Top
Image Alt

منهج المدرسة العقلية في التفسير

  /  منهج المدرسة العقلية في التفسير

منهج المدرسة العقلية في التفسير

1. تعريف العقل:

العقل لغة: يطلق على عدة معان: منها الدية والحكمة، وحسن التصرف.

وفي الاصطلاح: يطلق على معنيين:

الأول: يُطلق ويراد به العلوم الضرورية والمسلمات العقلية.

الثاني: يطلق ويراد به الاستعداد الغريزي والملكة الناضجة، والعقل عرض من الأعراض، والمعنى أنه صفة في الإنسان قابلة للوجود والعدم، ويدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث: ((والمجنون حتى يعقل)).

وهو غريزة خلقها الله سبحانه وتعالى في الإنسان ووهبه فيها وبسببها عددًا من القدرات والاستعدادات، المنتجة لعدد من العمليات العقلية، المفيدة لحياة هذا الإنسان الذي كرمه رب العباد، قال تعالى: {وَلَقَدْ كَرّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مّنَ الطّيّبَاتِ} [الإسراء: 70] ولذا كان محل العقل هو القلب، الذي هو محل نظر الله، كما قال صلى الله عليه وسلم في الحديث: ((إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أجسادكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم)) أو كما قال صلى الله عليه وسلم.

ولظاهر قوله أيضًا سبحانه: {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنّمَ كَثِيراً مّنَ الْجِنّ وَالإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاّ يُبْصِرُونَ بِهَا} [الأعراف: 179] ولما روي عن علي رضي الله عنه أنه قال: “العقل في القلب” وهو ما عليه عموم الفقهاء وجمهور العلماء، وهو لا يمنع أن يكون للعقل علاقة للرأس بأن تكون القوى المفكرة فيه.

2. تحكيم العقل في التفسير، وذكر نماذج لذلك:

لا ينكر صاحب لبٍّ ما للعقل من قيمة، وما له من مكانة كبيرة في الحياة عامة، ولا ينكر صاحب فهم وعلم ما له من قيمة ومكانة في الإسلام أيضًا، تشهد لذلك النصوص العديدة، والآثار البارزة، والعلامات البينة كلها تدل عليه وتشير إليه؛ فقد دعا الإسلام إلى استعمال العقل في مواضع عديدة، من ذلك قوله تعالى: {فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللّهُ الْمَوْتَىَ وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلّكُمْ تَعْقِلُونَ} [البقرة: 73] وكقوله سبحانه: {كَذَلِكَ يُحْيِي اللّهُ الْمَوْتَىَ وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلّكُمْ تَعْقِلُونَ} [البقرة: 242] وغير هذا كثير.

وذم الإسلام بعض الأفعال لمخالفتها العقل؛ فقال: {إَنّ الّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَآءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ} [الحجرات: 4] وقال سبحانه: {لاَ يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً إِلاّ فِي قُرًى مّحَصّنَةٍ أَوْ مِن وَرَآءِ جُدُرٍ} [الحشر: 14] وقال سبحانه: {أُفّ لّكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} [الأنبياء: 67] وغير هذا كثير.

وذكر الإسلام من أسباب دخول النار عدم الاهتداء بالعقل قال تعالى: {وَقَالُواْ لَوْ كُنّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنّا فِيَ أَصْحَابِ السّعِيرِ (10) فَاعْتَرَفُواْ بِذَنبِهِمْ فَسُحْقاً لأصْحَابِ السّعِيرِ} [الملك: 10، 11] هذه بعض أمثلة على مكانة العقل في الإسلام، بعضها يرسي له مكانة سامية ودرجة عالية، ومع هذا التكريم؛ فقد كرمه الله مرة أخرى تكرمة عدها بعض من لا علم له ولا معرفة امتهانًا، وعدها ذوو العقول والألباب لا تقل عن سابقها من المكارم، تلكم المكرمة: أنه حد له حدودًا لا يتجاوزها، ورسم له مراسم لا يتعداها، لا لشيء إلا لأنه سيضل فيها ويتيه، ولا لشيء إلا لأنها فوق مداركه، وفوق قدراته وطاقاته، ومن الخير له كل الخير أن يقف دونها، ولا يخوض فيها، وفي هذا -ولا شك- تكريم له وأي تكريم.

ومع هذا فقد نبتت في الإسلام نابتة أعطت العقل أكثر من حقه، وزعمت أنه خلق ليعرف وليعرف، وهو قادر على أن يعرف كل شيء المنظور وغير المنظور، وجعلوه الحكم الذي يحكم في كل شيء، والنور الذي يجلو كل ظلمة، حكموه في إيمانهم، وفي جميع شئونهم الخاصة والعامة، حتى قال عالمهم ومفسرهم الزمخشري رامزًا للعقل بالسلطان: “امش في دينك تحت راية السلطان، ولا تقنع بالرواية عن فلان وفلان، فما الأسد المحتجب في عرينه أعز من الرجل المحتج على قرينه”.

وقد أدى بهم تحكيم العقل المجرد على النص إلى أن شطحوا بعقولهم شطحات، وهفوا هفوات في الكتاب والسنة، بل في جوانب كثيرة من العقيدة ما كانوا ليقعوا فيها لو اهتدوا إلى سبيل الحق، وقد امتطى هذه الصهوة، رجال جاءوا من بعدهم؛ فمال بهم وأدى بهم إلى أمور خاطئة، واعتقادات باطلة، وأحكام زائفة، وهم وإن لم يوافقوهم كل الموافقة؛ فهناك قواعد مشتركة وعقائد متماثلة، تجمع بين هؤلاء وهؤلاء حتى أطلق على هؤلاء المتأخرين معتزلة العصر الحديث، ولن نسميهم باعتزال؛ بل نسميهم بالصفة المشتركة بينهم؛ فليكونوا ولتكن مدرستهم المدرسة العقلية الحديثة.

وقد اتجهت المدرسة العقلية الحديثة المتأخرة إلى الإصلاح الاجتماعي؛ فكان حقًّا لها أن يلصق بها هذا الوصف، فتكون المدرسة العقلية الاجتماعية، كيف لا والأستاذ الإمام محمد عبده -رحمه الله- يعد أصول الإسلام؛ فيعد الأول والثاني منها النظر العقلي. وتقديم العقل على ظاهر الشرع عند التعارض؛ حيث يقول: “الأصل الأول للإسلام: النظر العقلي لتحصيل العلم، فأول أساس وضع عليه الإسلام، هو النظر العقلي، والنظر -عنده-: هو وسيلة الإيمان الصحيح؛ فقد أقامك منه على سبيل الحجة، وقاضاك إلى العقل، ومن قاضاك إلى حاكم؛ فقد أذعن إلى سلطته؛ فكيف يمكنه بعد ذلك أن يجور أو يثور عليه؟!”. هكذا قال.

ولا شك أن وصف الإسلام بأنه يذعن لسلطة العقل تعبير مجانب للصواب، ومخالف للحق فالإسلام عقيدة أوسع من أن تذعن لوسيلة، والعقل وسيلة أضيق من أن تحيط بالعقيدة؛ تلكم صفات الله تعالى ما حقيقتها؟ وهل يدرك العقل ذلك منها؟ إن زعم ذلك زاعم، فقد كذب وافترى على العقل، وإن فوض أمرها؛ فقد اعتقد ما لا يدرك العقل، فأنى للعقيدة الصحيحة الصادقة أن تذعن لسلطة هي أضعف من إدراكها.

ولنعجل بعد ذلك بالأصل الثاني من أصول الإسلام، عند الأستاذ الإمام حيث يقول: “الأصل الثاني للإسلام؛ تقديم العقل على ظاهر الشرع عند التعارض”. إلى أن قال: “وبهذا الأصل الذي قام على الكتاب وصحيح السنة، وعمل النبي صلى الله عليه وسلم مهدت بين يدي العقل كل سبيل، وأزيلت من سبيله جميع العقبات، واتسع له المجال إلى غير حد”. وقال أيضًا: “مما يبين درجة العقل عنده، وتقرر بين المسلمين كافة إلا من لا ثقة بعقله ولا بدينه، أن من قضايا الدين ما لا يمكن الاعتقاد به إلا من طريق العقل، كالعلم بوجود الله، وبقدرته على إرسال الرسل، وعلمه بما يوحي به إليهم”.

وهذا الشيخ عبد العزيز جاويش يرفع العقل إلى مرتبة نستطيع أن نقول بأنه أوصل العقل من خلاله إلى أنه يصل بالنفس الإنسانية إلى مراتب الكمال في الأحكام، والتصورات والنظم الاجتماعية وغيرها.

وذكر أن هذا ليس بالوحي ولكن بالبحث والتنقيب، وفي ذلك يقول: إن من الممكن أن تصل العقول البشرية بالبحث والتنقيب والتجارب، إلى ما تصبو إليه النفس الإنسانية من مراتب الكمال في الأحكام والتصورات والنظم الاجتماعية، والمسائل العلمية والآداب الخلقية.

إذن؛ فإذا كانت العقول قادرة على هذا؛ فما الحكمة من إرسال الرسل؟ لإتمام الحجة! لا، لا يصح هذا بحال؛ لأن الحجة قائمة بقدرة العقل المزعومة، ويبقى السؤال معلقًا ما بقي هذا الزعم.

ويقول الشيخ جاويش أيضًا: “إن القرآن الكريم الذي هو كتاب دين الفطرة، ما كان ليأتي بما ينافي الآراء القويمة، أو لا تتضح حكمته على العقول السليمة، ولم يكن ليكلف العقل الإيمان بما لا يعقل، أو يحمل الجسم ما لا طاقة له به، أو أن يفترض على الإنسان ما ليس من موسوعات فطرته؛ إذن فوظيفة العقل في البشر: رسم أقرب الطرق إلى الهداية، وحفظ العباد عن مواطن الهلاك، التي يغشاها طلاب الحق والحقيقة، لا من طريق الوحي بل من طريق التجارب”.

وهكذا يرفع هذا الرجل العقل إلى درجة سامية، مقدمًا إياه على النقل، وإن كنت قد بينت فيما مضى مكانة العقل في الإسلام وأهميته، إلا أننا لا يمكن بحال من الأحوال أن نضع العقل فوق النص؛ لأن العقل قد يزِل، وقد يصعب عليه أن يعرف أشياء كثيرة، بل يستحيل عليه أن يعرف ما غاب عنه، وذلك مما يتعلق بأسماء الله الحسنى وصفات الله العلى، أو ما استأثر الله -تبارك وتعالى- بعلمه، أو ما أخبرنا عنه أخبارًا مجملة، كمثلًا: أخبرنا ربنا عن عذاب القبر، أو ما يدور في يوم القيامة، ونحن لا نعرف عن هذه الأخبار إلا ما أخبرنا الله بها، وهي أمور غائبة عنا، ومن أين للعقل أن يدركها؟ العقل لا شك له مجال محدود، ولكن هذه الطائفة أو منهج المدرسة العقلية بالغ في العقل مبالغة بالغة. وقد ذكرت هنا أقوال الإمام محمد عبده في ذلك، وكذلك ذكرت أقوال الشيخ عبد العزيز جاويش.

وإذا انتقلت إلى رائد آخر من رواد المدرسة العقلية سنجد أنه يستدل بأحاديث باطلة، أو منكرة، أو ضعيفة السند، يستدل بها لكي يرفع العقل إلى درجة عالية؛ ذلكم هو الأستاذ محمد فريد وجدي -رحمه الله- الذي يستدل بأحاديث باطلة أو منكرة أو ضعيفة السند، يستدل بها لعقيدته في العقل، واصفًا هذه الأحاديث -وهي بهذه الدرجة من البطلان- بأنها قواعد إلهية. فمثلًا أورد الأستاذ محمد فريد وجدي حديث: “الدين هو العقل”، و”لا دين لمن لا عقل له”؛ كما ذكر حديث: “يا أيها الناس اعقلوا من ربكم، وتواصوا بالعقل تعرفوا ما أمرتم به وما نهيتم عنه، واعلموا أنه ينجدكم عند ربكم”.

ثم عقب على هذين النصين اللذين ذكرهما بقوله: بهذه القواعد الإلهية نال العقل حريته وتخلص من وثاق كان يئن منه، ويتعثر في أصفاده، وصار هو المرشد الحقيقي للإنسان، وهي الوظيفة التي خلقه لأجلها الملك الديان.

إذن؛ فهذه درجة الحكم العقلي لدى رجال المدرسة العقلية الاجتماعية؛ في الحقيقة رفعوا العقل إلى درجة عالية، واستخدموه حتى في تفسير القرآن الكريم، وهذا الأستاذ محمد فريد وجدي، يقول في تفسير بعض الآيات: “كل هذه الآيات تتناولها القاعدة الأصولية التي انفرد بها هذا الدين، وهي: أنه لو تعارض نص وعقل، أو علم صحيح، أُوِّل النص وأُخِذ بحكم العقل أو العلم، وقد أوَّل آباؤنا من هذه الآيات ما خالف عقولهم، أو ناقض العلم الصحيح، ونحن نجري على سنتهم فنؤول ما يخالف عقولنا منها”.

قال بعد ذلك: “جرى المسلمون على هذا السمت؛ فكان تطورهم العلمي يمدهم بالمعلومات، وعلماؤهم يؤولون الآيات، حتى تآخى العلم والدين، وصارا كفرسي رهان، لا يسبق أحدهما الآخر؛ فلم ينقسم الناس إلى فريقين فريق للدين يقل كل يوم عددًا، وفريق للمدنية يزداد كل يوم مددًا، ولكن كانوا في وحدة لا انفصام لها، فبلغوا إلى ما لا تبلغه أمة قبلهم من بسطتي الدنيا والدين”. هكذا قال.

وهذا في الحقيقة كلام باطل، ولا يمكن بحال أن نقدم العقل على النص، أو أن نفسر القرآن الكريم بما يظهر لعقولنا فحسب، مبتعدين بذلك عن كتاب الله أو الآيات الواردة الأخر، التي فسر القرآن بها؛ لأن القرآن يفسر بعضه بعضًا، أو ما جاءنا من أحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.

ولانتهاجهم هذا النهج، وتقديمهم العقل على النقل، صرفوا الآيات القرآنية عن ظاهرها، إذا صعب عليهم فهمها؛ فكانوا إذا صعبت عليهم الآيات القرآنية، وصعب عليهم أن يفهموها، أو التبست على عقولهم معانيها؛ نجد أنهم يؤولونها، ومن هنا أنكروا كثيرًا من المعجزات، أو أولوها بما لا تكون به معجزة خارقة، وردوا بعض الأحاديث الصحيحة وغير ذلك، ولأضرب بعض الأمثلة أو النماذج للمدرسة العقلية في تفسيرهم للقرآن الكريم لأهمية ذلك:

خذ مثلًا لذلك: تفسير الشيخ عبد القادر المغربي لقوله تعالى: {أَأَمِنتُمْ مّن فِي السّمَآءِ أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الأرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ} [الملك: 16] حيث قال: {مّن فِي السّمَآءِ} هو الله تعالى لكن قام البرهان العقلي على أن الإله الأزلي خالق الكل، وضابط الكل لا يتصور أن يكون مستقرًّا في مكان؛ فوجب إذن صرف الآية عن ظاهرها، وحملها على معنى يلتحم ما أثبته العقل، وقام عليه البرهان والقرآن يفسر بعضه بعضًا؛ فآية: {وَهُوَ اللّهُ فِي السّمَاوَاتِ وَفِي الأرْضِ يَعْلَمُ سِرّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ} [الأنعام: 3] تنفي أن تكون ذات الله في السموات وفي الأرض؛ إذ كيف يعقل أن تكون الذات الواحدة في مكانين في آن واحد؛ لا جرم أن يكون المراد بكونه تعالى في السماء وفي الأرض أن مشيئته وحكمه نافذ فيهما وسلطانه وقهره غالب عليهما.

هكذا يذهب بصريح هذه الآية التي أثبتت أن عز وجل فوق سماواته، يذهب بها إلى معنى بعيد بعقله؛ مؤولًا هذه الآية بما يتناسب مع عقله هو، تاركًا ظاهر النص، معرضًا عنه، مخالفًا بذلك ما استقر به العلم عند سلف هذه الأمة الصالحين من أن رب العالمين فوق عرشه وقد استوى عليه استواء يليق بجلاله وكماله.

ومن تفسير الشيخ عبد القادر أيضًا: تفسيره لقوله تعالى: {مّنّاعٍ لّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ} [القلم: 12] حيث قال: هذا هو خبر سيدنا يونس حسبما أخذناه من النصوص الصحيحة، وليس فيه ما يستبعد وقوعه؛ اللهم إلا التقام الحوت له، ومكثه في بطنه حينًا من الزمن حيًّا يرزق، ثم نبذه في ذلك الفضاء على أنه إن حق لأهل القرون الماضية أن يستبعدوا خبر صاحب الحوت؛ فلا يحق لأبناء عصرنا ذلك الاستبعاد، بعد أن رأوا بأعينهم سبح الكثير منهم في بطون الغواصات أيامًا متطاولات، تحت البحار الطاميات، وطيرانهم مثل ذلك في أجواء السموات؛ فالإله الذي خلق العقل البشري، ومهد له سبيل الوصول إلى مثل هذه العجائب؛ ألا يكون قادرًا على أن ييسر حصول مثله لعبده يونس ببعض الأسباب التي لم تزل مجهولة لنا؟! هذا ما نقوله للمتسائل المتعجب، أما نحن معشر المسلمين فنؤمن بما ورد في الكتاب مع دام أنه غير محال في العقل.

وهذا -في الحقيقة- أيضًا إغراق في التأويل، وإغراق يجعل العبد يبتعد كثيرًا عن ظواهر النصوص القرآنية التي نفهمها طبقًا للغة العرب، وهذا في الحقيقة يعد من الألغاز، وليس من باب التفسير أبدًا.

ومن التفسير العقلي: التفسير بالرأي المجرد عن الدليل الصحيح، وهذا الأستاذ محمد عبده -رحمه الله- يفسر قول الله -تبارك وتعالى: {وَفِرْعَوْنَ ذِى الأوْتَادِ} [الفجر: 10] بقوله: وفرعون هو حاكم مصر الذي كان في عهد موسى عليه السلام وللمفسرين في {ذِى الأوْتَادِ} اختلاف كبير وأظهر أقوالهم ملاءمة للحقيقة أن {ذِى الأوْتَادِ}: المباني العظيمة الثابتة، وما أجمل التعبير عما ترك المصريون من الأبنية الباقية بـ{ذِى الأوْتَادِ}؛ فإنها هي الأهرام ومنظرها في عين الرائي منظر الوتد الضخم المغروز في الأرض، بل إن شكل هياكلهم العظيمة في أقسامها شكل الأوتاد المقلوبة، يبتدئ القسم عريضًا وينتهي بأدق مما ابتدأ، وهذه هي الأوتاد التي يصح نسبتها إلى فرعون، على أنها معهودة للمخاطبين.

ويعلق الأستاذ الإمام على تفسير السيوطي -رحمه الله- لقوله تعالى: {أَوْ كَصَيّبٍ مّنَ السّمَآءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصْابِعَهُمْ فِيَ آذَانِهِم مّنَ الصّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ} [البقرة: 19] يعلق بقوله: وقال مفسرنا الجلال السيوطي: إن “الرعد”: ملك أو صوته، و”البرق”: سوطه يسوق به السحاب؛ كأن الملك جسم مادي لأن الصوت المسموع بالآذان من خصائص الأجسام، وكأن السحاب حمار بليد، لا يسير إلا زجر بالصراخ الشديد، والضرب المتتابع. ولكنه يقول في موضع آخر عن الملائكة: وإذا ورد أنهم موكلون بالعوالم الجسمانية كالنبات والبحار؛ فإننا نستدل بذلك على أن في الكون عالمًا آخر ألطف من هذا العالم المحسوس، وأن له علاقة بنظامه وأحكامه، والعقل لا يحكم باستحالة هذا، بل يحكم بإمكانه لذاته، ويحكم بصدق الوحي الذي أخبر به.

وهذا تلميذ الإمام محمد عبده، الأستاذ محمد رشيد رضا أيضًا ينحى في التفسير منحى شيخه، ويفسر كثيرًا من الآيات بعقله، ولنتأمل ذلك؛ فمثلًا يقول في قول الله -تبارك وتعالى-: {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنّي مُمِدّكُمْ بِأَلْفٍ مّنَ الْمَلآئِكَةِ مُرْدِفِينَ} [الأنفال: 9] قال: إمداد روحاني لا مادي، وقال أيضًا: وما أدري أين يضع بعض العلماء عقولهم عندما يغترون ببعض الظواهر، وببعض الروايات الغريبة التي يردها العقل، ولا يثبتها ما له قيمة من النقل؛ فإذا كان تأييد الله للمؤمنين بالتأييدات الروحانية، التي تضاعف القوة المعنوية، وتسهيله لهم الأسباب الحسية، كإنزال المطر، وما كان له من الفوائد، لم يكن كافيًا لنصره إياهم على المشركين بقتل سبعين، وأسر سبعين، حتى كان ألف، وقيل: آلاف من الملائكة؛ يُقاتلونهم معهم؛ فيفلقون منهم الهام، ويقطعون من أيديهم كل بنان، فأي مزية لأهل بدر فضلوا بها على سائر المؤمنين، ممن غزوا بعدهم، وأذلوا المشركين وقتلوا منهم الألوف.

إلى أن قال: ألا إن في هذا من شأن تعظيم المشركين، ورفع شأنهم، وتكبير شجاعتهم، وتصغير شأن أفضل أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم وأشجعهم ما لا يصدر عن عاقل، إلا وقد سلب عقله؛ لتصحيح روايات باطلة لا يصح لها سند، ولم يرفع منها إلا حديث مرسل عن ابن عباس ذكره الألوسي وغيره بغير سند، وابن عباس لم يحضر غزوة بدر؛ لأنه كان صغيرًا، فرواياته عنها حتى في الصحيح مرسلة، وقد روى عن غير الصحابة حتى عن كعب الأحبار وأمثاله.

وفي الحقيقة أقول: غريب من الشيخ محمد رشيد رضا، أن يغمز مرويات عن ابن عباس رضي الله عنه بأنها حتى في الصحيح مرسلة، وهو العارف بالحديث وعلومه، ولا أظنه يخفى عليه حكم مرسل الصحابي، حتى أن ابن الصلاح لم يعده من أنواع المرسل قائلًا: ثم إنا لم نعد في أنواع المرسل ونحوه ما يسمى في أصول الفقه بمرسل الصحابي، وذلك مثل: ما يرويه ابن عباس وغيره من أحداث الصحابة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يسمعوه منه؛ لأن ذلك في حكم الموصول المسند؛ لأن روايتهم عن الصحابة، هؤلاء -أعني: أحداث السن من الصحابة- رووا عن الصحابة، والجهالة بالصحابي غير قادحة؛ لأن الصحابة كلهم عدول. هكذا يقول الإمام ابن الصلاح -رحمه الله، تبارك وتعالى.

وغريب أيضًا من الشيخ رشيد رضا -رحمه الله- أن يغمز ابن عباس رضي الله عنه بأنه روى عن غير الصحابة حتى عن كعب الأحبار وأمثاله؛ فهل يرى الشيخ رشيد بأن ابن عباس رضي الله عنه يروي عمن لا يثق بصدقه وأمانته؟! بل وما دخل روايته عن كعب الأحبار بروايته عن غزوة بدر، لا أرى هذا إلا ضعفًا في الحجة.

ومن تفسير الأستاذ محمد رشيد رضا بالرأي المجرد تفسيره للمسخ في قوله تعالى: {وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الّذِينَ اعْتَدَواْ مِنْكُمْ فِي السّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ} [البقرة: 65] بقوله: أي: فكانوا -بحسب سنة الله في طبع الإنسان وأخلاقه- كالقردة المستذلة المطرودة من حضرة الناس.

والمعنى: أن هذا الاعتداء الصريح لحدود هذه الفريضة؛ قد جرأهم على المعاصي والمنكرات بلا خجل ولا حياء؛ حتى صار كرام الناس يحتقرونهم، ولا يرونهم أهلًا لمجالستهم ومعاملتهم.

ثم قال: وذهب الجمهور أيضًا إلى أن معنى: {قِرَدَةً خَاسِئِينَ} أن صورهم مسخت فكانوا قردة حقيقيين؛ والآية ليست نصًّا فيه، ولم يبقَ إلا النقل -هكذا يقول- ولو صح لما كان في الآية عبرة ولا موعظة للعصاة؛ لأنهم يعلمون بالمشاهدة أن الله لا يمسخ كل عاصٍ فيخرجه عن نوع الإنسان، إذ ليس ذلك من سننه في خلقه، وإنما العبرة الكبرى في العلم بأن من سنن الله تعالى في الذين خلوا من قبل أن يفسق عن أمر ربه، ويتنكب الصراط الذي شرعه له: ينزل عن مرتبة الإنسان، ويلتحق بعجماوات الحيوان، وسنة الله تعالى واحدة؛ فهو يعامل القرون الحاضرة بمثل ما عامل به القرون الخالية.

ولا أظن هذا الذي قاله الشيخ رشيد رضا إلا زلة قلم في أمر واضح بيّن؛ فليس هذا العقاب هو الوحيد من نوعه في الأمم السابقة، عُذبت أمة بالطوفان، وعذبت أخرى بالصيحة، وعذبت ثالثة بحجارة من سجيل، وعذب آخرون بالخسف، وبالجراد وبالقمل والضفادع، وغير ذلك.

والعصاة يعلمون بالمشاهدة أن الله لا يعذب كل عاصٍ بهذا العذاب، فهل يُعد هذا مبطلًا لحقيقة هذه العقوبات، أو مبررًا لتأويلها بل تحريفها عن معانيها لمجرد كونهم لا يرونها سنة من سنن الله في العصاة.

هذا بعض ما أدى بهم إليه تحكيم العقل المجرد عن النص، وهي قضايا آحادية تولدت حتى أصبح بعضها أساسًا مستقلًّا بذاته في منهجهم في التفسير، نذكر من هذه الأسس التي تولدت عن هذا الأصل لديهم: إنكار التقليد وذمه، وهذا في الحقيقة كلام جميل في إنكار التقليد، ولكن ليس بإطلاق؛ فالعامي له أن يقلد، ولكن المدرسة العقلية الحديثة الاجتماعية في التفسير كان لها في الحقيقة بعض الحسنات في ذم التقليد الباطل وكذلك أيضًا التحذير من الإسرائيليات.

ولكن كونهم يردون النصوص والآثار الثابتة، ويعرضون عن التفسير بالمأثور، ويلجئون إلى التفسير بالعقل كلام باطل. وقد أشبعت الكلام فيهم بعد أن ذكرت أيضًا بعض نماذجهم في التفسير بالعقل، وتبين لنا بطلان ما ذهبوا إليه.

error: النص محمي !!