Top
Image Alt

منهج الملاحظة والاستقراء

  /  منهج الملاحظة والاستقراء

منهج الملاحظة والاستقراء

طريقة الملاحظة والاستقراء:

لقد ذاَعَ صِيت ما يسمى بـ”الملاحظة المباشرة” حيث لا يلجأ الباحث فيها إلى التجارب، ولا يستخدم فيها أجهزةً، وإنما يقتصر فيها على ملاحظة الظواهر اللغوية في حالاتها العادية، مستعينًا بحواسِّه وقواه العقلية، وبفضل هذه الطريقة كشَفَ العلماء عن كثير من الحقائق المتصلة بنشأة اللغة، وحياتها، وتطورها، ووظائفها، والعَلاقات التي تربط ظواهرها بعضها ببعض، والتي تربطها بما عداها، والقوانين الخاضعة لها في مختلف نواحيها.

وتنقسم الملاحظة باعتبار نوع الظاهرة الملاحظة أو الظاهرة المدروسة إلى قسمين:

القسم الأول: ملاحظة صوتية: تتعلق بالصوت.

القسم الثاني: ملاحظة دلالية: تتعلق بالدلالة.

وتنقسم الملاحظة أيضًا باعتبار نوع اللغات إلى نوعين:

النوع الأول: ملاحظة اللغات الحية.

النوع الثاني: ملاحظة اللغات الميتة، وذلك عن طريق المؤلفات والوثائق والآثار.

ملاحظة اللغات الحية أمر بَدَهي، لكن ما الفائدة من ملاحظة اللغات الميتة؟

إن ملاحظة اللغات الميتة عَبْر المؤلفات والوثائق والآثار مفيدٌ في الكشف عن التطور اللغوي، ومفيد أيضًا في الحديث عن نشأة اللغة.

كما تنقسم الملاحظة باعتبار تعلقها بشخص الملاحِظ إلى قسمين:

القسم الأول: ملاحظة ذاتية: وتكون الملاحظة ذاتيةً حين يلاحظ الباحث نفسه عن طريقه هو، أو أن يكلِّف شخصًا آخرَ أن يلاحظ نفسه.

القسم الثاني: ملاحظة خارجية: فتكون من الباحث لغيره، وهذه الملاحظة الخارجية التي تكون من الباحث لغيره، قد تكون سلبيةً أو إيجابيةً، ويُطلق على الملاحظة الخارجية السلبية “passive” بينما يطلق على الملاحظة الخارجية الإيجابية “positive”، فالملاحظة الخارجية السلبية تتم دون إعداد أسئلة لإلقائها على الشخص الملاحَظ، حيث يُترك الملاحظ على حالته الطبيعية، ويقتصر الباحثُ على الاستماع إليه وهو يتحدث حديثًا عاديًّا. أما الإيجابية: فعلى عكس السلبية، يعمل الباحث فيها على توجيه الشخص الذي تجرى عليه الملاحظة وجهةً معينةً؛ بأن يلقي عليه أسئلةً خاصة في الموضوعات التي يهمه بحثها؛ ليصل على ضوء إجاباته إلى الوقوف على ما يهمه الوقوف عليه.

وقد أُخذت على الملاحظة الذاتية بكل أصنافها هذه مآخذ، وأبدى العلماء أسبابًا لعدم وثوقهم فيها. فمن الأشياء التي جعلت العلماء يفكرون في مناهج أخرى، ولا يثقون في هذا المنهج القائم على الملاحظة الذاتية تمامَ الوثوق، أنهم رَأَوْا أن القوى العقلية للشخص الباحث الملاحِظ قد تنشغل بعمليتي الإصدار والملاحظة، كما رأوا أن بعض الملاحظين يتأثرون أحيانًا بمبادئ ونظريات تفسد عليهم أحكامَهم، كما رأوا أن الملاحظة قد تغري الباحثين بالتسرع في أحكامهم، كما أن الفرد لا يمثل إلا ناحيةً يسيرة من ظواهر لغته مما يجعل دائرة البحث ضيقة، بل رأوا أن هنالك ظواهرَ لغويةً يستحيل فيها الملاحظة الذاتية، فهل يستطيع الطفل أن يلاحظ نفسه؟ فظواهر الطفولة الأولى يستحيل أن تُرصدَ مِن خلال الطفل، ورأوا كذلك أن الملاحظة الخارجية -في قسمها السلبي- بطيئة، وفي شكلها الإيجابي عرضة للزلل، حينما تعد أسئلة وتلقى على الشخص الملاحَظ. كما رأوا أن الملاحظة حينما تتصل بالصوت -أعني بها: الملاحظة الصوتية- تعتمد على الأذن، وقد تكون الأذن غيرَ دقيقة في تمييز الأصوات، ويزيد من فساد إدراك الأذن للأصوات تأثر السامع أحيانًا بالشكل الكتابي للكلمة، فلا يسمعها على الوجه الذي لفظت به، بل على الوجه الذي يتفق مع رسمها.

فكثيرًا مِنَّا ينطق عبارات مثل: “مسألَ صعبَ جدًّا” -مثلًا- مش: ” مسألةٌ صعبةٌ جِدًّا” لا، هكذا: “مسألَ صعبَ جدًّا”، “جَرِ تِّلْمَصْري” هكذا تلتقط الأذن هذه العبارة، ولا تلتقطها على النحو الصحيح “جريدة المصري، أو جريدة المصري” الأذن تلتقط العبارة على النحو المألوف: “جَرِ تِّلْمَصْري”. فيُخيل لمن يسمعها إذا كان ملمًّا بالقراءة والكتابة أنه يسمعها على النحو الصحيح: “مسألة صعبة جدًّا”، “جريدة المصري”، وذلك لتأثره في سماعها بالشكل الذي تُرسم به. ومما يزيد أيضًا من فساد إدراك الأذن أن السامع قد يوجه قسطًا كبيرًا من انتباهه إلى مدلول الكلمات دون إدراك الأصوات، وهذا الاتجاه الذي لا يستطيع أيُّ سامع أن يتحرر منه تمام التحرر، يجعل إدراكه السمعي عرضةً للزلل، وأيضًا عدم إيلاف الأذن سماعَ الصوت من قبلُ، يجعلها تدركه إدراكًا خاطئًا، ولكن على الرغم من جميع هذه المآخذ لا تزال طريقة الملاحظة من أهم الطرق المستخدمة في علم اللغة الحديث، لكن يجب أن يحتاط الباحث حينما ينتهج هذه الطريقة، فينبغي أن تتضافر جميعُ أقسام الملاحظةِ في بحث الظاهرة المدروسة، وينبغي عدم الاقتصار على شكل أو على قسم واحد من أقسامها -أعني: من أقسام الملاحظة- وإذا كانت الدراسة التي يُنتهج فيها الملاحظة تتصل بالصوت أو بـ”الفوناتيك” فينبغي عدم الاقتصار على الملاحظة في درسها، بل يُضم إليها طرق أخرى كالأجهزة؛ علاوةً على تمييز الشخص الملاحِظ، أو علاوةُ على تدريب الشخص الملاحظ لأذنه تدريبًا صوتيًّا، ويُشترط فيه: أن يكون من ذوي الإحساس المرهف سمعيًّا، فينتهج ما يسمى بـ”الكتابة السمعية” التي تتطلب حروفًا هجائيةً أكثرَ من حروف الهجاء المصطَلح عليها، حيث تسهل الكتابة السمعية على الأذن أن تقوم بوظائفها، وتعوِّدها الدقةَ في إدراكاتها.

error: النص محمي !!