Top
Image Alt

منهج المفسرين بالمأثور

  /  منهج المفسرين بالمأثور

منهج المفسرين بالمأثور

1. ابن جرير الطبري، وكتابه: “جامع البيان في تفسير القرآن”:

من أشهر ما دوِّن من كتب التفسير بالمأثور: (جامع البيان في تفسير القرآن)، لابن جرير الطبري، و(بحر العلوم)، لأبي الليث السمرقندي، و(الكشف والبيان عن تفسير القرآن)، لأبي إسحاق الثعلبي، و(تفسير القرآن العظيم)، لأبي الفداء الحافظ بن كثير، و(الدر المنثور في التفسير بالمأثور)، لجلال الدين السيوطي؛ هذه هي أشهر كتب التفسير بالمأثور.

أ. طريقة ابن جرير في الترجيح بين الآراء:

تفسير ابن جرير هو أقدم كتب التفاسير التي وصلت إلينا، وله طريقة مميزة؛ ففي تفسير الآية يقول: القول في تأويل قوله تعالى كذا… وكذا… ثم يفسر الآية، ويستشهد على ما قاله بما يرويه بسنده إلى الصحابة، أو التابعين من التفسير المأثور عنهم في هذه الآية، وإذا كان في الآية قولان أو أكثر فإنه يعرض لكل ما قيل فيها، ويستشهد على كل قولٍ بما يرويه في ذلك عن الصحابة أو التابعين، ثم إنه لا يقتصر على مجرد الرواية؛ بل يتعرّض لتوجيه الأقوال، ويرجح بعضها على بعض، كما يتعرّض لناحية الإعراب إن دعت الحال إلى ذلك، كما أنه يستنبط الأحكام التي يمكن أن تُؤخذ من الآية، مع توجيه الأدلة، وترجيح ما يختار.

وهو يخاصم بقوة أصحاب الرأي، ولا يزال يُشدد في ضرورة الرجوع إلى علم الصحابة أو التابعين، والمنقول عنهم نقلًا صحيحًا مستفيضًا، ويرى أن ذلك وحده هو علامة التفسير الصحيح.

ب. ذكر الروايات بأسانيدها:   

التزم ابن جرير في تفسيره ذكر الروايات بأسانيدها، إلا أنه في الأعمّ الأغلب لا يتعقّب الأسانيد بتصحيح ولا تضعيف؛ لأنه كان يرى -كما هو مقررٌ في أصول الحديث- أن من أسند لك فقد حملك البحث عن رجال السند، ومعرفة مبلغهم من العدالة أو الجرح، فهو بعمله هذا قد خرج من العُهدة، ومع ذلك فابن جرير يقف من السند أحيانًا موقف الناقد البصير، فيعدل من يعدل من رجال الإسناد، ويجرح من يجرح، ويردّ الرواية التي لا يثق بصحتها، ويصرّح برأيه فيها بما يناسبها.

ج. تقديره للإجماع:

كان يقدّر إجماع الأمة، ويعطيه سلطانًا كبيرًا في اختيار ما يذهب إليه من التفسير، فمثلًا عند قوله تعالى في سورة البقرة: {فَإِنْ طَلّقَهَا فَلاَ تَحِلّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتّىَ تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ} [البقرة: 230]، يقول ما نصه: فإن قال قائل: فأيّ النكاحين قصد الله، بقوله: {فَإِنْ طَلّقَهَا فَلاَ تَحِلّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتّىَ تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ} النكاح الذي هو جماع، أم النكاح الذي هو عقد تزويج؟ قيل: كلاهما، وذلك أن المرأة إذا نكحت زوج نكاح تزويج، ثم لم يطأها في ذلك النكاح ناكحها ولم يجامعها حتى يطلقها لم تحلّ للأول، وكذلك إن وطأها واطئ بغير نكاح، لم تحلّ للأول إجماعًا، فإذا كان ذلك كذلك، فمعلومٌ أن تأويل قوله: {فَإِنْ طَلّقَهَا فَلاَ تَحِلّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتّىَ تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ} نكاحًا صحيحًا، ثم يجامعها فيه، ثم يطلقها، فإن قال: فإن ذكر الجماع غير موجود في كتاب الله تعالى، فما الدلالة على أن معناه ما قلت؟ قيل: الدلالة على ذلك إجماع الأمة على أن ذلك معناها. فهذا منهج ابن جرير في تقديره للإجماع.

د. موقفه من القراءات:

يهتم ابن جرير بذكر القراءات ويُنزلها على المعاني المختلفة، وكثيرًا ما يرد القراءات التي لا تعتمد على الأئمة الذين يعتبرون عنده، وعند علماء القراءات حُجّة، والتي تقوم على أصولٍ مضطربة ممّا يكون فيه تغيير وتبديل لكتاب الله، ثم يتبع ذلك برأيه في آخر الأمر مع توجيه رأيه بالأسباب؛ وقد يرجع السبب في عنايته بالقراءات وتوجيهها إلى أنه كان من علماء القراءات المشهورين.

هـ. موقفه من الإسرائيليات:

يأتي ابن جرير في تفسيره بأخبار مأخوذة من القصص الإسرائيلي، يرويها بإسناده إلى كعب الأحبار، ووهب بن منبه، وابن جريج، والسُّدّي، وغيرهم، ونراه ينقل عن محمد بن إسحاق كثيرًا ممّا رواه النصارى عن مسلمة؛ ولعلّ هذا راجع إلى ما تأثّر به من الروايات التاريخية التي عالجها في بحوثه التاريخية الواسعة، وإذا كان ابن جرير يتعقّب كثيرًا من هذه الروايات بالنقد، فتفسيره لا يزال يحتاج إلى النقد الفاحص الشامل.

و. انصرافه عما ليس فيه فائدة:

كان ينصرف عمّا لا فائدة فيه، فنراه مثلًا عند تفسيره لقوله تعالى في سورة المائدة: {إِذْ قَالَ الْحَوَارِيّونَ يَعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبّكَ أَن يُنَزّلَ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مّنَ السّمَآءِ} [المائدة: 112]، إلى قوله: {وَارْزُقْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الرّازِقِينَ} [المائدة: 114]، يعرض لذكر ما ورد من الروايات في نوع الطعام الذي نزلت به مائدة السماء، ثم يعقّب على هذا، بقوله: وأما الصواب من القول فيما كان على المائدة، فأن يقال: كان عليها مأكول، وجائز أن يكون سمكًا، وخبزًا، وجائز أن يكون ثمرًا من الجنة، وغير نافع العلم به، ولا ضار الجهل به، إذا أقر تالي الآية بظاهر ما احتمله التنزيل.

ز. احتكامه إلى المعروف من كلام العرب:

كان يحتكم إلى المعروف من كلام العرب، ويرجحه في تفسير الآيات، كما كان يرجع إلى الشعر القديم، كما كان يضع معالجةً للأحكام الفقهية، واهتم بالمذاهب النحوية؛ حيث يتعرض كثيرًا لمذاهب النحويين من البصريين والكوفيين، إذا دعته الحاجة لذلك، ويوجّه الأقوال تارة على المذهب البصري، وأخرى على المذهب الكوفي؛ فمثلًا عند قوله تعالى: {مّثَلُ الّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدّتْ بِهِ الرّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ }[إبراهيم: 18]، يقول ما نصه: اختلف أهل العربية في رافع {مّثَلُ}فقال بعض نحوي البصرة: إنما هو كأنه قال: وممّا نقص عليكم مثل الذين كفروا، ثم أقبل يفسره كما قال: مثل الجنة، وهذا كثير، وقال بعض نحوي الكوفيين: إنما المثل للأعمال، ولكن العرب تُقدّم الأسماء؛ لأنها أعرف، ثم تأتي بالخبر الذي تُخبر عنه مع صاحبه، ومعنى الكلام: مثل أعمال الذين كفروا بربهم كرماد.

2. السمرقندي، وكتابه (بحر العلوم):

بدأ تفسيره بتقديم باب في الحثِّ على طلب التفسير وبيان فضله، واستشهد على ذلك بروايات عن السلف رواها بإسناده إليه، ثم بيَّنَ أنه لا يجوز لأحد أن يفسِّرَ القرآنَ برأيه من ذات نفسه، ما لم يتعلم أو يعرف وجوه اللغات وأحوال التنزيل، واستدلّ على حرمة التفسير بمجرّد الرأي، بأقوال رواها عن السلف بإسناده إليهم أيضًا، ثم بيَّن أن الرجلَ إذا لم يعلم وجوه اللغة، وأحوال التنزيل؛ فليتعلم التفسير ويتكلّف حفظه، ولا بأس بذلك على سبيل الحكاية.

ثم شرع في التفسير؛ فهو يسوق الروايات عن الصحابة والتابعين، ومن بعدهم في التفسير، لكنه لا يذكر إسناده إلى من يروي عنه، ويندر سياقه للإسناد في بعض الروايات، وإذا ذكر الأقوال والروايات المختلفة لا يعقّب عليها، ولا يُرجّح كما يفعل ابن جرير، اللهم إلا في حالات نادرة أيضًا، وهو يعرض للقراءات ولكن بقدر، كما أنه يحتكم إلى اللغة أحيانًا، ويشرح القرآن بالقرآن -إن وجد من الآيات القرآنية ما يوضّح معنى آية أخرى-، كما أنه يروي من القصص الإسرائيلي، ولكن على قلّة، ودون تعقيب عليها، وكثيرًا ما يقول: قال بعضهم: كذا، وقال بعضهم: كذا، ولا يعيّن هذا البعض، وهو يروي أحيانًا عن الضعفاء، كما يأتي بإشكالات ترد على ظاهر النظم، ثم يجيب عنها، كما يعرض لموهم الاختلاف والتناقض في القرآن، ويزيل هذا الإيهام.

وبالجملة: إن منهج السمرقندي في تفسيره (بحر العلوم) جمع فيه بين التفسير بالرواية والتفسير بالدراية، إلا أنه غلّب الجانب النقدي فيه على الجانب العقلي؛ ولذلك عُدّ تفسيره من التفسير بالمأثور.

3. البغوي، وكتابه (معالم التنزيل):

نقل فيه عن مفسري الصحابة، والتابعين، ومن بَعدهم.

منهج البغوي في تفسيره:

يتعرّض البغوي لتفسير الآية بلفظ سهل موجز، وينقل ما جاء عن السلف في تفسيرها، وذلك دون أن يذكر السند، يكتفي في ذلك بأن يقول مثلًا: قال ابن عباس: كذا وكذا، وقال مجاهد: كذا وكذا، والسر في هذا أنه ذكر في مقدمة تفسيره إسناده إلى كل من يروي عنه، وبين أن له طرقًا سواها، تركها اختصارًا، ثم إنه إذا روى عمن ذكر أسانيده إليه بإسناد آخر غير الذي ذكرهم في مقدمة تفسيره؛ فإنه يذكره عند الرواية، كما يذكر إسناده إذا روى عن غير من ذكر أسانيده إليهم من الصحابة والتابعين.

كما أنه -بحكم كونه من الحفاظ المتقنين للحديث- كان يتحرّى الصحة فيما يسند إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، ويعرض عن المناكير، وما لا تعلّق له بالتفسير، كما يتعرّض للقراءات لكن دون إسراف، كما أنه يتحاشى ما وُلع به كثير من المفسرين من مباحث الإعراب، ونكت البلاغة، والاستطراد إلى علوم أخرى لا صلة لها بعلم التفسير، وإن كان في بعض الأحيان يتطرّق إلى الصناعة النحوية؛ ضرورة الكشف عن المعنى، ولكنه مقلّ لا يكثر.

ولوحظ أنه يذكر أحيانًا بعض الإسرائيليات، ولا يعقّب عليها، كما لوحظ على هذا التفسير، أن صاحبه يُورد بعض إشكالات على ظاهر النظم، ثم يجيب عنها، وأيضًا ينقل الخلاف عن السلف في التفسير، ويذكر الروايات عنهم في ذلك، ولا يرجّح رواية على رواية، ولا يضعف رواية ويصحح أخرى.

4. ابن كثير، و(تفسير القرآن العظيم):

إن مؤلف هذا التفسير، قدم له بمقدمة طويلة تعرّض فيها لكثير من الأمور التي لها اتصال بالقرآن وتفسيره، ويمتاز في طريقته بأنه يذكر الآية، ثم يفسرها بعبارة سهلة موجزة، وإن أمكن توضيح الآية بآية أخرى ذكرها وقرن بين الآيتين؛ حتى يتبيّن المعنى ويظهر المراد، وهو شديد العناية بهذا النوع من التفسير، الذي يسمونه: تفسير القرآن بالقرآن.

وهذا الكتاب أكثر ما عرف من كتب التفسير سردًا للآيات المتناسبة في المعنى الواحد، ثم بعد هذا كله يشرع في سرد الأحاديث المرفوعة التي تتعلّق بالآية، ويبين ما يُحْتج به وما لا يُحتج به منها، ثم يذكر أقوال الصحابة والتابعين ومن يليهم من علماء السلف.

ويرجح بعض الأقوال على بعض، ويضعف بعض الروايات، ويصحّح بعضًا آخر منها، ويعدل بعض الرواة، ويجرح بعضًا آخر؛ وذلك لمعرفته بفنون الحديث، وأحوال الرجال.

ومما يمتاز به ابن كثير، أنه ينبه إلى ما في التفسير المأثور من منكرات الإسرائيليات.

كما يدخل في المناقشات الفقهية، ويذكر أقوال العلماء وأدلتهم عندما يشرح آية من آيات الأحكام، ومثال ذلك في قوله تعالى: {فَإِنْ طَلّقَهَا فَلاَ تَحِلّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتّىَ تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ} [البقرة: 230] إلى آخر الآية؛ حيث تعرّض لما يشترط في نكاح الزوج، أو الزواج المحلّل، وذكر أقوال العلماء وأدلّتهم، لكنه -مع الدخول في هذه المناقشات والخلافات- مقتصد مقلّ في هذا، لا يسرف كغيره من فقهاء المفسرين.

5. الثعالبي، وكتابه (الجواهر الحسان في تفسير القرآن):

ويوضح منهج الثعالبي مقدمة تفسيره؛ حيث ذكر أنه ضمنه المهم مما اشتمل عليه تفسير ابن عطية، قال: وزدته فوائد جَمَّة من غيره من كتب الأئمة، وثِقات أعلام هذه الأمة حسبما رأيته، أو رويته عن الأثبات، وذلك قريب من مائة تأليف، ما فيها تأليف إلا وهو لإمام مشهور بالدين ومعدود في المحققين، وكل من نقلتُ عنه من المفسرين شيئًا فمن تأليفه نقلت، وعلى لفظ صاحبه عوَّلت، ولم أنقل شيئًا من ذلك بالمعنى؛ خوف الوقوع في الزلل، وإنما هي عبارات وألفاظ لمن أعزوها إليه، وما انفردت بنقله عن الطبري، فمن اختصار الشيخ أبي عبد الله محمد بن عبد الله بن أحمد اللخمي، النحوي، بتفسير الطبري نقلت؛ لأنه اعتنى بتهذيبه”.

 يقول الثعالبي: “فكتابي هذا محشوّ بنفائس الحكم، وجواهر السنن الصحيحة، والحسان المأثورة عن سيدنا محمدصلى الله عليه وسلم، وسمّيته بـ (الجواهر الحسان في تفسير القرآن).”

وفي خاتمة تفسيره يقول: “وقد أودعته -بحمد الله- جزيلًا من الدرر، وقد استوعبت بمد الله مهمات ابن عطية، وأسقطت كثيرًا من التكرار، وما كان من الشواذ في غاية الضعف، وزدت من غيره جواهر، ونفائس لا يستغنى عنها”.

6. السيوطي، وكتابه (الدر المنثور في التفسير بالمأثور): 

يتضح منهج السيوطي في تفسيره، من كلامه في مقدمته؛ حيث قال: “لما ألّفت كتاب (ترجمان القرآن)، وهو التفسير المسند عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتمّ بحمد لله في مجلدات؛ فكان ما أوردته فيه من الآثار بأسانيد الكتب المخرجة منها واردات –أي طرقًا كثيرة- رأيت قصور أكثر الهمم عن تحصيله، ورغبتهم في الاقتصار على متون الأحاديث، دون الإسناد وتطويله فلخّصت منه هذا المختصر مقتصرًا فيه على متن الأثر، مصدرًا بالعزو والتخريج إلى كل كتاب معتبر، وسميته بـ (الدر المنثور في التفسير المأثور)”.

وكلّ ما في هذا التفسير، هو سرد الروايات عن السلف في التفسير دون أن يعقّب عليها؛ فلا يعدل، ولا يجرح، ولا يضعف، ولا يصحح؛ فهو كتاب جامع فقط لما يُروى عن السلف في التفسير، أخذه السيوطي من البخاري، ومسلم، والنسائي، والترمذي، وأحمد، وغيرهم ممن تقدمه، ودون التفسير، والسيوطي رجل مغرم بالجمع، وكثرة الرواية، وهو مع معرفته بالحديث، وعلّله- لم يتحرّ الصحّة فيما جمع في هذا التفسير، وإنما خلط فيه بين الصحيح والعليل؛ فيحتاج كتابه إلى تصفية؛ حتى يتميّز لنا غثُّه من ثمينه، و(الدر المنثور)، هو الكتاب الوحيد الذي اقتصر على التفسير المأثور من بين هذه الكتب التي تكلّمنا عنها؛ فلم يخلط بالراويات التي نقلها شيئًا من عمل الرأي، كما فعل غيره.

هذه هي أهم الكتب في التفسير بالمأثور.

error: النص محمي !!