Top
Image Alt

من خصائص الشريعة الإسلامية

  /  من خصائص الشريعة الإسلامية

من خصائص الشريعة الإسلامية

من الحقائق المعلومة من دين الإسلام بالضرورة, أن الله عز وجل أرسل محمدًا للعالمين، وختم به النبيين والمرسلين، وآتاه جوامع الكلم، وكان كتابه آخر الكتب السماوية، والنتيجة الطبيعية أو الحتمية لذلك هي صلاحية الشريعة الإسلامية لكل زمان ومكان، ومن سماتها الرئيسة التي أسهمت في تحقيق ذلك ما يلي:

1- العموم، بمعنى: أنها عامة للناس جميعًا، بل دلت النصوص على أن محمدًا صلى الله عليه وسلم بُعث للإنس والجن، أي: بُعث للثقلين.

2- البقاء والخلود، فلا تأتي بعدها شريعة سماوية تنسخها أو تلغيها، وقد دلت النصوص أيضًا على أن محمدًا خاتم النبيين، ورسالته هي رسالة خالدة.

3- الحفظ لأصولها من التحريف والتبديل؛ حيث تكفَّل الله بحفظ قرآنه فلا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وقيض الله للسنة المطهرة من قام على تدوينها وتوفيقها؛ لأنها بيان للقرآن, لذلك وجب حفظها أيضًا.

4- المرونة والاتساع، فكانت قادرة على مواجهة النوازل والمستجدات في حياة الناس، دون أن تتبدل أصولها أو تتغير ثوابتها، لكن قد تتغيَّر بعض الأحكام الاجتهادية، أو الفتوى بتغير الزمان والمكان، أو العوائد والأعراف. ولعل مردّ هذا التغيير سعة الشريعة ومرونتها، أو التيسير ورفع الحرج عن المكلفين، أو احتواء المسلمين جميعًا والوفاء بحاجتهم مهما اختلفت أماكنهم وأزمانهم، أو التوسعة والرحمة بهم، أو تحقيق مصالح العباد في العاجل والآجل ودرء المفاسد عنهم، وهذه الأمور وغيرها مجتمعة.

بعض ما قيل حول خصائص الشريعة الإسلامية في كتبنا المعاصرة:

تحت عنوان “صلاحية الشريعة, وتغير الفتوى بتغير الزمان والمكان” يقول الدكتور عبد الله شاكر: إن من الحقائق المعلومة من دين الإسلام بالضرورة أن الله -تبارك وتعالى- لم يبعث نبيه محمدًا؛ ليكون نذيرًا لطائفة من الناس دون سائرهم، ولا ليكون رسولًا لأمة من البشر دون سائر الأمم، وإنما بعثه ليكون بشيرًا ونذيرًا للعالمين أجمعين، بعثه برسالة الإسلام الخالدة إلى جميع الخلق؛ إنسهم وجنهم، قاصيهم ودانيهم، أحمرهم وأسودهم، عربيهم وأعجميهم، شرقيهم وغربيهم, ذلك منذ أن بعثه الله بالحق وإلى قيام الساعة، وعلى ذلك فمن أنكر هذه الحقيقة وجحدها كان على غير الملة؛ لأن القرآن الكريم صرح بها تصريحًا لا يقبل التأويل, قال تعالى: {قُلْ يَأَيّهَا النّاسُ إِنّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الّذِي لَهُ مُلْكُ السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ} [الأعراف: 158], إلى أن قال: ويقول الله تعالى أيضًا: {وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاّ كَآفّةً لّلنّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً} [سبأ: 28]، وقال: {وَأُوحِيَ إِلَيّ هَـَذَا الْقُرْآنُ لاُنذِرَكُمْ بِهِ وَمَن بَلَغَ} أي: لأنذركم بالقرآن أيها المشركون، وأنذر من بلغه القرآن من الناس كلهم.

وهذه الحقيقة التي صرَّح بها القرآن الكريم أكدتها السنة المطهرة، فعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أعطيت خمسًا لم يعطهنَّ أحد قبلي: نُصرت بالرعب مسيرة شهر، وجُعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصلِّ، وأُحلت لي الغنائم ولم تحلّ لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يُبعث إلى قومه خاصة وبُعثت إلى الناس عامة)).

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحدٌ من هذه الأمة يهودي ولا نصراني، ثم يموت ولا يؤمن بالذي أرسلت به؛ إلا دخل النار))، والمراد بالأمة في هذا الحديث عموم أهل الدعوة, سواء من دخل فيهم في أمة محمد بالمعنى الخاص فصار مسلمًا، أو من بقي منهم على كفره فكان من أمته بالمعنى العام، أي: من عموم من بُعث إليهم وأُمر بدعوتهم، وهم الناس جميعًا بعد بعثته صلى الله عليه وسلم, وذلك بدليل ذكره لليهود والنصارى.

وإلى جانب هذه الحقيقة الراسية الراسخة حقيقة أخرى لا تقل عنها رسوًّا ورسوخًا، وهي أن رسول الله محمدًا صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين والمرسلين، فلا نبي بعده ولا رسول، وأن رسالته خالدة باقية إلى يوم الدين؛ فلا نسخ لها ولا زوال.

هاتان الحقيقتان الراسيتان الراسختان مقدمتان لحقيقة كبرى، وهي صلاحية الشريعة الإسلامية لكل زمان ومكان؛ لأننا لو لم نقل بذلك مع كون رسالة الإسلام رسالة عالمية خاتمة للرسالات، للزم منه أن يكون الله عز وجل قد أجاز للبشر أن يشرعوا لأنفسهم في كل زمان ما يصلح لهم، وهذا أبطل الباطل، وبطلانه معلوم من دين الله بالضرورة، كما أن حاكمية الله وانفراده بالسلطان على عباده وتفرده بحق التشريع معلوم من دين الله بالضرورة, قال تعالى: {أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأمْرُ} [الأعراف: 54]، وقال: {وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللّهِ} [الشورى: 10].

فالشريعة الإسلامية صالحة لكل زمان ومكان، ومصلحة لكل زمان ومكان؛ بل لا يكفي أن نقول هذا حتى نرفع احتمال المشاركة بأن نقول: إنها هي وحدها الصالحة والمصلحة لكل زمان ومكان، وهذا الوصف للشريعة الإسلامية يضمّ تحت عباءته أوصافًا تُعدُّ من مفرداته ومن ضروراته، هذه الأوصاف -كما قال الدكتور عبد الله- هي العموم، وهي البقاء، وهي الحفظ والشمول، ثم المرونة والاتساع، وعند المرونة والاتساع فصَّل في قرينة تغيّر الفتوى بتغير الزمان والمكان، وما يدور في هذا الإطار.

على هذا النسق، أو في هذا الإطار سبق أن تكلم الشيخ الطاهر بن عاشور في كتابه (مقاصد الشريعة الإسلامية), إذ قال: “معلوم بالضرورة من الدين أن شريعة الإسلام جاءت شريعة عامة, داعية جميع البشر إلى اتباعها؛ لأنها لما كانت خاتمة الشرائع استلزم ذلك عمومها لا محالة سائر أقطار المعمورة وفي سائر أزمنة هذا العالم، والأدلة على ذلك كثيرة من نصوص القرآن الكريم والسنة الصحيحة؛ بحيث بلغت مبلغ التواتر المعنوي, قال تعالى: {وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاّ كَآفّةً لّلنّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً} [سبأ: 28]، وقال: {قُلْ يَأَيّهَا النّاسُ إِنّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً} [الأعراف: 158]” إلى غير ذلك من النصوص التي أوردها من القرآن الكريم ومن السنة المطهرة، ثم قال: “ومن أعظم ما يقتضيه عموم الشريعة أن تكون أحكامها سواء لسائر الأمم المتبعين لها بقدر الاستطاعة؛ لأن التماثل في إجراء الأحكام والقوانين عونٌ على حصول الوحدة الاجتماعية في الأمة، ولهذه الحكمة والخصوصية جعل الله هذه الشريعة مبنية على اعتبار الحِكَم والعِلَل التي هي مدركات العقول، لا تختلف باختلاف الأمم والعوائد، وقد أجمع علماء الإسلام في سائر العصور إلا الذين لا يُعتدّ بمخالفتهم على أن علماء الأمة مأمورون بالاعتبار في أحكام الشريعة, والاستنباط منها”. انتهى كلام الشيخ ابن عاشور.

وبعد أن أورد مجموعة من الأمثلة على القياس عند الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام، ومن جاء بعدهم, ذهب إلى القول بأن عموم الشريعة في سائر البشر وفي سائر العصور مما أجمع عليه المسلمون، وقد أجمعوا على أنها مع عمومها صالحة للناس في كل زمان ومكان، ولم يبينوا كيفية هذه الصلوحية على حد قوله، وهي عندنا تحتمل أن تُتصوَّر بكيفيتين:

الكيفية الأولى: أن هذه الشريعة قابلة بأصولها وكلياتها للانطباق على مختلف الأحوال؛ بحيث تساير أحكامها مختلف الأحوال دون حرج، ولا مشقة، ولا عسر، وشواهد هذه الكيفية ما نجده من محمل علماء الأمة أدلة كثيرة من أدلة الأحكام على مختلف الأحوال.

الكيفية الثانية: أن تكون أحوال العصور والأمم المختلفة قابلة للتشكيل وفق أحكام الإسلام, دون حرج ولا مشقة ولا عسر؛ كما أمكن تغيير الإسلام لبعض أحوال العرب والفرس والقبط والبربر والروم والتتار والهنود وأهل الصين والترك، من غير أن يجدوا حرجًا ولا عسرًا في الإقلاع عما نزعوه من قديم أحوالهم الباطلة، ومن دون أن يلجئوا إلى الانسلاخ عما اعتادوه وتعارفوه من العوائد المقبولة.

error: النص محمي !!