Top
Image Alt

منهج مدرسة التقليبات الصوتية

  /  منهج مدرسة التقليبات الصوتية

منهج مدرسة التقليبات الصوتية

إن الرابطة المشتركة التي تجمع كتب هذه المدرسة هو ترتيبها حروفَ الهجاء بحسب مخارجها، وجعل هذا الترتيب أساسَ تقسيمها إلى كتب، ثم تقسيم هذه الكتب إلى أبواب تبعًا للأبنية، ثم ملء هذه الأبواب بالتقاليب، والتزمت جميعها ترتيب كتاب العين للمخارج، إلا (البارع) الذي سار على ترتيب مخالف أخذ أغلبه من ترتيب سيبويه مع خلطه بأشياءَ من ترتيب كتاب (العين).

وكان لكل كتاب من هذه الكتب هدفٌ خاص، فقد كان هدف الخليل حصر اللغة، واستقصاء الواضح والغريب منها، وهدف الأزهري تهذيبها وتخليصها من الغلط والتصحيف مما وقع فيه الخليل وابن دريد وغيرهم، وهدف ابن سيده جمع المشتت من اللغة في الكتب المتفرقة، وتصحيح ما فيها من أخطاء في التفسيرات النحوية، وهدف القالي يشبه هدف الأزهري.

إن مدرسة التقليبات الصوتية وكتبها هذه تعد الدعامة الرائدةَ في تأليف معاجم اللغة، فهي التي تجمع الكلمات المتحدة الحروف، وتجعلها في نطاق واحد، مع ملاحظة الناحية الصوتية وهي وضعها تحت أبعد الحروف مخرجًا، فيُبدأ بالحروف الحلقية، ثم باللسانية، ثم بالشفوية.

فمثلًا: الكلمات المكونة من الراء والكاف والباء، تراها في باب واحد مهما اختلف ترتيبها، فهذه المادة ثلاثية، تجد تقليبات هذه المادة هي: الكاف والراء والباء، والكاف والباء والراء، ثم الراء والكاف والباء، والراء والباء الكاف، ثم الباء والكاف والراء، ثم الباء والراء والكاف، وحينما تتأمل مخارجَ حروف هذه المادة تجد أن الكافَ تخرج من أقصى اللسان مع ما يُحاذيه من الحنك الأعلى بعد مخرج القاف، وتجد الراءَ تخرج من طرف اللسان مع أصول الثنيتين العليين، وتجد الباءَ تخرج من بين الشفتين. وحينما تقارن بين هذه المخارج الثلاثة تجد أن أقصى أو أبعد هذه الحروف مخرجًا هو الكاف، فالكاف صوت لهوي، والراء صوت ذلقي، والباء صوت شفوي، واللهاة تسبق الذلق وكذلك الشفة.

ولذلك يبحث عن هذه الكلمات المأخوذة من الراء والكاف والباء في باب الكاف، فصل الراء، مع الباء؛ الكاف أولًا، ثم الراء ثانيًا؛ لأن الراء تسبق الباءَ في المخرج. وأول مَن استنّ هذه الطريقة وابتكرها أو ابتدعها واخترعها -كما قلت- هو رائد المعجمات العربية الخليل بن أحمد في كتابه (العين)، وتبعه من علماء المشارقة الأزهري في كتابه (التهذيب) والصاحب بن عباد في (المحيط)، ومن علماء المغرب العربي أبو علي القالي في كتابه (البارع) وابن سيده في كتابه (المحكم).

وترتيب الحروف في هذه المدرسة هو: ع ح هـ خ غ / ق ك / ج ش ض / ص س ز / ط د ت / ظ ذ ث / ر ل ن / ف ب م / و أ ي ء.

والعين والحاء والهاء والخاء والغين حروفٌ حلقية، والقاف والكاف حرفان لهويان، والجيم والشين والضاد شجرية، والصاد والسين والزاي أسلية، والطاء والدال والتاء نِطعية، والظاء والذال والثاء لثوية بالمفهوم القديم، والراء واللام والنون ذلقية، والفاء والباء والميم شفوية، والواو والألف والياء والهمزة في عُرف الخليل وفي عرف هذه المدرسة تُلقب بالأصوات الجوفية أو الهوائية. وقد أكثر الأدباء من نَظْم الأبيات في بيان ترتيب العين.

من ذلك قول أبي الفرج سلمة بن عبد الله المعافري الجزيري:

يا سائلي عن حروف العين دونكها

*في رتبة ضمَّها وزن وإحصاء

العين والحاء ثم الهاء والخاء

*والغين والقاف ثم الكاف أكفاء

والجيم والشين ثم الضاد يتبعها

*صاد وسين وزاي بعدها طاء

والدال والتاء ثم الطاء متصل

*بالظاء ذال وثاء بعدها راء

واللام والنون ثم الفاء والباء

*والميم والواو والمهموز والياء

 ذكر هذا السيوطي في مزهره.

وكما ترى ففي الأبيات اختلافٌ يسير في ترتيب بعض الحروف، ففي الأبيات زاي طاء دال تاء طاء، فكرر الطاء وقدم الدال على التاء، ولعل ذلك من اختلاف الروايات أو بسبب نسيان الراوي، كما أن في الأبيات بعد الميم الواو، فالمهموز أي: الهمزة، فالياء، ولم يرد ذكر الألف ولعله مع المهموز أو قبله أو بعده، ولا ضَيْرَ في هذا الاختلاف اليسير، فهذا شأن المنظومات يحكمها الوزن والقافية.

وترتيب العين هو ترتيب (المحكم) لابن سيده، إلا أن ابن سيده خالفه في الأخير، فَرَتَّبَ بعد الميم الألف والياء والواو، وقد تأثر بالترتيب نفسه بقية الكتب التي ذكرتها.

أما بالنسبة لتقليب المادة، فهناك ثلاث طرق لاستخراج التقليبات: طريقة المثلث، وطريقة الدائرة، وطريقة الترقيم.

وهذه الطرق الثلاث يستخرجها بها تقليبات الثلاثي، وهي ستة، تبدأ بكل حرف مرةً فينتج كلمتين، فالكاف والتاء والباء حينما تضعها على رءوس المثلث، وتبدأ بالكاف يَمنةً ويسرةً، ينتج كلمتين، فالكاف حينما تبدأ بها يتحصل كاف وتاء وباء، ويتحصل مرة أخرى كاف وباء وتاء، وكذلك حين تبدأ بالتاء يمنةً ويسرةً يتحصل تاء وكاف وباء، وكذا تاء وباء وكاف، أما إذا بدأت بالباء يمنة مرة ويسرة أخرى، ينتج أيضًا كلمتان: الباء والتاء والكاف، والباء والكاف والتاء، وهكذا.

وأقرِّب تلك الفكرة بالنظر إلى المثلث أيضًا حينما توزِّع على زواياه فاء وتاء وحاء، فإنََّا إذا ابتدأنا بالحرف الذي في رأسه هو الفاء، نجد أن معنى المادة: فاء تاء حاء، وأخرى: فاء وحاء وتاء، وحينما نبتدئ بالزاوية اليمنى فإننا نحصل على المادة: التاء فالحاء فالفاء، والأخرى: تاء وفاء وحاء، وحينما نبدأ بالزاوية اليسرى فإننا نحصل على المادتين: حاء فاء تاء، وحاء تاء فاء على التوالي، ويبقى بعد ذلك اختيار المادة التي تُذكر قبل أخواتها، أو المادة التي يكون لها الاعتبار عند الترتيب في المعجم.

 لقد اختار الخليل بن أحمد -رائد علم المعجمات- أن يُرتب تلك المواد على أساس صوتي، فجمع تلك التقليبات تحت أدخل أصواتها مخرجًا بعد أن رتَّب أصوات العربية ترتيبًا مخرجيًّا، بادئًا بأصوات الحلق، منتهيًا بأصوات الشفة، مراعيًا مع ذلك النظام الكمي، فكان يبدأ كل حرف أو كل ما سمَّاه كتابًا بالألفاظ الثنائية، ثم الثلاثية، ثم الثلاثية المعتلة، ثم اللفيف، ثم الرباعية، ثم الخماسية، وعلى هذا الأساس -من مراعاة المواد، والتقليبات، والترتيب الصوتي، والتدرج في الأبنية، والإشارة إلى المهمل منهأ. ظهرت طائفة من المعاجم يطلق عليها “معاجم الترتيب الصوتي”، وهذه الكتب هي: (تهذيب اللغة) لأبي منصور الأزهري، و(البارع) لأبي علي القالي، و(المحيط) للصاحب بن عباد، و(المحكم) و(المحيط الأعظم) لأبي علي بن سيده. وقد عدَّ الباحثون تلك المجموعة وما دار حولها من دراسات مدرسةً معجميةً مستقلةً، وعلى الرغم من أن منهج هذه المدرسة أو المجموعة المعجمية يُعدُّ في رأي بعض الدارسين من أفضل المناهج، وبخاصة فيما يتصل بالترتيب الصوتي الذي يربط بين المعجم والدراسات الصوتية، ويجعل الباحث على وعيٍ بصوتيات لغته وأدائها، فإن لبعضهم عليه بعضَ المآخذ.

إن كتب هذه المدرسة تقسِّم كل حرف من هذه الحروف إلى مضعف الثلاثي، ومضعف الرباعي، والصحيح، والمعتل، والرباعي، وتتبع في كل قسم من هذه الأقسام طريقة التقاليب، وهذه الطريقة تُنتج في الثنائي -الذي هو مضعف الثلاثي- إمكانيتين لا غير؛ فالعين والقاف تقلبان إلى تقليبين: عين وقاف، وقاف وعين، وكذلك العين والكاف تقلَّب إلى تقليبين: عين وكاف، وكاف وعين. أما الثلاثي ففيه ستة تقاليب على ما اتضح آنفًا عن طريق المثلث، أو عن طريق الدائرة، أو عن طريق الترقيم، حين تضع: “واحد اثنان ثلاثة”، وتضع تحت واحد كافًا، وتضع تحت اثنين تاءً، وتضع تحت ثلاثة باءً، ثم تحاول أن تقرأ ما تحت واحد، ثم اثنين وثلاثة، ثم واحد وثلاثة واثنين، ثم تنتقل لرقم “اثنين” يمنةً ويسرةً، فتقرأ: “اثنين، واحد، ثلاثة”، و”اثنين ثلاثة واحد”، ثم تقرأ ما تحت رقم ثلاثة: “ثلاثة، واحد، اثنين”، ثم “ثلاثة، اثنين، واحد”، وهكذا.

وأما الأصل الرباعي فيُقلب إلى أربعة وعشرين تقليبًا من الناحية النظرية. وأما الخماسي فيقلب إلى مائة وعشرين تقليبًا.

وقد أفاد الخليل من معارفه الرياضية في الوصول إلى هذه التقاليب أو التقليبات، وقد أشار إلى المهمل والمستعمل ولا يهمه -بل لا يهم المدرسة كلها. إلا المستعمل فقط؛ ولذلك نراهم ينبهون على المستعمل من هذه التقاليب، فمثلًا في باب العين والهاء والدال، ينبه الخليل إلى أن العين والهاء والدال، والعين والدال والهاء، والدال والهاء والعين مستعملاتٌ فقط، ومعنى هذا: أن هناك ثلاثة تقاليب أخرى غير مستعملة من هذه المادة، تركها الخليل وغيره، ويضم حرف العين في كتاب الخليل جميعَ الكلمات التي تتضمن صوت العين في أي مَوْضع منها، ثم يليه حرف الحاء، ويضم جميع الكلمات المشتملة على حاء في أي موضع منها، مع استبعاد الكلمات التي فيها عين؛ لأنها قد ذكرت في حرف العين، ثم يلي ذلك حرف الهاء مشتملًا على الكلمات التي دخلتها الهاء، عدا ما يشتمل منها على عين أو حاء، أو هكذا، حتى إذا وصلنا إلى باب الميم مثلًا وجدناه لا يكاد يعدو صفحة أو صفحتين، في حين أن باب العين -وهو الباب الأول- باب ضخم جدًّا، بل إنه أضخم أبواب الكتاب. بهذا يكون المعجم قد أخذ شكلًا هرميًّا معكوسًا، قاعدته إلى أعلى وقمته إلى أسفل.

وقد تطورت أسس التقسيم المشترك بين هذه الكتب، فكان كتاب (العين) يحتوي على أربعة أبواب في كل حرف: الثنائي المضعف، فالثلاثي الصحيح، فاللفيف، فالرباعي والخماسي معًا، والثنائي المضعف عنده: ما اجتمع فيه حرفان صحيحان ولو مع تكرار أحدهما، أو تكرارهما في أي موضع؛ لذلك نرى فيه “قَدْ” المخففة، و”قدَّ” المضعفة العين واللام، و”قدقد” وتجد فيه أيضًا “ددن” الدال دال فالنون، والقلق، والجلل، كل هذا تجده في باب الثنائي المضعف، ولا تجده في الثلاثي، إذًا الثنائي -في نظر الخليل- ما اجتمع فيه حرفان صحيحان ولو مع تكرار أحدهما أو تكرارهما في أي موضع؛ في الأول في الوسط في الآخر، وبعد الثنائي يأتي الثلاثي الصحيح، وبعد الثلاثي الصحيح يأتي اللفيف، وقد اشتمل على الثلاثي المعتل الذي فيه حرف علة، سواء وقع أولًا، وهو المسمى بالمثال، أو وسطًا وهو مسمى صرفيًّا بالأجوف، أو آخرًا وهو المسمى بالناقص، ويشتمل على ما يعرف في الصرف باللفيف: وهو ما اجتمع فيه حرفا علة؛ مفروقان مثل: وعى، أو مقرونان مثل: لوَى.

فالثلاثي المعتل مع اللفيف في قسم واحد، وإن كان المعتل يسبق اللفيف، ثم يأتي الرباعي والخماسي وقد جمعهما معًا تحت باب واحد؛ لقلة الألفاظ التي وردت منهما، وليس بعد الخماسي باب؛ لأنه ليس للعرب بناء في الأسماء والأفعال أكثر من خمسة أحرف، فمهما وجدت زيادة على خمسة أحرف في فعل أو اسم، فاعلم أنها زائدة على البناء كما جاء في (تهذيب) الأزهري.

وسارت معظم الكتب على أسس الخليل هذه مع اختلاف طفيف أحيانًا، حيث فصل القالي ومَن جاء بعده الرباعي عن الخماسي، وأفردوا لكل منهما بابًا، وأفردوا من باب اللفيف الألفاظ الثلاثية المعتلة بحرف واحد، وجعلوها في باب واحد خاص باسم الثلاثي المعتل، كما حدث اختلاف بين هذه الكتب أيضًا في معالجة حروف العلة، فقد جمع الخليل ما فيه حرف علة أو حرفان مع المهموز، وخلطها في باب اللفيف، بينما نرى القالي قد فَصَلَ ما فيه حرف علة واحد باعتبار الهمزة من حروف العلة عما فيه حرفان، ولكنه لم يفصل المهموز عن اليائي أو الواوي، وحاول الأزهري فصل المهموز وافتخر بذلك، لكنه لم ينجح نجاحًا تامًّا، وفصل الصاحب بينهما في باب اللفيف، فقدَّم المبدوء بالحرف الصحيح، ثم ما أوله همزة، ثم ما أوله واو، ثم ما أوله ياء في أكثر المواضع، ولكنه لم يفعل ذلك في باب الثلاثي المعتل، وخلط الأنواع كلها، ونجح في فصلها ابن سيده في (محكمه) تبعًا لِمَا صنعه أبو بكر الزبيدي، حينما اختصر عين الخليل.

وحينما تطلع في مقدمات هذه الكتب المنتمية إلى المدرسة الصوتية، ترى تأثرها جميعًا بالخليل بن أحمد، اقرأ مثلًا مقدمة (المحيط في اللغة) للصاحب بن عباد، تجده يقول بعد البسملة: كلام العرب مبني على أربعة أنحاء: الثنائي والثلاثي والرباعي والخماسي، لا يجاوَز ببناء الكلمة والحروف الأصلية ذلك إلا أن تلحقها الزوائد، فقد تبلغ بها حينئذٍ سبعة، نحو: القرعبلانة -وهي دويبة- فأما الثنائي فإنه يجيء على ضربين؛ ربما جاء وأصله ثلاثة، نحو: دم فم شفة، ويتبين الذاهب منه ما هو بالتصريف، وربما جاء ولا أصلَ له في الثلاثي، نحو: الأدوات، وأسماء الزجر، والحكايات، مثل: من عَنْ، صَه مَه، طق قه، والثلاثي نحو قولك من الفعل: ذهب وضرب، ومن الاسم: حجر وشجر، والرباعي من الفعل نحو: دحرج وقرطس، ومن الاسم نحو: عقرب وعبقر، والخماسي من الأفعال لا يكون إلا بالزيادة، فأما من الأسماء فنحو: سفرجل، ولا يجيء الخماسي إلا وفيه حرف أو حرفان من حروف الذلاقة، ولها مخرجان؛ فمنها: الفاء والباء والميم، وهي من الشفة، ومنها: الراء والنون واللام، وهي من أسلة اللسان، وكذلك الرباعي إلا أن يكون فيه أحد حرفي الطلاقة، وهما العين والكاف أو كلاهما، أو السين والدال أو إحداهما، وهو مع ذلك قليل.

واعلم أن من الأبنية الصحيح والمعتل، فالصحيح: ما سلم في أصل بنائه من حروف العلل، وهي الواو والياء والألف، والمعتل: ما شابه حروفه حرف أو حرفان منها، فأما اللفيف: فما لا يكون فيه من الحروف الصحاح إلا حرف واحد، فإن قال قائل: لِمَ ابتدأ الخليل عند ذكر الأبنية بالثنائي، وقد قال سيبويه: أقل ما تكون الكلمة حرف واحد؟ قيل له: إنما أشار بالكلمة تسامحًا منه إلى حروف مفردة موصولة بأطراف الكلم، لا يقدر على قطعها منه، ولا تستقل بذواتها، نحو: لام لقد، وكاف هناك، فأما الكلمة فلا يستحقها حقيقة إلا ما يمكن الابتداء به والوقف عليه، وهذا لا يكون في أقل من حرفين، فإن قال: فلمَ لم يبتدئ بما كان على حرفين نحو: من وصه، إذ كانا أول الأبنية؟ قيل له: الثنائي قليل المورد في الكلام، مضبوط العدد في الإحصاء، حتى لم يجئ إلا أداةً أو ما شاكل الأداة، أو ندهًا أو حكايةً -النده: الزجر- ولم يكن له تصريف مع هذا؛ لأن أكثر ما له القلب، وقلما يتفق استعماله على وجهين، فلما كان كذلك عدَلَ عنه إلى الأكثر مباني ومعاني، والأوفر حظًّا من التصاريف وقسمًا، وهو الثلاثي.

ثم قال الصاحب: واعلم أن الخليل لَمَّا هم بجمع كلام العرب أجالَ فكره فيما يبني عليه كتابه ويدير عليه أبوابه، فنظر في الحروف كلها وذاقها، ووجد مخرج الكلام كله من الحلق، فصير أولاها بالابتداءِ أدخل حرفًا منها في الحلق، وكان ذلك العين، فجعلها أول الكتاب، ثم ما قرب منها الأرفع فالأرفع، وهذه صورة الحروف، وذِكْر نسبتها إلى مخارجها، وهي تسعة وعشرون حرفًا: العين والحاء والهاء والخاء والغين حلقية، القاف والكاف لهويتان، الجيم والشين والضاد شجرية، الصاد والسين والزاي أسلية، الطاء والدال والتاء نِطعية، الظاء والذال والثاء لثوية، الراء واللام والنون ذلقية، الفاء والباء والميم شفوية، الياء والواو والألف والهمزة هوائية.

ثم قال الصاحب: فإن قال قائل: فَلِمَ ابتدأ الخليل بالعين، وقد قال سيبويه وجماعة من النحويين: للحروف العربية ستة عشر مخرجًا، فأقصاها مخرجًا الهمزة والهاء، ومن وسط الحلق العين والحاء، وأدناها الغين والخاء، فقد قرأت لشيخنا أبي العباس المبرد -رحمه الله- ما أحكيه، قال: “الذي ثبت عندنا عن الخليل أنه قال: مخارج حروف الحلق ثلاثة؛ فالأول: مخرج الهمزة والهاء، والثاني: مخرج العين والحاء، والثالث: مخرج الغين والخاء، فإن كانت تقديمه العين من أجل أنها توسطت المخرجين ولحقت بالطرفين، فهو حسن، وإلا فلا معنى لإيثار تقديم العين. هذا آخر ما قاله.

ونحن نقول -والقول للصاحب بن عباد-: إن الهمزة والهاء وإن كان لهما التقدم في المخرج على أخواتهما من حروف حَلْقية، فإن الخليل إنما عدل عن الابتداء بهما؛ لأن الهمزة مهتوتة مضغوطة، فإذا رُفِّه عنها لانت فصارت ياءً أو واوًا أو ألفًا، وهذه طريقة تخالف طرق الحروف الصحيحة، ثم إنه يُتسلط عليها من نقل الحركات عنها والانقلاب والحذف، مثلما يُتسلط على حروف العلة أو أكثر، حتى عُدَّ من جملتها. والهاء أيضًا فيها هتة وخفاء -الهت: شبه العصر للصوت- وقد حذفت من الطرف حذف حروف المد واللين، وزِيدت زيادتها، وتُبدل من الهمز وتشركها في كونهما من الدرجة الأولى، فلما كان كذلك عُدِلَ عنهما إلى العين، ويقوي الابتداء بها أيضًا أنها مع كونهما على ما وصفنا أنصع الحروف جرسًا، وألذها سَمَاعًا، حتى لا تدخل في بناء إلا حسَّنته؛ ولذلك كثر ترددها في كلامهم، حتى لا بابَ أكبر من العين، قال الخليل: “وإنما بدأنا الأبنية بالمضعف؛ لأنه أخف على اللسان، وأقرب مأخذًا للمتفهم إن شاء الله”.

انتهى كلام الصاحب إسماعيل بن عباد في مقدمة كتابه (المحيط في اللغة) بتحقيق الشيخ محمد حسن آل ياسين.

 لقد بان أن كُتُب هذه المدرسة انتهجت النهج العام الذي أرسى دعائمه الخليل بن أحمد، حيث حصر مفردات اللغة، وأحصاها ذهنيًّا أو نظريًّا وعمليًّا، كما انتهجت نهجه الخاص وهو تصنيف تلك المفردات في كتاب واحد، وبان أيضًا أن ذكر الكلمات يكون تبعًا لحروفها الأصلية دون مراعاة الأحرف الزائدة أو المقلوبة عن أحرف أخرى، كما بان أيضًا أن المواد ترتب حسب مخارج حروفها، فالحلق يليه اللهاة، يليه الشجر، يليه الأسلة، يليه النِّطع، يليه اللثة، يليه الذلق، يليه الشفة، ثم يليه الجوف. والحروف الحلقية في العمل المنهجي الخاص بالعين تبدأ بحرف العين، فالحاء فالهاء فالخاء فالغين.

قضَى المنهج عند الخليل بأن يبدأ بالعين، حيث قال في مقدمته: “لم أبدأ بالهمزة؛ لأنها يلحقها النقص والتغيير والحذف، ولا بالألف؛ لأنها لا تكون في ابتداء الكلمة، ولا اسم ولا فعل إلا زائدةً أو مبدَلةً، ولا بالهاء؛ لأنها مهموسة خفية، لا صوتَ لها، فنزلت إلى الحيز الثاني وفيه العين والحاء، فوجدت العين أنصعَ الحرفين، فابتدأتُ به؛ ليكون أحسنَ في التأليف، ثم يلي حروف الحلق الحرفان اللهويان: القاف والكاف، يليهما الجيم فالشين فالضاد، يليها الصاد فالسين فالزاي، ثم الطاء فالدال فالتاء، ثم الظاء فالذال فالثاء، ثم الراء فاللام فالنون، ثم الفاء فالباء فالميم، ثم حروف الهواء: الواو والياء والألف والهمزة.

كما بان أن هذه الكتب قسمت أقسامًا على عدد الحروف، وبان أيضًا أن كل حرف مقسم إلى أبواب عدة، مراعًى في ترتيبها ما رُوعي في ترتيب الحروف، وبان أيضًا أن تبويب الكلمات يخضع لنظام الكمية أو نظام الأبنية، فرتبت كلمات كل كتاب أو باب أو حرف حسب الثنائي، فالثلاثي، فالرباعي، والخماسي، والثلاثي منه الصحيح ومنه المعتل ومنه اللفيف، ولهم نظرة خاصة في التعريف بالثنائي على النحو الذي بان لك، كما بان أنها تنتهج نهجَ التقليبات، فتعالج الكلمة ومقلوباتُها في موضع واحد، وتجمع تحت أبعد الحروف مخرجًا، وقد أشارت هذه الكتب إلى المستعمل من هذه التقليبات والمهمل، وحينما توضح هذه الكتب معاني الألفاظ، فإنها تستعين في شرحها بالشواهد من الشعر والحديث والأمثال والقرآن، ولكن اعتمادها على الشعر والقرآن كثيرًا، كما أنها تعتني بضبط الألفاظ بوسائل عدة.

error: النص محمي !!