Top
Image Alt

من أنكر وجود الله تعالى

  /  من أنكر وجود الله تعالى

من أنكر وجود الله تعالى

لقد قدمنا أن الإقرار بالصانع، وأن للكون موجدًا، خلقه، ودبر شئونه، وقدر أموره، أمر فطري مستقر في الفطر السليمة التي لم تتأثر بالمغيرات الطارئة، وأن المشركين المعاندين المعادين للرسل في جميع الأمم لم يكن جدالهم وخصومتهم مع الرسل الواسطة بينهم وبين الله تعالى في ربوبية الله تعالى؛ لأن هذا أمر مجمع عليه، وإنما كانت الخصومة بين الرسل وأممهم في أمر آخر، هو توحيد الألوهية، وأن الله تعالى الذي تقر جميع الأمم بربوبيته وخالقيته أنه تصرف له جميع أنواع العبادات خالصة لوجهه الكريم، من غير أن يصرف شيء منها لغيره من الوسطاء والشركاء والمقربين المزعومين، إلا أنه ظهر في بعض الأمم من يدعي إنكار وجوده هذا الخالق داعيًا أمته إلى عبادته هو والعياذ بالله تعالى.

وأشهر من عرف تجاهله وتظاهره بإنكار الصانع فرعون، وكان مستيقنًا بالخالق في الباطن، يقول الشيخ ابن أبي العز الحنفي –رحمه الله-: “وهذا التوحيد لم يذهب إلى نقيضه طائفة معروفة من بني آدم، بل القلوب مفطورة على الإقرار به أعظم من كونها مفطورة على الإقرار بغيره من الموجودات، كما قالت الرسل فيما حكى الله عنهم: {أَفِي اللّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} [إبراهيم:10]، وأشهر من عرف تجاهله وتظاهره بإنكار الصانع فرعون، وقد كان مستيقنًا به في الباطن، كما قال موسى: {قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَـؤُلاء إِلاَّ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَآئِرَ} [الإسراء:102]، وقال تعالى عنه وعن قومه: {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا} [النمل:14]؛ ولهذا لما قال: {وَمَا رَبُّ الْعَالَمِين} [الشعراء:23]؟ على وجه الإنكار وتجاهل العارف، قال له موسى: {قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إن كُنتُم مُّوقِنِين * قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلاَ تَسْتَمِعُون * قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلاَ تَسْتَمِعُون * قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُون * قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِن كُنتُمْ تَعْقِلُون} [الشعراء: 24- 28]، وقد زعم طائفة أن فرعون سأل موسى مستفهمًا عن الماهية، وأن المسئول عنه لما لم يكن له ماهية عجز موسى عن الجواب! وهذا غلط، وإنما هذا استفهام إنكار وجحد، كما دل سائر آيات القرآن على أن فرعون كان جاحدًا لله نافيًا له لم يكن مثبتًا له طالبًا للعلم بماهيته؛ فلهذا بين لهم موسى أنه معروف، وأن آياته ودلائل ربوبيته أظهر وأشهر من أن يسأل عنه بـ: “ما هو؟” بل إنه أعرف وأظهر وأبين من أن يجهل؛ بل معرفته مستقرة في الفطر أعظم من كل معروف”. انتهى كلامه.

والمقصود أن الشرك، وإن كان وجوده في العالم كثيرًا؛ إلا أن إنكار الصانع بالكلية وجحده قليل -كما قدمنا-، حتى إن مشركي العرب في الجاهلية -مع فشو إشراكهم بالله تعالى، وعبادتهم الأصنام مع الله تعالى- لم يكونوا ينكرون وجود الصانع، وإنما كانوا يعبدون الأصنام مثل: “هبل” و”اللات” و”العزى” و”مناة” ويزعمون أنها آلهة تقربهم من الله تعالى زلفى، وأن هذه الأصنام وإن كانت في اعتقادهم آلهة إلا أن الله تعالى هو الإله الأكبر، أو إله الآلهة، قال تعالى -حكاية عنهم-: {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} [الزُّمَر:3]، وقال تعالى أيضًا عنهم: {أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَاب} [ص:5]؛ ولهذا كانوا يقولون في تلبيتهم:

لبيك لا شريك لك

*إلا شريكًا هو لك

تملكه وما ملك

*… … … … ….

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية –رحمه الله-: “وأما الربوبية فكانوا مقرين بها؛ قال الله تعالى: {وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} [الزُّمَر:38]، وقال: {قُل لِّمَنِ الأَرْضُ وَمَن فِيهَا إِن كُنتُمْ تَعْلَمُون * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلاَ تَذَكَّرُون * قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيم * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلاَ تَتَّقُون * قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلاَ يُجَارُ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُون * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُون} [المؤمنون:84 – 89] . وما اعتقد أحد منهم قط أن الأصنام هي التي تنزل الغيث، وترزق العالم وتدبره، وإنما كان شركهم -كما ذكرنا- اتخاذهم من دون الله أندادًا يحبونهم كحب الله، وهذا المعنى يدل على أن من أحب شيئًا من دون الله كما يحب الله تعالى؛ فقد أشرك، وهذا كقوله: {قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُون * تَاللَّهِ إِن كُنَّا لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِين * إِذْ نُسَوِّيكُم بِرَبِّ الْعَالَمِين} [الشعراء:96 – 98]، وكذا من خاف أحدًا كما يخاف الله، أو رجاه كما يرجو الله… وما أشبه ذلك”. انتهى كلامه.

error: النص محمي !!