Top
Image Alt

من الأمور التي ارتبطت بغزوة بني المصطلق: حادثة الإفك، وشيوع نبأ الكذب بين الناس، ودور ابن سلول فيه، وموقف المسلمين منه، ومراجعة النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة، وحدُّ من خاض في الحديث إلا ابن أبي سلول

  /  من الأمور التي ارتبطت بغزوة بني المصطلق: حادثة الإفك، وشيوع نبأ الكذب بين الناس، ودور ابن سلول فيه، وموقف المسلمين منه، ومراجعة النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة، وحدُّ من خاض في الحديث إلا ابن أبي سلول

من الأمور التي ارتبطت بغزوة بني المصطلق: حادثة الإفك، وشيوع نبأ الكذب بين الناس، ودور ابن سلول فيه، وموقف المسلمين منه، ومراجعة النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة، وحدُّ من خاض في الحديث إلا ابن أبي سلول

ارتبط بغزوة بني المصلق أمرٌ خطير، هو حادث الإفك الذي تزعم أمره عبد الله بن أبي بن سلول لما ألحق الأذى بعائشة  رضي الله  عنها والمسلمين جميعًا:

وحاصل ذلك: أن النبي صلى الله عليه  وسلم كما عرفنا قد خرج بعائشة معه في هذه الغزوة بعد أن أقرع بين نسائه، وتحكي السيدة عائشة هذا الأمر فتقول: أنهم -أي: الرجال- كانوا يحملون هودجها، ويأخذون بأسفل الهودج فيرفعونه على ظهر البعير فيشدونه بحباله، ثم يأخذون برأس البعير فينطلقون به -وكانت عائشة في هذه السن خفيفة الوزن- فقالت: أنها لما فرغ رسول الله صلى الله عليه  وسلم من سفره وجه قافلًا، حتى إذا كان قريبًا من المدينة نزل منزلًا فبات فيه بعض الليل، ثم أذَّن المؤذن في الناس بالرحيل، تقول: فارتحل الناس وخرجت لبعض حاجتي، وكان في عنقها عقد لما فرغت من أمرها انسلَّ من عنقها. تقول: لم تدر به، فلما رجعت إلى الرحل ذهبت لتلتمسه في عنقها فلم تجده، وقد أخذ الناس في الرحيل، ولكنها رجعت إلى مكانها تلتمس عقدها.

فلما عادت بعد أن وجدته وجدت الناسَ قد مضوا في طريقهم، تقول: فتلففت بجلبابي ثم اضطجعت في مكاني، وعرفت أن لو افتقدت لرجع الناس إلي، قالت: فوالله إني لمضطجعة إذ مر بي صفوان بن المعطل، وكان قد تخلف عن العسكر لبعض حاجاته، ولما رأى سوادي أقبل حتى وقف عليَّ، وقد كان يراني قبل أن يضرب علينا الحجاب، فلما رآني استرجع ثم قال: ظعينة رسول الله صلى الله عليه  وسلم وهي متلففة في ثيابها، ثم قال: ما خلفك يرحمك الله؟ قالت: فما كلمته. ثم إنه قرب إليها البعير فركبت، واستأخر عنها حتى تركب، ومضى منطلقًا يطلب الناس. تقول عائشة: فوالله ما أدركنا الناس وما افتقدت حتى أصبحت، ونزل الناس، فلما اطمأنوا طلع الرجل يقود بي بعيره، فقال أهل الإفك لما رأوا ذلك قالوا ما قالوا، وارتج العسكر، فوالله ما أعلم بشيء مما قيل؛ لأن ابن سلول قال كلمة الإفك والعياذ بالله، قال: والله ما نجى منها وما نجت منه، وهنا انتهى الحديث إلى رسول الله صلى الله عليه  وسلم وإلى بيت أبي بكر، وكانوا يذكرون شيئًا لعائشة  رضي الله  عنها إلا أنها قد أنكرت من رسول الله صلى الله عليه  وسلم بعض لطفه بها، فكانت إذا اشتكت تقول: رحمني ولطف بي، فلم يفعل ذلك صلى الله عليه  وسلم بها في شكواها تلك، ولذلك أنكرت ذلك منه، كان إذا دخل صلى الله عليه  وسلم عليها وعندها أمها تمرضها يقول: ((كيف تيكم))، أي: كيف هذه، لا ينطق باسمها ولا يزيد على ذلك، قالت: حتى وجدت في نفسي، فقلت: يا رسول الله -حين رأيت ما رأيت من جفائه- لو أذنت لي فانتقلت إلى أمي فمرضتني، قال: ((لا عليك))، قالت: فانقلبت إلى أمي ولا علم لي بشيء مما كان حتى برئت من وجعي الذي كنت فيه بعد بضع وعشرين ليلة.

علم السيدة عائشة بالأمر، وموقف الرسول صلى الله عليه  وسلم والمسلمين منه:

خرجت السيدة عائشة في ليلة من الليالي مع أم مسطح بن أثاثة لحاجاتهن؛ حيث كانت النساء يخرجن في كل ليلة في حوائجهن.

فعلمت السيدة عائشة بالأمر من حديث الناس، فرجعت بيتها ولم تقض حاجاتها. وهنا عرفت عائشة لماذا جفاء رسول الله صلى الله عليه  وسلم بها.

تقول: إن رسول الله صلى الله عليه  وسلم قام في الناس فخطبهم، ولا أعلم بذلك، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: ((أيها الناس، ما بال رجال يؤذنني في أهل بيتي، ويقولون عليهم غير الحق، ووالله ما علمت عليهم إلا خيرًا، ويقولون ذلك لرجل والله ما علمت منه إلا خيرًا، ولا يدخل بيتًا من بيوتي إلا وهو معي))، قالت: وكان كبْر ذلك كله عند عبد الله بن أبي بن سلول في رجال من الخزرج، مع الذي قال مسطح وحمنة بنت جحش وكذلك حسان بن ثابت.

واستشار رسول الله صلى الله عليه  وسلم أسامة بن زيد وعليّ بن أبي طالب، فقالوا خيرًا في حق عائشة، وهكذا كانت كل أقوال المؤمنين الصادقين، وقال علي: يا رسول الله، سَل الجارية تصدقك، فجيء بالجارية “بريرة” ولما سئلت قالت: والله ما أعلم عنها إلا خيرًا، وأثنت عليها.

النبي صلى الله عليه  وسلم يراجع السيدة عائشة فيما أشيع، والوحي ينزل ببراءتها:

دخل النبي صلى الله عليه  وسلم على عائشة فقال لها، وكان عندها أبواها وامرأة من الأنصار كانت تبكي معها، فجلس النبي صلى الله عليه  وسلم فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: ((يا عائشة، إنه قد كان ما بلغك من قول الناس -ولعل النبي صلى الله عليه  وسلم عرف بأمرها بعد أن عرفت من أم مسطح- فإن كان فاتّقِ اللهَ، وإن كنت قد قارفت سوءًا مما يقول الناس فتوبي إلى الله؛ فإن الله يقبل التوبة عن عباده)) قالت: فوالله إن هو إلا أن قال هذا حتى قلص دمعي -أي: احتبس- حتى ما أحس منه شيئًا، وانتظرت أبوي أن يجيبَا عني رسول الله صلى الله عليه  وسلم فلم يتكلما، قالت: وايم الله، لأَنَا كنت أحقر في نفسي وأصغر شأنًا من أن ينزل الله فيَّ قرآنًا، ويصلى به، ولكني كنت أرجو أن يرى النبي صلى الله عليه  وسلم في نومه شيئًا يكذب الله به عني؛ لما يعلم من براءتي ويخبر خيرًا، وأما قرآن ينزل فيَّ، فوالله لنفسي كانت أحقر عندي من ذلك.

قالت: فلما لم أرَ أبويَّ يتكلمان، قلت لهما: ألا تجيبان رسول الله صلى الله عليه  وسلم؟ فقالا: والله ما ندري بما نجيبه، قالت: فوالله ما أعلم أهل بيت دخل عليهم ما دخل أبي بكر في تلك الأيام، ثم قالت: فلما استعجما عليَّ استعبرت -أي: لما لَمْ يتكلمَا نيابةً عنها، استعبرت فبكت- ثم قالت: والله لا أتوب إلى الله مما ذكرتَ أبدًا يا رسول الله، والله إني لأعلم لئن أقررتُ بما يقول الناس والله يعلم أني منه بريئة، لأقولن ما لم يكن، ولئن أنا أنكرت ما يقولون لا تصدقوني، قالت: ثم التمست اسم يعقوب فما أذكره، ولكني سأقول كما قال أبو يوسف: {فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُون} [يوسف: 18].

قالت: فوالله ما برح رسول الله صلى الله عليه  وسلم مجلسه حتى تغشاه من الله ما كان يتغشاه، فسجي بثوبه ووضعت وسادة من أدم تحت رأسه، فأما أنا حينما رأيت من ذلك ما رأيت فوالله ما فزعت وما باليت، قد عرفت أني بريئة، وأن الله غير ظالمي، وقالت: ثم سري عن رسول الله صلى الله عليه  وسلم فجلس وإنه ليتحدر من وجهه مثل الجمان في يوم شاتٍ، فجعل يمسح العرق -الذي كان يتغشاه من شدة الوحي- عن وجهه ويقول: ((أبشري يا عائشة، قد أنزل الله عز وجل براءتك))، قالت: قلت: الحمد الله.

إقامة الحد على من خاض في حديث الإفك، وإعفاء عبد الله بن أبي بن سلول من إقامة الحد عليه:

ثم خرج إلى الناس فخطب وتلا عليهم القرآن الذي أنزل الله، فأمر بمسطح بن أثاثة وحسان بن ثابت وحمنة بنت جحش، وكانوا ممن أفصح بالفاحشة فحدوا حد القذف ثلاثتهم.

وهنا نشير بأن من تولى كبر هذا هو عبد الله بن أبي بن سلول، تقول الروايات عنه: إنه لم يحد في هذا حتى يلقى الله بجرمه وإثمه، فإنه لو حد لكان الحد فيه نوع من العفو من الله عز وجل؛ لأنه نال جزاءه في الدنيا، ولقد نزل في هذا الأمر -حادث الإفك- آيات من سورة النور التي برَّأ الله فيها عائشة  رضي الله  عنها ومن هذا قوله عز وجل: {إِنَّ الَّذِينَ جَاؤُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ لاَ تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُم مَّا اكْتَسَبَ مِنَ الإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيم} [النور: 11]، فالذي تولى كبر هذا كله هو عبد الله بن أبي بن سلول.

error: النص محمي !!