر الصحابة إن لم يزد، وممن كتب الحديث منهم أو أجاز كتابته لحفظه، سعيد بن المسيب، والشعبي، والحسن البصري، وبشير بن نُهيك، وهمام بن منبه، وكثير بن أفلح، وسعيد بن جبير، وعبيدة بن عمرو السلماني، وابن عقيل، ومحمد بن علي أبو جعفر، وأبو المليح عامر بن أسامة بن عمير، وقَتادة بن دعامة السدوسي، وغير هؤلاء كثيرون، ويطول بنا الأمر إن استقرأنا صحف هؤلاء وكتبهم، وما فيها من علم ومن سنة، إلا أننا ننبه إلى أن هؤلاء كانوا همزةَ الوصل بين الصحابة في القرن الأول والمصنفين الأوائل في بداية القرن الثاني، وقد حفظ لنا التاريخ -مثلًا- صحيفة همام بن منبه التي كتبها عن أبي هريرة ونقلها المصنفون بعد ذلك في القرن الثاني وما بعده، وقد نقلها الإمام أحمد بن حنبل في مسنده في مَوْضع واحد وبسند واحد في أول الأحاديث.

وكُتُب أبي قلابة عبد الله بن يزيد الجرمي، انتقلت إلى أيوب السختياني، وأبو قلابة الذي توفي سنة مائة وأربع من الهجرة قد لقي من الصحابة سمرةَ بن جندب، وأنس بنَ مالك، وثابت بن الضحاك، وعمرو بن سلمة، الجرمي وغيرهم، وأرسل عن حذيفة وعائشة. وأيوب الذي توفي سنة مائتين وإحدى وثلاثين، الذي أخذ كتب أبي قلابة ورواها قد تتلمذ عليه من أهل القرن الثاني من المصنفين الأوائل في الحديث شعبة، ومَعمر، والحمادان، والسفيانان، وغيرهم.

وهكذا هيأ هؤلاء التابعون بتدوينهم علم الصحابة المادةَ المكتوبةَ لِمَن تصدوا لتصنيف المؤلفات المدونة الجامعة في الحديث في النصف الأول من القرن الثاني الهجري.

والذي يَهُمّنا هنا هو أن نتعرض لضوابط التدوين كجزء من ضوابط المنهج عند التابعين، فقد وضع التابعون مع هذا التدوين ضوابطه وأسسَه التي تجعل الأحاديث تنتقل به انتقالًا صحيحًا، فلا يعتورها تحريف أو تبديل.

ومن هذه الضوابط: المعارضة والمقابلة حتى يُتلافى ما فيها من أخطاء أثناء النقل، وكذلك عَرْضها على الشيخ حتى يقيمها، وقيل لنافع مولى ابن عمر: “إنهم قد كتبوا حديثًا، قال: فليأتوني حتى أقيمه لهم”. وكذلك حِفْظ هذه الكتب، بعضهم يحفظها في ذاكرته، وبعضهم يحفظها في مكان أمين، وكان قتادة يحفظ صحيفةَ الصحابي الجليل “جابر بن عبد الله” رضي الله عنهما حفظًا جيدًا، ويقول: “لأنا لصحيفة جابر بن عبد الله أحفظ مني لسورة البقرة”. وكان الحسن بن علي يحفظ قول أبيه المكتوب في صومعة لا يخرجه منها إلا عند الحاجة إليه.

وهذا الحفظ هو ما عبَّر عنه الحسن البصري منهم بقوله: إن لنا كتبًا نتعاهدها، وكان خالد بن معدان الذي لقي سبعين صحابيًّا يتخذ لكتابه عرًى وأزرارًا، وكانت هذه الكتب تُضبط وتقابل بالسماع أو بالقراءة على الشيخ حتى لا تقرأ محرفةً.

قيل لابن سيرين: ما تقول في رجل يجد الكتاب يقرؤه أو يَنظر فيه؟ قال: لا، حتى يسمعه من ثقة، واستفتى أيوب محمد بن سيرين فيما آل إليه من كُتُب أبي قلابة وصيةً، هل يحدث بما فيها مع أن بعضها انتقل إليه وِجادة؟ فتوقف ابن سيرين وقال له: لا آمرك ولا أنهاك.

واعتنى الأئمة في القرن الثاني الهجري بهذه الناحية عنايةً شديدةً، فتناولوا هذه الكتب وبينوا ما انتقل منها سماعًا أو عَرْضًا -يعني: قراءة على الشيخ- وما لم ينقل كذلك فلا يعتمد عليه كثيرًا، وخاصةً إذا كان بطريق الوجادة.

هكذا رأينا أن التابعين مثل الصحابة رضي الله عنهم في الحفاظ على السنة صحيحةً نقيةً، أبعدُ عنها ما ليس منها بما وضعوه من أسس وطرائقَ لتوثيقها، والتي تمثلت:

أولًا: في نقد الرجال.

ثانيًا: في الاهتمام بالأسانيد.

ثالثًا: في الحفظ والسماع والتثبت في الأداء.

رابعًا: في نقد بعضهم لمتن الحديث وعرضه على النصوص أو القياس.

خامسًا: في كتابة السنة، وفي وضع ضوابط لهذه الكتابة.

– ننتقل إلى السنة في القرن الثاني الهجري:

جَدَّ في هذا القرن ما لم يكن قَبْل ذلك، ويمكن أن نجمل ما جَدَّ في القرن الثاني الهجري، ودفع إلى المزيد من توثيق السنة في النقاط التالية:

أولًا: تُوفي الصحابة الذين كانوا يحفظون السنة، ويوشك أن يُتوفى التابعون أيضًا الذين تلقوها منهم.

ثانيًا: كثُر الوضع في الحديث والخطأ فيه؛ لأنه نشأ أقوام مِن أتباع التابعين ليس عندهم من التورع عن الكذب والحيطة ما عند الصحابة والتابعين.

ثالثًا: استطالت الأسانيد، وتعذَّر مقابلة جميع الرواة الذين يوصلون الأحاديث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

رابعًا: نشأت المذاهب الفقهية، وأدَّى الاختلاف بينها؛ إلى أن يبذل أئمة كل مذهب توثيقَ ما عندهم من الأحاديث، ومناقشة مخالفيهم.

وتمخض عن كل هذا حركة كبيرة في توثيق السنة، وخاض غِمارَها الحنفيةُ والشافعيةُ، وأصحابُ مالكٍ، وقام الإمام الشافعي في وجه مَن ينكرون حجية السنة، ويزعم أنها غير موثقة؛ حتى يتاح للفقهاء أن يعملوا بها وهم مطمئنون.

خامسًا: لم تدون السنة في أول الأمر تدوينًا شاملًا؛ خوفًا من اختلاطها بالقرآن، أو قُلْ: إنها إذا كانت كُتِبَ منها في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وكتب الكثيرُ منها في عهد الصحابة رضي الله عنهم وفي عهد التابعين، فإنها لم تدون تدوينًا شاملًا بمعنى: أن تُجمع في مصنفات، والآن في القرن الثاني الهجري زال هذا الخوف؛ خوف الاختلاط بالقرآن، أو الاهتمام بكتابة السنة عن كتابة القرآن وحفظه، فقد كثر الحافظون والكاتبون للسنة.

وقبل أن نُبين التدوين الشامل للسنة، وما صاحب ذلك من ظهور المصنفات، نقف عند مناهج التحمل والأداء؛ إذ على أساسها كانت الروايات التي أودعت في بطون هذه المصنفات.

error: النص محمي !!