Top
Image Alt

من أحكام الوصية الحسابية

  /  من أحكام الوصية الحسابية

من أحكام الوصية الحسابية

نذكر مسألة تُسمى مسألة تزاحم الوصايا، ومعنى تزاحم الوصايا تعددها وعَدَم اتساع ثُلثُ التّركة لها؛ فتتزاحم أي: تَكْثُر, وثلث التركة لا يسمح لها، إذا لم يجز الورثة أو أجاز الورثة ما زاد على التركة ولكن لم تتسع لها التركة، وما دمنا في الأحكام الحسابية للوصية نقول: مَسْألة تزاحم الوصايا من المسائل التي يمثل بها للأحكام الحسابية أو لمثال من أمثلة الأحكام الحسابية, وتزاحم الوصايا هذا لا يَخْرُج عن ثلاثة احتمالات: التزاحم بين وصايا كلها للناس، أو التزاحم بين وصايا كلها قربات لله وليست للناس، أو التزاحم بين وصايا بعضها لله وبعضها للناس.

الصورة الأولى أو الحالة الأولى: إذا كانت الوصايا كلها للناس, بمعنى: أن يوصي شخص بثلث ماله لشخص، ويوصي لشخص آخر بثلث المال، فكأن الحالة الأولى تزاحمت الوصايا, أي: تعددت، فليست لشخص واحد. وهي هنا كلها للناس فهو أوصى لشخصين، أوصى لشخص فقال له: أوصيت لفلان وحددها بثلث ماله، وقال: أوصيت لآخر بسدس مالي، والوصية زادت هنا على الثلث؛ لأن لشخص الثلث ولشخص السدس؛ والورثة لم يجيزوا الزيادة على الثلث.

وتكون الناحية الحسابية هنا بأن يُقسم الثلث بينهما بالمحاصَّة، ومعنى المحاصة: أن يأخذ كل منهما -صاحب الثلث، وصاحب السدس- الثلث فقط؛ لأنّ الوَرَثة لم يجيزوا الزيادة بنسبة سهمِ كلٍّ مِنْهُما, وهذا عند الجمهور -المالكية والشافعية والحنابلة- فكُلٌّ مِنْهُما -أي: من الشخصين اللذين أوصى لهما- يأخذ بنسبة ما أوصى له؛ فيُعْطَى لمن أوصى له الموصي بالثلث سهمان من الثلث، ويعطى لمن أوصى له بالسدس سهم واحد من الثلث؛ فتكون النتيجة أن ما أراده الموصي تحقق مع النقصان؛ لأنه أوصى لشخص بثلثين ولشخص بالسدس, فكأن صاحب الثلثين يزيد على صاحب السدس سهمًا, فهنا قسمنا بالمحاصة.

أما الحنفية فقالوا: لا نفرق بينهما, فما دام الورثة لم يجيزوا الزيادة على الثلث؛ تكون قسمة الثلث الذي أوصي أو لا تجوز الزيادة عليه بينهما بالسوية، فيقسم بينهما بحيث يكون لكل واحد منهما نصف الثلث، أي: نصف التركة, إن أوصى لشخصين كل منهما بثلث ماله.

أي: قال: أوصيت لشخص بثلث مالي، ولشخص آخر بثلث مالي؛ كأنّه أوصى بثلثي التركة, وجاء الورثة ولم يجيزوا هذه الزيادة؛ فيقسم الثلث بينهما نصفين عند جميع الفقهاء, مراعاة لما قلناه؛ لأنه لا اختلاف هنا بين الجمهور والحنفية، لأن الموصي ساوى بينهما عندما قال: لهذا الثلث ولذاك الثلث، لما لم يجز الورثة الزيادة على الثلث وهو الثلث الثاني, فيقسم الثلث الواحد بينهما بالسوية.

ونفس الأمر ينطبق على حالة ما إذا أوصى لشخصين، بما يزيد على مجموع التركة، وأجاز الورثة الزيادة على الثلث، فتقسم التركة بينهما بالسوية، فإذا أوصى لشخصين بما يزيد على مجموع التركة؛ حيث يقول: أوصيتُ لفُلان وفُلان بكذا أو بعشرة آلاف من الدينارات، ووجد أن هذه الوصية تزيد على مجموع التركة, وأجاز الورثة الزيادة على الثلث فقالوا: نحن نجيز ولا نَحْتَاجُ إلى مال, ونجيز الزيادة على الثلث، فتُقَسّم كلُّ التّركة بينهما بالسوية بناء على الصورة السابقة التي قسمنا فيها الثلث بينهما نصفين عند الجميع. هذه هي الحَالة الأولى ما إذا كانت الوصايا كلها للناس.

الصورة الثانية أو الحالة الثانية: إذا كانت الوصايا كلها قربات لله, والقربات قد تكون في درجة واحدة أو مختلفة الدرجة، وإذا كانت في درجة واحدة بمعنى: أن يُوصي بوصية كلها فَرائِض؛ كأن يُوصي فيقول: أوصيتُ بِزَكاة من مالي في حدود كذا, أو بِمَبْلغ كذا، أو أوصيت بحج من مالي بمبلغ كذا، فهذه الوصايا فرائض أو كلها واجبات فقط, وهذا عند الحنفية؛ كأن يوصي مثلًا بالأضاحي والكفارات، والأضاحي والكفارات في نظر الحنفية واجبات، أو يُوصي بمندوبات فقط؛ كأن يُوصي مثلًا بصدقة وبناء مسجد.

وقال الفقهاء في تقسيم التركة من الناحية الحسابية: يُقدم من هذه الأشياء المُتّحدة الدرجة، إذا كانت فرائض أو واجبات فقط، أو مندوبات فقط، فيُقَدّم منها ما قدمه الميت ونؤخر ما أخره؛ لأن الظاهر من حاله أن يبدأ بالأهم، وينتهي بالذي ليس هو أهم في نظره, والثابت بالظاهر كالثابت بالنص.

وإذا لم يُقَدّم قُربى على أخرى, وعَيّن لكل منهما سهمًا محدودًا، كأن قال: أوصيتُ بزكاة بمبلغ كذا وبحج, وكانت تخرج الزكاة والحج من ثلث التركة، لا تزيد على الثلث؛ يوزع هذا الثلث بينهما بالمحاصة، أي: يخرج للزكاة بالنسبة التي حددها، وللحج بالنسبة التي حددها، فكلٌّ من الفرضين أو كل من الواجبين أو كل واحد من المندوبين إذا حدد لكل منهما سهمًا؛ يخرج بنفس النسبة التي ذكرنا إشارة لها قبل ذلك.

وإذا لم يُحَدّد لكل منهما -أي: للزكاة والحج بالنسبة للمفروضات، أو للأضاحي والكفارات بالنسبة للواجبات- سهمًا, يوزع الثلث بين هذه القربات بالتساوي؛ لاستوائها في الدّرجة.

فإذا اختلفت في الدرجة كأن أوصى بزكاة وأوصى بكفارة وأوصى ببناء مسجد؛ فحينئذٍ يُقَدّم الفَرض وهو الزكاة على الواجب؛ لأنّها كفارة، ويُقَدّم الواجب وهو الكفارة على التطوع وهو بِنَاء المسجد, حتى لو أوصى الميت بخلاف ذلك؛ لأن الفرائض تقدم على الواجبات, والواجبات تقدم على المندوبات.

الحالة الثالثة: وهي حالة ما إذا كانت الوصايا بعضها لله وبعضها للعبد؛ بعضها لله كما الحال في القربات، وبعضها للعبد أي: لأناس؛ فإن ذكر الموصي حد السهام بأنْ قال: أوصيتُ بثُلث مالي للزكاة، وبسُدس المال لفلان، والزكاة قربى وفلان من عباد الله ولم يجز الورثة الزيادة؛ فيقسم الثلث بين الزكاة والسدس هذا بالمحاصة, الزكاة تأخذ سهمين وفلان هذا يأخذ سهمًا واحدًا.

وإذا لم يَذْكُر أسهمًا بأن قال: أوصيتُ بثلث مالي للزكاة ولفلان, فالوصية توزع بالتساوي, بمعنى: أنه لو أوصى لبناء مسجد وبناء مدرسة وصدقة لفلان, قسم الثلث بين هذه الجهات الثلاثة بالتساوي أثلاثًا, لكل جهة من هذه الجهات سهم منها، هذا مثال للأحكام الحسابية للوصية, وهناك أمثلة كثيرة غير ذلك.

error: النص محمي !!