Top
Image Alt

من المصادر النائبة عن أفعالها المستعملة المصادر المؤكدة لمضمون الجملة، ومنها: “سنة الله”، و”وعد الله حقا”، و”وعدًا عليه حقًّا”، وملخص ما احتواه الشاهد القرآني عند التطبيق

  /  من المصادر النائبة عن أفعالها المستعملة المصادر المؤكدة لمضمون الجملة، ومنها: “سنة الله”، و”وعد الله حقا”، و”وعدًا عليه حقًّا”، وملخص ما احتواه الشاهد القرآني عند التطبيق

من المصادر النائبة عن أفعالها المستعملة المصادر المؤكدة لمضمون الجملة، ومنها: “سنة الله”، و”وعد الله حقا”، و”وعدًا عليه حقًّا”، وملخص ما احتواه الشاهد القرآني عند التطبيق

1. من المصادر النائبة عن أفعالها: المصادر المؤكدة لمضمون الجملة:

وهي المسألة الرابعة من كتاب (التصريح)، وذلك قوله: أن يكون المصدر مؤكدًا لنفسه، أو مؤكدًا لغيره:

فالأول وهو المؤكد لنفسه، وهو الواقع بعد جملة هي نص في معناه، نحو: “له علي ألف عرفًا” أي: اعترافًا، فجملة: “له عليّ ألفٌ” نص في الاعتراف؛ لأنها لا تحتمل غيره، وسُمِّي مؤكدًا لنفسه؛ لأنه بمنزلة إعادة ما قبله، فكان الذي قبله نفسه.

والثاني وهو المؤكد لغيره، وهو الواقع بعد جملة تحتمل معناه وغيره، ويقع مُنكَّرًا ومُعرَّفًا؛ فالأول وهو المنكَّر نحو: زيد ابني حقًّا، فجملة: “زيد ابني” تحتمل الحقيقة والمجاز، ولكنها صارت نصًّا بالمصدر؛ لأن قولك: “حقًّا” يرفع المجاز ويثبت الحقيقة، وسُمي مؤكدًا لغيره؛ لأنه يجعل ما قبله نصًّا بعد أن كان محتملًا فهو مؤثر.

والثاني قسمان: إما أن يكون التعريف جائزًا، وإما أن يكون التعريف واجبًا؛ فما كان تعريفه جائزًا مثل قولك: هذا زيد الحقَّ لا الباطلَ، فجملة “هذا زيد” تحتمل الصدق والكذب، فإذا قلت: الحق، فقد حققتَ أحد الاحتمالين، ورفعت الاحتمال الآخر، وكأنك قلت: أحق ذلك الحق أو حقًّا، فإن كان المخاطب يعتقد خلاف ما ذكرت، وأردت قصر القلب قلت: لا الباطلَ، بالنصب عطفًا على الحق. هذا هو القسم الذي يكون فيه التعريف جائزًا؛ لأنك من الممكن أن تقول: هذا زيد حقًّا، كما جاز لك أن تقول: هذا زيد الحق.

أما القسم الثاني، وهو وجوب التعريف، فمما جاء واجب التعريف “ألبتة” من قولك: لا أفعل كذا ألبتة، ووجوب التعريف هنا لأن الكلمة التي استُخدمت ملازمة لـ”أل”، وهذا هو سرّ وجوب التعريف، فليس وجوب التعريف لشيء خارجي، وإنما لأن الكلمة المستعملة في هذا المثال واجبة التعريف؛ لأنها ملازمة لـ”أل”.

قال في (الصحاح): و”أل” في “ألبتة” لازمة الذكر، وهذا هو سرّ وجوب التعريف فيها.

هذه قراءة لما جاء في المسألة الرابعة من كتاب (التصريح) حول المصدر المؤكد لنفسه، أو المؤكد لغيره.

يقابل ذلك في النص القرآني قوله تعالى: {صِبْغَةَ اللّهِ} [البقرة: 138]، وذلك أن الله قال: {فَإِنْ آمَنُواْ بِمِثْلِ مَا آمَنتُم بِهِ فَقَدِ اهْتَدَواْ وَّإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيم * صِبْغَةَ اللّهِ} [البقرة: 137، 138]، أي: صبغنا الله بالإيمان صبغة لا مثل صبغتنا، وطهّرنا طهارة لا مثل طهارتنا، فهو مصدر مؤكد لمضمون الجملة، وهي في قوله تعالى: {فَإِنْ آمَنُواْ بِمِثْلِ مَا آمَنتُم بِهِ فَقَدِ اهْتَدَواْ}.

ومن المصادر المؤكدة لمضمون الجملة قوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ الله كِتَابًا مُّؤَجَّلاً} [آل عمران: 145]، فـ”كتابًا” مصدر مؤكد لمضمون الجملة، والتقدير: كتب الله كتابًا مُؤَجَّلًا، ونظيره {كِتَابَ اللّهِ عَلَيْكُمْ}، و{صُنْعَ اللَّهِ}، و{وَعْدَ اللَّهِ}.

ومن المصادر المؤكدة لمضمون الجملة أيضًا “ثوابًا” من قوله تعالى: {وَلأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ثَوَابًا مِّن عِندِ اللّهِ} [آل عمران: 195]، أي: لأثيبنهم ثوابًا، فثوابًا مصدر مؤكد؛ لأن معنى: {وَلأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ} لأثيبنهم.

من المصادر النائبة المؤكدة لمضمون الجملة “سنة الله”، و”وعد الله”:

من المصادر النائبة المؤكدة لمضمون الجملة قوله تعالى: {وَإِذًا لاَّ يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلاَّ قَلِيلا * سُنَّةَ مَن قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِن رُّسُلِنَا} [الإسراء 76، 77]، أي: سنّ الله سنة قد خلت في المرسلين من قبلك، وكذلك قوله تعالى: {فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ} [غافر: 85]، أي: سنّ الله سنة قد خلت في عباده، فـ{سُنَّتَ اللَّهِ} مصدر مؤكد لمضمون الجملة، أي: إن ما فعل بهم هي سنة الله التي قد مضت وسبقت.

ومن ذلك قوله تعالى:  {وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُون * بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَاء وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيم * وَعْدَ اللَّهِ لاَ يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ} [الروم: 4-6]، فـ{وَعْدَ اللَّهِ} مصدر مؤكد؛ لأن المعنى: وعد الله ذلك وعدًا، فما سبقه في معنى الوعد، فـ{وَعْدَ اللَّهِ} مؤكد لمضمون الجملة التي تقدمت، وهي {سَيَغْلِبُون} [الروم: 3] وقوله تعالى: {وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُون}.

وكذلك {وَعْدَ اللَّهِ} في قوله تعالى: {لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِّن فَوْقِهَا غُرَفٌ مَّبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَعْدَ اللَّهِ لاَ يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَاد} [الزمر: 20]، {وَعْدَ اللَّهِ} مصدر مؤكد؛ لأن قوله سبحانه: {لَهُمْ غُرَفٌ} في معنى وعدهم.

من المصادر النائبة المؤكدة لمضمون الجملة: “حقًّا”:

في قوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِين} [البقرة: 180]، نرى أن {حَقًّا} مصدر مؤكد لمضمون الجملة قبلها، أي: حق ذلك حقًّا.

ومن المصادر المؤكدة لمضمون الجملة في القرآن الكريم قوله تعالى: {أُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا} [النساء: 151]، فـ{حَقًّا} تأكيد لمضمون معنى الجملة: {أُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ}، كقولك: “هو عبد الله حقًّا”، ووجه الشبه أن قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُواْ بَيْنَ اللّهِ وَرُسُلِهِ وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُواْ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلا} [النساء: 150] أشار إلى من هذه صفته بقوله: {أُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ}، فكأننا نقول: “إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا هم الكافرون حقًا”، وهذا توضيح لمعنى أن {حَقًّا} تأكيد لمضمون الجملة السابقة، وتوضيح لقولهم: إن هذه الآية في حكم “هو عبد الله حقًّا”.

من المصادر النائبة المؤكدة لمضمون الجملة: “وعد الله حقًّا”، “وعدًا عليه حقًّا”:

في قوله تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَعْدَ اللّهِ حَقًّا} [النساء: 122] مصدران: الأول: {وَعْدَ اللّهِ} وهو مؤكد لنفسه، ومعنى مؤكد لنفسه أي: مؤكد لمضمون الجملة السابقة، والثاني: {حَقًّا} وهو مؤكد لغيره؛ لأنه وصف لوعد الله {وَعْدَ اللّهِ حَقًّا}، فـ{وَعْدَ اللّهِ} مؤكد لقوله: {سَنُدْخِلُهُمْ}، و{حَقًّا} مؤكد لـ{وَعْدَ اللّهِ}، أي: وعد الله ذلك وعدًا حقًّا.

وفي قوله تعالى: إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا} [التوبة: 111]، فما قيل في قوله تعالى: {وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا} يقال في: {وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا}؛ لأن {وَعْدًا} مصدر مؤكد لمضمون الجملة؛ لأن معنى {اشْتَرَى} {بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ}: وعدهم الله الجنة، و{حَقًّا} صفة لـ{وَعْدًا} فهي وصف له، أي: “وعدًا حقًا”.

هذا هو الجانب التطبيقي للمفعول المطلق من خلال الشاهد القرآني، وبذلك ننتهي إلى موجز سريع لما اشتمل عليه الشاهد القرآني، من قاعدة المفعول المطلق.

2. ملخص ما احتواه الشاهد القرآني عند التطبيق:

من القواعد المذكورة في الشاهد القرآني، وفي الكتاب النحوي: أن الناصب للمفعول المطلق: الفعل، والصفة، والمصدر؛ فالفعل ناصب للمفعول المطلق، والمصدر ناصب للمفعول المطلق، والوصف ناصب للمفعول المطلق.

من الموافقات بين الشاهد القرآني والكتاب النحوي: أن أنواع المفعول المطلق ثلاثة، والثلاثة موجودة في الشاهد القرآني: المفعول المطلق المؤكد، والمبين للنوع، والمبين للعدد.

والنائب عن المفعول المطلق الذي قد ذكر في الكتاب النحوي، وله نظير في القرآن الكريم، كما في “كل” المضافة إلى المصدر، والعدد، مثل: {مِئَةَ جَلْدَةٍ} [النور: 2]، والضمير كما في قوله تعالى: {لاَّ أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِّنَ الْعَالَمِين} [المائدة: 115]، وكذلك “بعض” من قوله: {وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيل} [الحاقة: 44].

وقد انفرد الشاهد القرآني بنيابة “أي” المضافة إلى المصدر عن المصدر، كما في قوله تعالى: {وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُون} [الشعراء: 227].

ومما هو موجود في النحو، وفي القرآن أيضا: أن الصفة قامت مقام المصدر كثيرًا.

ومما انفرد به الشاهد القرآني في نيابة الصفة عن المصدر “الكاف”، سواء كانت جارة لاسم إشارة وهو “كذلك”، أو كانت جارة لـ “ما” المصدرية وهي “كما”، أو كانت جارة لاسم صريح كما في قوله تعالى: {يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللّهِ} [النساء: 77]، ومثله: {كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاء} [الرعد: 14]، فالكلام على نيابة “الكاف” عن المصدر.

ومن الأشياء التي أثارها الشاهد القرآني أيضًا، ولم يتعرض لها الدرس النحوي، هو الكلام على قوله تعالى: {إِن نَّظُنُّ إِلاَّ ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِين}؛ لأن ظاهر الآية أن المصدر المؤكد يفرغ، والقاعدة ترفض ذلك؛ لذلك أولت الآية بما يتناسب مع القاعدة القائلة بأن المصدر المؤكد لا يفرغ.

ومن الأشياء التي أثارها كذلك الشاهد القرآني: اجتماع “كذلك” و”مثل” في آية واحدة، وكيفية التعامل معهما، وليس لمثل ذلك موضع في الشاهد النحوي، ولفظة “شيء” -كيفية إعراب “شيء”- التي تكون في موضع المصدر حينًا، وفي موضع المفعول به حينًا، وفي موضع الحال حينًا آخر، وهذا أيضًا مما أثرى به الشاهد القرآني الدرس النحوي.

error: النص محمي !!