Top
Image Alt

من الأخلاق التي يجب أن يتخلق بها الداعية: الإخلاص

  /  من الأخلاق التي يجب أن يتخلق بها الداعية: الإخلاص

من الأخلاق التي يجب أن يتخلق بها الداعية: الإخلاص

أمر الله -تبارك وتعالى- بالإخلاص في القرآن الكريم في أكثر من آية فقال سبحانه: {إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّين} [الزمر: 2]، وقال سبحانه: {فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ}، وقال سبحانه: {هُوَ الْحَيُّ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} [غافر: 65]، وبيَّن سبحانه وتعالى أنه أمر السابقين بالإخلاص كما أمر الأخيرين، فقال عن السابقين: {وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء} [البينة: 5]، وبيَّن الله سبحانه وتعالى أن الإخلاص شرط في قبول الأعمال فقال -عز وجل-: {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللّهُ مِنَ الْمُتَّقِين} [المائدة: 27]، وقال سبحانه: {لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلاَ دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ} [الحج: 37]، والمراد بالتقوى هو الإخلاص، والمراد بالمتقين المخلصين. وقال سبحانه وتعالى: {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً} [الملك: 2].

قال الفضيل بن عياض -رحمه الله- في تفسير هذه الآية {لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً}: “يعني: أخلصه وأصوبه، فإذا كان العمل خالصًا ولم يكن صوابًا لم يُقبل، وإذا كان صوابًا لم يُقبل، وإذا كان صوابًا ولم يكن خالصًا؛ لم يقبل، حتى يكون خالصًا وصوابًا. قالوا: يا أبا علي، ما الخالص، وما الصواب؟ قال: الخالص ما كان لله، والصواب ما وافق سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم”. وقال الله تبارك وتعالى: {فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحًا وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} [الكهف: 110]. قال ابن كثير -رحمه الله- في تفسير هذه الآية: {فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحًا وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا}قال: “هذان ركنا العمل المتقبل لا بد أن يكون خالصًا لله صوابًا على شريعة رسول الله -صلى الله عليه وسلم”. وقال ابن القيم -رحمه الله تعالى: “العمل بغير إخلاص ولا اقتداء كالمسافر يملأ جرابه رملًا ينقله ولا ينفعه”.

الإخلاص لغة: مصدر أخلص يخلص، وهو مأخوذ من مادة خَلَص التي تدل على تنقية الشيء وتهذيبه، والشيء الخالص كالصافي إلا أن الخالص ما زال عنه شوبه بعد أن كان فيه، والصافي قد يقال لما لا شوب فيه، وقد تعدَّدت عبارات العلماء في ضابط الإخلاص، فقال التستري: “الإخلاص أن يكون سكون العبد وحركاته لله تعالى خاصة”، وقال إبراهيم بن أدهم: “الإخلاص صدق النية مع الله تعالى”، وقال أبو عثمان: “الإخلاص نسيان رؤية الخلق بدوام النظر إلى الخالق فقط”، وقال الفضيل: “ترك العمل من أجل الناس رياء، والعمل من أجل الناس شرك، والإخلاص أن يعافيك الله منهما”.

وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم: ((إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى))، وبهذا الحديث صدَّر البخاري -رحمه الله- كتابه الصحيح، وأقامه مقام الخطبة له؛ إشارة منه إلى أن كل عمل لا يُراد به وجه الله تعالى فهو باطل لا ثمرة له في الدنيا ولا في الآخرة، فالإسلام يرقب بعناية فائقة ما يقارن أعمال الناس من نيات وما يُلابسها من عواطف وانفعالات، وقيمة العمل في الإسلام ترجع قبل كل شيء إلى طبيعة البواعث التي تمخضت عنه، قد يُعطي الإنسان هبة جزيلة؛ لأنه يريد بصنائع المعروف أن يستميل إليه القلوب، وقد يعطيها لأنه يريد أن يجزي خيرًا من سبقوا، وأسدوا إليه خيرًا، وكلا المسلكين كرم دفع إليه شعور المرء بنفسه سلبًا أو إيجابًا كما يُعبّر علماء النفس، ولكن الإسلام لا يعتدّ بالصدقة إلا إذا خلصت من شوائب النفس، وتمخضت لله -عز وجل- وحده على نحو قول الله سبحانه حكاية عن الأبرار: {إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لاَ نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلاَ شُكُورًا} [الإنسان: 9]. وكما قال عن سيد الصحابة أبي بكر رضي الله عنه: {الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى وَمَا لأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَى إِلاَّ ابْتِغَاء وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى وَلَسَوْفَ يَرْضَى} [الليل: 18- 21].إن صلاح النية وإخلاص الفؤاد لرب العالمين يرتفعان بمنزلة العمل الدنيوي البحت، فيجعلانه عبادة متقبلة، وإن خبث الطويَّة يهبط بالطاعات المحضة فيقبلها معاصي شانئة؛ فلا ينال المرء منها بعد التعب في أدائها إلا الفشل والخسارة، حدث في غزوة العسرة أن تقدم إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم رجال يريدون أن يقاتلوا الكفار معه، وأن يجودوا بأنفسهم في سبيل الله غير أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم لم يستطع تجهيزهم للخروج معه، فعادوا يبكون حزنًا على عدم قدرتهم على الخروج مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم، فرفع الله -تبارك وتعالى- عنهم الحرج، وأنزل فيهم قوله: {وَلاَ عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لاَ أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّواْ وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلاَّ يَجِدُواْ مَا يُنفِقُون} [التوبة: 92]، فلما انتهى النبي -صلى الله عليه وسلم إلى تبوك قال للجيش الذي خرج معه: ((إن أقوامًا خلفنا بالمدينة ما سلكنا شعبًا ولا واديًا إلا وهم معنا، حبسهم العذر)).

إن النية الصادقة سجَّلت لهم ثواب المجاهدين؛ لأنهم قعدوا راغمين، ولئن كانت النية الصالحة تُضفي على صاحبها هذا القبول الواسع، فإن النية المدخولة تنضم إلى العمل الصالح في صورته؛ فيستحيل بها إلى معصية تستجلب الويل، كما قال الله تعالى: {فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّين الَّذِينَ هُمْ عَن صَلاَتِهِمْ سَاهُون الَّذِينَ هُمْ يُرَاؤُون وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُون}  [الماعون: 4- 7].

إن الصلاة مع الرياء أمست جريمة، وبعدما فقدت روح الإخلاص باءت صورة ميتة لا خير فيها، وكذلك الزكاة إنها إن صدرت عن قلب يسخو لله -عز وجل- ويدخر عنده صدقته قُبلت منه، وإلا فهي عمل باطل كما قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأذَى كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاء النَّاسِ وَلاَ يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لاَّ يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِّمَّا كَسَبُواْ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِين} [البقرة: 264] إن القلب المقفرَّ من الإخلاص لا يُنبت قبولًا كالحجر المكسوّ بالتراب لا يُخرج زرعًا، والقشور الخادعة لا تغني عن اللباب الرديء شيئًا. ألا ما أنفس الإخلاص، وأغزر بركته إنه يُخالط القليل فينمّيه حتى يزن الجبال، ويخلو منه الكثير؛ فلا يزن عند الله مثقال ذرة، فعلى طالب العلم أن يُخلص نيته لله -تبارك وتعالى- وعلى كل داعية أن يُخلص نيته لله تبارك وتعالى، وعلى معلم العلم ومعلم القرآن أن يخلص نيته لله تبارك وتعالى، وعلى كل عامل أن يخلص لله -عز وجل- في عمله، وأن يبتغي وجه الله -عز وجل-؛ حتى يتحقق له الأجر والثواب الذي وعده الله -تبارك وتعالى- به، وإلا انقلب عمله عليه، وصار حجة عليه، ودخل بسبب عدم إخلاص نيته النار الحامية، والعياذ بالله.

عن أبي هريرة -رضي الله عنه-قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم يقول: ((إن أول الناس يُقضى يوم القيامة عليه رجل استشهد، فأتي به فعرَّفه نعمه فعرفها قال: فما عملت فيها؟ قال: قاتلت فيك حتى استشهدت، قال: كذبت، ولكنك قاتلت لأن يقال: جريء، فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه فألقي في النار، ورجل تعلم العلم وعلمه وقرأ القرآن، فأُتي به فعرفه نعمه فعرفها. قال: فما عملت فيها؟ قال: تعلمت العلم وعلمته، وقرأت فيك القرآن. قال: كذبت، ولكنك تعلمت العلم ليقال عالم، وقرأت القرآن ليقال: هو قارئ، فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى أُلقي في النار، ورجل وسع الله عليه وأعطاه من أصناف المال كله فأتي به فعرفه نعمه فعرفها، فقال: ما عملت فيها؟ قال: ما تركت من سبيل تحب أن ينفق فيها إلا أنفقت فيها لك. قال: كذبت. ولكنك فعلت ليقال هو جواد، فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه فألقي في النار)).

وعن أبي بن كعب قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: ((بشّر هذه الأمة بالثناء والرفعة والدين والنصر والتمكين في الأرض، فمن عمل منهم عمل الآخرة للدنيا لم يكن له في الآخرة نصيب)). فالإخلاص الإخلاص أيها الداعية فإنه أساس نجاحك في دعوتك، وأساس قبول جهدك الذي تبذله في هذه الدعوة، فإن قلت: وما هي علامة الإخلاص؟ فالجواب: إن علامة إخلاصك في الدعوة انفعالك بالدعوة وتحسسك لها، وبذل أقصى الجهد في تبليغها؛ لأن من أخلص لشيء أعطاه كل ما يملك من ماله ووقته وجهده وفكره، وكل إمكاناته، لا بد أن تكون كلها في خدمة الدعوة، وتحت تصرفها.

فالداعية الذي يعطي دعوته ماله ويبخل عليها بوقته، أو يعطيها جهده الجسمي ويضنّ عليها بنتاج عقله؛ لا يمكن أن يكون مخلصًا لدعوته، ولا مهتمًّا بنشرها؛ لأن الداعية المخلص يجب أن تكون دعوته هي شغله الشاغل الذي لا يصرفه عنه صارف مهما عظم، فهو يقدم الدعوة على طعامه وشرابه، ويؤثرها على زوجه وأولاده، ويتصورها في يقظته ومنامه، ويبذل ماله ليكسب لها الأنصار، ويتألف بها الأعوان، ويضني جسمه ليبلغ بها أبعد الآفاق، ويكدّ عقله ليبتكر الوسائل التي تعينه على إقناع الناس بها، وتحثهم على الالتفاف حولها.

وللإخلاص فوائد كثيرة: منها أن يمدّ جأش صاحبه بقوة، فلا يتباطأ أن ينهض للدفاع عن الحق، ومنها: أنه يشرح صدر صاحبه للإنفاق في وجوه البر فتجده يُؤثرها بجانب من ماله وإن كان به خصاصة، ومنها أنه يعلم صاحبه الزهد في عرض الدنيا فلا يُخشى منه أن ينوّه الحق، أو يلبسه بشيء من الباطل ولو أعطي الشيء الكثير من المال، ومنها أنه يحمل القاضي على تحقيق النظر في القضايا، فلا يتسرع في القضية ويفصل فيها إلا بعد أن يتثبت، ويتبين له الحق.

ومن فوائد الإخلاص أنه يحمل المعلم على أن يبذل جهده في إيضاح ما خفي على التلميذ، وألا يبخل على الطلاب بما تسعه أفهامهم من المباحث المفيدة، ومنها أنه يمنع التاجر من الخيانة؛ فلا يخون الذي يأتمنه، ومنها أنه يحمل صاحبه على إجادة العمل، وأن يكون محسنًا فيه، ومنها أنه يحمل صاحبه على الوفاء بالعهد والوعد، ومنها أنه يحمل صاحبه على أن يكون عمله للقريب والبعيد سواء، ومنها أن العبد لا يتخلص من الشيطان إلا بإخلاص نيَّته للرحمن، فقد حكى الله -تبارك وتعالى- عن إبليس -لعنه الله- أنه قال: {فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِين إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِين} [ص: 82، 83].

ومنها: أنه يميّز العمل من العيوب كتمييز اللبن من الفرث والدم، ومنها أن المخلص إذا نام حتى يُريح نفسه ويجمّها للعمل ليتقوَّى على العبادة يكون نومه عبادة، كما في الحديث عن أبي الدرداء -رضي الله عنه-يبلغ به النبي -صلى الله عليه وسلم قال: ((من أتى فراشه وهو ينوي أن يقوم يصلي من الليل فغلبته عيناه حتى أصبح؛ كُتب له ما نوى، وكان نومه صدقة عليه من ربه)).

وعن أبي كبشة الأنماري -رضي الله عنه-أنه سمع رسول الله -صلى الله عليه وسلم يقول: ((إنما الدنيا لأربعة نفر: عبد رزقه الله مالًا وعلمًا فهو يتقي فيه ربه ويصل فيه رحمه، ويعلم لله فيه حقه، فهذا بأفضل المنازل، وعبد رزقه الله علمًا ولم يرزقه مالًا فهو صادق النية يقول: لو أن لي مالًا لعملت بعمل فلان، فهو بنيته، فأجره سواء)).

error: النص محمي !!