Top
Image Alt

من الأدوات التي يحتاج إليها المفسر: “الهمزة”، “إذ” و”إذا”

  /  من الأدوات التي يحتاج إليها المفسر: “الهمزة”، “إذ” و”إذا”

من الأدوات التي يحتاج إليها المفسر: “الهمزة”، “إذ” و”إذا”

1. مقدمة: ننتقل إلى نوع مهم وهو ما يُسمّى بمعاني الأدوات التي يحتاج إليها المفسر، وهو النوع الأربعون الذي ذكره العلامة السيوطي في كتابه (الإتقان). يقول -رحمه الله-: “وأعني بالأدوات: الحروف وما شاكلها من الأسماء والأفعال والظروف”. وسنبيِّن ذلك بشيء من التفصيل. يقول العلامة السيوطي: هذه الأدوات تشمل الحروف والأسماء والأفعال والظروف واعلم أن معرفة ذلك من المهمات المطلوبة؛ لاختلاف مواقعها، ولهذا يختلف الكلام والاستنباط بحسبها، كما في قوله تعالى: {وَإِنّآ أَوْ إِيّاكُمْ لَعَلَىَ هُدًى أَوْ فِي ضَلاَلٍ مّبِينٍ} [سبأ: 24]، تأمل هذه الآية، تأمل استعمال “على” واستعمال “في”؛ اسْتُعْمِلَتْ “على” في جانب الحق، واستعملت “في” في جانب الضلال؛ لأن صاحب الحق، كأنه مستعلٍ، مرتفع، يصرف نظره كيف شاء، أما صاحب الباطل فكأنه مُنَكَّسٌ منغمس في ظلام منخفض لا يدري أين يتوجه. والآيات من هذه الشاكلة أو من هذا النوع؛ حيث نجد الأدوات تختلف معناها حسب موقعها كثيرة، خذ مثالًا آخر في قول الله -جل وعلا-: {إِنّمَا الصّدَقَاتُ لِلْفُقَرَآءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللّهِ وَابْنِ السّبِيلِ} [التوبة: 60]، ترى استعملت اللام في بعضها، و”في” في بعضها الآخر. يقول العلامة: والمفسرون أيضًا يقول: في الآية عدل عن اللام إلى “في” في الأربعة الأخيرة؛ إيذانًا إلى أنهم أكثر استحقاقًا للمتصدق عليهم، بمن سبق ذكره باللام؛ لأن “في” الوعاء، فنبه باستعمالها على أنهم أحقاء بأن يجعلوا مظنة للوضع الصدقات فيهم، كما يوضع الشيء في وعائه مستقرًّا فيه. ويقول الفارسي: إنما قال: {وَفِي الرّقَابِ} ولم يقل: وللرقاب؛ ليدل على أن العبد لا يملك. وفعلًا هذا العبد الذي يُعْطَى إذا كان مكاتبًا، يعطى من الزكاة، هو لا يَأْخُذُ المال لنفسه، كالفقراء الفقير يأخذ لنفسه الفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم، وفي الرقاب، في الرقاب؛ في تحرير الرقاب يأخذ العبد ليدفع لسيده طبعًا، استعمال الأدوات، لا بد من أن يحيط المفسر علمًا بذلك. وعن ابن عباس رضي الله عنهما يقول في قوله -جل وعلا-: {فَوَيْلٌ لّلْمُصَلّينَ (4) الّذِينَ هُمْ عَن صَلاَتِهِمْ سَاهُونَ} [الماعون: 4، 5]. يقول: الحمد لله الذي قال: {عَن صَلاَتِهِمْ سَاهُونَ} ولم يقل: في صلاتهم ساهون. وسيأتي ذكر كثير من أشباه ذلك. من الأدوات التي ذكرها العلامة السيوطي “الهمزة” وتكلم عن “الهمزة” وتكلم عن أدوات شرط، وعن “إذ” وعن “إذا” وعن “إن” وعن أدوات كثيرة، طبعًا لا يتسع المقام لبسطها، إنما سآخذ منها نماذج، أنبه بها إلى أن المفسر لا بد أن يقف، ولا بد أن يلم بداية بهذه الأدوات، ويعرف معناها، ويتحرى المعنى المناسب لها في موقعها؛ حتى يكون تفسيره مكتملًا، وعلى النحو الذي يرضي الله -تبارك وتعالى. 2. الهمزة: يقول العلامة السيوطي: تأتي الهمزة على وجهين؛ أحدهما: الاستفهام، وحقيقته: طلب الإفهام، ولها -أي: المعنى الثاني- أنها تأتي حرف نداء. الوجه الأول: الاستفهام: الهمزة تأتي للاستفهام، حقيقته: طلب الفهم، واختصت -وهي استفهامية- بأمور: أولًا: جواز حذفها -كما سيأتي في نوع بعد ذلك. ثانيًا: أن ترد لطلب التصور والتصديق؛ الهمزة تأتي في الاستفهام بطلب التصور ولطلب التصديق، بخلاف “هَلْ”، فإنها للتصديق خاصة، وسائر الأدوات للتصور خاصة. ثالثًا: أنها تدخل على الإثبات كما تدخل على النفي: {أَكَانَ لِلنّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنَآ إِلَىَ} [يونس: 2]، {ءَآلذّكَرَيْنِ حَرّمَ أَمِ الاُنثَيَيْنِ} [الأنعام: 143]، وعلى النفي: {أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ} [الشَّرح: 1]، وتفيد حينئذ معنيين؛ التذكر والتنبيه، والتعجب، التذكر والتنبيه كالمثال المذكور، وكقوله: {أَلَمْ تَرَ إِلَىَ رَبّكَ كَيْفَ مَدّ الظّلّ} [الفرقان: 45]. وتفيد التعجب من الأمر العظيم كقوله: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ} [البقرة: 243]، وقد يجمع بين التذكر والتعجب في معناها، كما جاء في قوله -يأتي فيها تحذير كذلك، كقوله-: {أَلَمْ نُهْلِكِ الأوّلِينَ} [المرسلات: 16]، هذا من الأمور التي خصت بها الهمزة. رابعًا: تختص كذلك بتقديمها على حرف العطف؛ تنبيها على أصالتها في التصدير كقوله: {أَوَكُلّمَا عَاهَدُواْ عَهْداً نّبَذَهُ فَرِيقٌ مّنْهُم} [البقرة: 100]، {أَوَ أَمِنَ أَهْلُ الْقُرَىَ} [الأعراف: 98]، {أَثُمّ إِذَا مَا وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ} [يونس: 51]، وسائر أخواتها يتأخر عنه، كما هو قياس جميع أجزاء الجمعة المعطوفة -يعني: باقي أدوات الاستفهام تتأخر عن حرف العطف {فَكَيْفَ تَتّقُونَ} [المزَّمل: 17]، {فَأيْنَ تَذْهَبُونَ} [التكوير: 26]، {فَأَنّىَ تُؤْفَكُونَ} [الأنعام: 95]، {فَهَلْ يُهْلَكُ إِلاّ الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ} [الأحقاف: 35]، {فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ} [النساء: 88]، {فَأَيّ الْفَرِيقَيْنِ} [الأنعام: 81]. خامسًا: أنها تدخل على الشرط: {أَفَإِنْ مّتّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ} [الأنبياء: 34]، {أَفإِنْ مّاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَىَ أَعْقَابِكُمْ} [آل عمران: 144]. والاستفهام يأتي في القرآن الكريم إلى معاني مجازية، تصل إلى اثنتين وثلاثين حالة، يعني تأتي الهمزة في الاستفهام الحقيقي، هذا الذي تكلمنا فيه باختصار، وتأتي للاستفهام المجازي في القرآن الكريم، ولها استعمالات تصل إلى اثنتين وثلاثين حالة من الاستفهام المجازي في القرآن الكريم، وعندما يلم المفسر، ويقف على معاني الاستفهام الحقيقي والمجازي وأغراضه، سيكون قد ألم بقسط كبير من هذا الباب الذي لا بد للمفسر أن يعرفه ويقف عليه. فائدة عابرة: إذا دخلت الهمزة على “رأيت” من الرؤية البصرية أو القلبية، إن دخلت عليها الهمزة امتنع أن تكون رأيت من رؤية البصر أو القلب وتحولت إلى معنى: أخبرني، {أَرَأَيْتَ إِن كَانَ عَلَىَ الْهُدَىَ} [العلق: 11]، {أَرَأَيْتَ إِن كَذّبَ وَتَوَلّىَ} [العلق: 13]، {أَلَمْ يَعْلَم بِأَنّ اللّهَ يَرَىَ} [العلق: 14]، وقد تبدل هاء في قراءة “هَا أَنْتُمْ هَؤُلاءِ” [آل عمران: 119]، على كل حال هي إن دخلت على “رَأَيْتَ” يكون المعنى “أَخْبِرْنِي” أو “أَخْبِرُونِي”؛ “أَرَأَيْتَ” “أَرَأَيْتُمْ”… إلى آخره. الوجه الثاني: أن تكون حرف نداء: معروفة من حروف الخمسة، ينادي بها للقريب وهذا طبعًا موجود في كتاب اللغة العربية، وبتوسع. 3. “إذ”: من الأدوات “إذ” و”إذا” ولا بد للمفسر أن يقف على معنى هاتين الأداتين -إذ وإذا- لأن كثيرًا من آيات القرآن الكريم نرى فيها هذه الأدوات؛ “إذ” ترد على أوجه: الوجه الأول: أن تكون اسمًا للزمن الماضي: وهو الغالب. ثم قال الجمهور: لا تكون إلا ظرفًا -للزمن الماضي- نحو قوله: {فَقَدْ نَصَرَهُ اللّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ اثْنَيْنِ} [التوبة: 40]، أو مضافًا إليها الظرف، نحو: {إِذْ هَدَيْتَنَا} [آل عمران: 8]، {يَوْمَئِذٍ تُحَدّثُ أَخْبَارَهَا} [الزلزلة: 4]، {وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ} [الواقعة: 84]، وقال غيرهم: تأتي مفعولًا به، كقوله: {وَاذْكُرُوَاْ إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلاً} [الأعراف: 86]، وكذلك المذكورة في أوائل القصص، كلها مفعولًا به بتقدير اذكر. فكلمة “إذ” ترد في الزمن الماضي، وهو الغالب، والآيات في القرآن الكريم كثيرة، والبعض قال: تقع مفعولًا به، أو بدلًَا منه، كما في قوله: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَاناً شَرْقِياً} [مريم: 16]، قالوا: إن “إذ” بدل اشتمال من مريم على حد البدل في قوله: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ} [البقرة: 217]، وقوله: {اذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَآءَ} [المائدة: 20]، أي: اذكروا النعمة التي هي الجعل المذكور، فهي بدل كل من كل. والجمهور يجعلونها في الأول ظرفًا لمفعول محذوف -أي: واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم قليلًا- وفي الثاني ظرفًا لمضاف إلى المفعول المحذوف -أي: واذكروا قصة مريم- وهذا له شواهد في القرآن الكريم. الإمام الزمخشري ذكر أنها تكون مبتدأ، وله بعض التوجيهات، هذا في ما يتعلق بـ”إذ”، والكثير ذكر أنها يمكن أن تخرج عن المضي إلى الاستقبال، ولكن هذا مجاز، ولذلك أنكره الجمهور، وجعلوا الآية في قوله: {يَوْمَئِذٍ تُحَدّثُ أَخْبَارَهَا} [الزلزلة: 4]، من باب {وَنُفِخَ فِي الصّورِ} [الكهف: 99]، أعني: تنزيل المستقبل الواجب الوقوع منزلة الماضي الواقع… إلى آخره. هذا فيما يتعلق بـ”إذ”. الوجه الثاني: أن تكون للتعليل: نحو قوله: {وَلَن يَنفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذ ظّلَمْتُمْ أَنّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ} [الزُّخرُف: 39]، ولن ينفكم اليوم اشتراككم في العذاب؛ لأجل ظلمكم في الدنيا، {وَلَن يَنفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذ ظّلَمْتُمْ أَنّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ} و”هل” هي حرف بمنزلة لام العلة، أو هي ظرف بمعنى “وقت” والتعليل مستفاد من قوة الكلام لا من اللفظ، قولان: المنسوب إلي سيبويه الأوَّل. الوجه الثالث: أن تستعمل في التوكيد؛ بأن تحمل على الزيادة؛ قاله أبو عبيده، وتبعه ابن قتيبة، وحمل عليه آيات، منها قوله: {وَإِذْ قَالَ رَبّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ} [البقرة: 30]. الوجه الرابع: أن تكون للتحقيق مثل “قد” وحملت عليه الآية المذكورة، وجعل منه السهيلي قوله: {إِذْ أَنْتُمْ مّسْلِمُونَ} [آل عمران: 80]، ولبعض العلماء تعقيب عليه بعد هذا. هناك مسألة تتعلق بـ”إذ”: كلمة “إذ” تلزم الإضافة إلى جملة؛ إما اسمية وإما فعلية، فعلها ماض لفظًا ومعنًى، أو معنًى لا لفظًا، وقد تحذف الجملة للعلم بها، ويعوض عنها التمييز. هذا الاستعمال في “إذ” تلزم الإضافة إلى جملة؛ إما اسمية؛ إما اسمية كقوله: {وَاذْكُرُوَاْ إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مّسْتَضْعَفُونَ} [الأنفال: 26]، أو فعليه فعلها ماض: {وَإِذْ قَالَ رَبّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ} [الحِجر: 28]، {وَإِذِ ابْتَلَىَ إِبْرَاهِيمَ رَبّهُ} [البقرة: 124]، فهذا فعل ماضٍ لفظًا ومعنًى، أو معنى لا لفظًا: {وَإِذْ تَقُولُ لِلّذِيَ أَنعَمَ اللّهُ عَلَيْهِ} [الأحزاب: 37]، فعل مضارع لفظًا، لكن معناه المضي، وقد اجتمعت الثلاثة: أن تدخل “إذ” على جملة اسمية، أو تضاف إلى فعلية فعلها ماضٍ، أو تضاف إلى فعل ماضي معنًى وليس لفظًا -معنًى لا لفظًا- اجتمعت الثلاثة في آية في قوله: {إِلاّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنّ اللّهَ مَعَنَا} [التوبة: 40]، الفعل الأول: ماضٍ، والجملة الثانية: {إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ}، {إِذْ} أضيفت إلى جملة اسمية، والثالثة أضيفت إلى فعل ماضٍ معنًى لا لفظًا، وقد تحذف الجملة للعلم بها، ويعوض عنها التنوين، وتكسر الذال عند التقاء الساكنين: {وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ}[الروم: 4]، {وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ} [الواقعة: 84]. 4. “إذا”: “إذا” تأتي على وجهين: أحدهما: أن تكون للمفاجأة، وهذا معروف. والثاني: أن تكون لغير المفاجأة، والغالب عندئذٍ أن تكون ظرفًا لما يستقبل من الزمان، خافضة لشرطها، منصوبة بجوابها على ما نحو ما سنفصله: المعنى الأول: “إذا” الفجائية: تختص “إذا” الفجائية بالجمل الاسمية، ولا تحتاج لجواب، ولا تقع في الابتداء، ومعناها الحال لا الاستقبال، نحو قوله تعالى: {فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيّةٌ تَسْعَىَ} [طه: 20]، {فَلَمّآ أَنجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ} [يونس: 23]، {وَإِذَآ أَذَقْنَا النّاسَ رَحْمَةً مّن بَعْدِ ضَرّآءَ مَسّتْهُمْ إِذَا لَهُمْ مّكْرٌ فِيَ آيَاتِنَا} [يونس: 21]، هذه هي “إذا” الفجائية، ومعنى المفاجأة: حضور الشيء معك في وصف من أوصافك الفعلية، كما نقول: خرجت فإذا الأسد بالباب، معناه: حضور الأسد معك في زمن للخروج، أو في مكان خروجك، وحضوره معك في مكان خروجك أوثق بك من حضوره في خروجك… إلى آخر هذا المعنى. طبعًا “إذا” الفجائية اسم، واختلف فيها قيل: إنها حرف، وعليه الأخفش، ورجحه ابن مالك. وقيل: ظرف مكان. عليه المبرد، ورجحه ابن عصفور، وقيل: ظرف زمان، وعليه الزجاج، ورجحه الزمخشري إلى آخره، هذا الخلاف، على كل حال الراجح: أنها ظرف، أو أنها اسم. الْمَعْنَى الثاني لـ”إذا”: أن تكون لغير المفاجأة: ‌أ. فالغالب أن تكون ظرفًا للمستقبل، متضمنة معنى الشرط، وتختص بالدخول على الجمل الفعلية، وتحتاج لجواب، وتقع في الابتداء عكس “إذا” الفجائية، والفعل بعدها إما ظاهر أو مقدر، ونحن نحفظ لـ”إذا” الظرفية عبارة محفوظة من كتب النحو: “إذا”: ظرف لما يُسْتَقْبَلُ من الزمان، خافض لشرطه، منصوب بجوابه: {إِذَا السّمَآءُ انشَقّتْ} [الانشقاق: 1]، الغالب أن تكون ظرفًا للمستقبل، تختص بالدخول على الجمل الفعلية، تحتاج إلى جواب، تقع في الابتداء، والأمثلة: ما أكثرها في كتاب الله سبحانه وتعالى والفعل بعدها إما أن يكون ظاهرًا أو مقدرًا؛ فإما أن يكون ظاهرًا كقوله: {إِذَا جَآءَ نَصْرُ اللّهِ وَالْفَتْحُ} [النصر: 1]، {إِذَا جَآءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُواْ نَشْهَدُ إِنّكَ لَرَسُولُ اللّهِ} [المنافقون: 1]، أو مقدر كقوله: {إِذَا السّمَآءُ انشَقّتْ} [الانشقاق: 1]، {إِذَا السّمَآءُ انفَطَرَتْ} [الانفطار: 1]، {إِذَا الشّمْسُ كُوّرَتْ} [التكوير: 1]، وجوابها إما فعل: نحو قوله: {فَإِذَا جَـآءَ أَمْرُ اللّهِ قُضِيَ بِالْحَقّ} [غافر: 78]، أو جملة اسمية مقرونة بالفاء: {فَإِذَا نُقِرَ فِي النّاقُورِ (8) فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ} [المدَّثر: 8، 9]، {فَإِذَا نُفِخَ فِي الصّورِ فَلاَ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ} [المؤمنون: 101]، أو يكون فعلية طلبية كقوله: {فَسَبّحْ بِحَمْدِ رَبّكَ} [النصر: 3]، {إِذَا جَآءَ نَصْرُ اللّهِ وَالْفَتْحُ (1) وَرَأَيْتَ النّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللّهِ أَفْوَاجاً (2) فَسَبّحْ بِحَمْدِ رَبّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنّهُ كَانَ تَوّابَا} [النصر: 1 – 3]، أو يكون جملة اسمية مقرونه بإذا الفجائية: {إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مّنَ الأرْضِ إِذَآ أَنتُمْ تَخْرُجُونَ} [الروم: 25]، {فَإِذَآ أَصَابَ بِهِ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ} [الروم: 48]، وقد يكون مقدرًا بدلالة ما قبله عليه، أو لدلالة المقام، وسيأتي في أنواع الحث. ‌ب. “إذا” قد تخرج عن الظرفية، قال الأخفش في قوله تعالى: {حَتّىَ إِذَا جَآءُوهَا} [الزُّمَر: 71]. ‌ج. وقد تستعمل “إذا” للاستمرار في الأحوال الماضية والحاضرة والمستقبلة، كما يستعمل الفعل المضارع لذلك، ومنه قوله -جل وعلا-: {وَإِذَا لَقُواْ الّذِينَ آمَنُواْ قَالُوَا آمَنّا وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَىَ شَيَاطِينِهِمْ قَالُوَاْ إِنّا مَعَكْمْ إِنّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ} [البقرة: 14]، أي: هذا شأنهم أبدًا، وكذا قوله تعالى في شأن المنافقين: {وَإِذَا قَامُوَاْ إِلَى الصّلاَةِ قَامُواْ كُسَالَىَ} [النساء: 142]. وهناك أيضًا تنبيه آخر ذكر ابن هشام في (المغني): “إذ ما”، ولم يذكر “إذا ما”، وقد ذكرها الشيخ بهاء الدين السبكي في (عروس الأفراح)، في أدوات الشرط، فقال: “إذ ما”، لم تقع في القرآن. ‌د. بعد هذا نقول: إن “إذا”، الشرطية تختص بدخولها على المتيقن والمظنون والكثير الوقوع، بخلاف “إن”، فإنها تستعمل في المشكوك والموهوم النادر، ولذلك قال تعالى: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصّلاةِ فاغْسِلُواْ} [المائدة: 6]، ثم قال: {وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَاطّهّرُواْ} [المائدة: 6]، فأتي بإذا في الوضوء لتكرره وكثرة أسبابه، وبإن في الجنابة لندرة وقوعها بالنسبة إلى الحدث، وقال تعالى: {فَإِذَا جَآءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُواْ لَنَا هَـَذِهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيّئَةٌ يَطّيّرُواْ بِمُوسَىَ} [الأعراف: 131]، وقال تعالى: {وَإِذَآ أَذَقْنَا النّاسَ رَحْمَةً فَرِحُواْ بِهَا وَإِن تُصِبْهُمْ سَيّئَةٌ بِمَا قَدّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ} [الروم: 36]، أتى في جانب الحسنة بإذا؛ لأن نعم الله على العباد كثيرة ومقطوع بها متيقنة، وأتي بإن في جانب السيئة؛ لأنها نادرة الوقوع ومشكوك فيها. والبعض قال: أشكل على هذه القاعدة آيتان قوله تعالى: {وَلَئِنْ مّتّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ} [آل عمران: 158]، وقوله: {أَفإِنْ مّاتَ} [آل عمران: 144]، فأتى بإن مع أن الموت محقق الوقوع، والأخرى أيضًا قوله تعالى: {وَإِذَا مَسّ النّاسَ ضُرّ دَعَوْاْ رَبّهُمْ مّنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمّ إِذَآ أَذَاقَهُمْ مّنْهُ رَحْمَةً} [الروم: 33]، فأتي بإذا في الطرفين. أجاب العلماء -منهم الزمخشري- عن الأولى: بأن الموت لما كان مجهول الوقت أجري مجرى غير المجزوم، وأجاب السكاكي عن الثانية: بأنه قصد التوبيخ والتقريع بهؤلاء الذين تكلم عن إذاقتهم الرحمة، فأتي بإذا ليكون تخويفًا لهم وأخبارا بأنهم لا بد أن يسمعهم شيئًا من العذاب. قال الخويي -الخويي هذا شمس الدين أحمد بن خليل، رجل عالم شافعي كان صديقًا للإمام فخر الدين الرازي، وكان فقيهًا مناظرًا، وكان أستاذًا في الطب والحكمة، عاش في القرن السابع، ونسبة هذا يعني-الخويي- إلى بلده خوي، مدينة بأذربيجان، هذا العالم قال-: الذي أظنه أن “إذا” يجوز دخولها على المتيقن والمشكوك، وقد كنا نتكلم عن “إذا” وعن “إن” وأن “إذا” تختص بدخولها على المتيقن المظنون، بخلاف “إن” إلى آخر الكلام، فقال: الذي أظنه أنه يجوز أن تدخل “إذا” على المتيقن والمشكوك؛ لأنها ظرف وشرط، فبالنظر إلى الشرط تدخل على المشكوك، وبالنظر إلى الظرف تدخل على المتيقن كسائر الظروف، ولا نتوسع في الكلام عن هذا.

error: النص محمي !!