Top
Image Alt

من عناصر الشكل في العمل الأدبي: الأسلوب

  /  من عناصر الشكل في العمل الأدبي: الأسلوب

من عناصر الشكل في العمل الأدبي: الأسلوب

نتحدث عن مقاييس نقد بعض العناصر التي يتكون منها العمل الأدبي، وهي العناصر التي يطلق عليها لفظ الشكل؛ ذلك لأن النص الأدبي له مضمون، وله شكل. فالمضمون: هو الأفكار والعواطف التي يحتويها النص، والشكل: هو اللغة أو الأسلوب الذي يحمل هذه المعاني والأفكار والعواطف.

والشكل والمضمون في الحقيقة لا يمكن تصور أحدهما دون الآخر؛ لأنهما كالروح والجسد، لكن في مجال الدراسة نفصل بين الشكل والمضمون؛ للتعرف على المقاييس التي يتخذها النقاد للحكم على كل عنصر من هذين العنصرين؛ الشكل والمضمون.

سنتحدث عن مقاييس نقد الشكل، أي: المقاييس التي يستخدمها النقاد في دراسة الألفاظ والجمل، أو ما يعبر عنه بالأسلوب والتصوير أو الخيال، ويزيد في الشعر موسيقى الشعر؛ لأننا نعرف أن الشعر يتميز عن النثر بالنظام الموسيقي الخاص، الذي يلتزم به الشاعر ولا يلتزم به الناثر.

إذًا: العناصر التي يتكون منها الشكل في العمل الأدبي هي: الأسلوب، والخيال، وموسيقى الشعر بالنسبة له.

يمكن أن يعبر عن ذلك بالمقاييس النقدية للصياغة، أو أدوات البيان، أو الأدوات التعبيرية التي يستخدمها الأديب للتعبير عن عواطفه ومشاعره وأفكاره.

والألفاظ والجمل التي يستخدمها الأديب للتعبير عن مشاعره وعواطفه وأفكاره تُسمى أسلوبًا؛ ولذلك نجد النقاد يُعرفون الأسلوب بأنه القالب الذي يصبُّ فيه الأديب فكره وعاطفته، ومنهم من قال: إن الأسلوب هو المنهاج الذي ينهجه الأديب في الإفصاح عن فكر يختلج بذهنه، أو عاطفة تعتمل في قلبه. ومنهم من عرفه بأنه: طريقة الكاتب، أو الشاعر الخاصة في اختيار الألفاظ على الشكل الذي يرتضيه الذوق، وتأليف الكلام على الوضع الذي يقتضيه العقل.

فالأسلوب إذًا هو الطريقة التي يعبر بها الأديب عما في نفسه من مشاعر، وأفكار، وعواطف.

إن الألفاظ والجمل والتراكيب هي ما يكون منه الأسلوب بصفة أساسية عنصر الخيال، وعنصر موسيقى الشعر تُخص بحديث مع أنها داخلة أيضًا في الأسلوب؛ لأنها بعض مكوناته.

إذًا: الأفكار والمعاني والعواطف والمشاعر قبل أن يفرغها الأديب في قالبه الخاص هي أفكار عامة، ومشاعر يمكن أن يشعر بها كل الناس، فإذا عرف هذا الأديب كيف يصوغها على الصورة الملائمة، يصبح هذا عملًا أدبيًّا يُنسب إليه، ومن الضروري أن يكون للأديب المتميز أسلوبه الخاص الذي يُعرف به ويدل عليه، ولأهمية التعبير، أو الأسلوب، أو الصياغة وجدنا النقاد القدماء يهتمون به ويتحدثون عنه؛ حتى إنه قد يُفهم من بعض ما ورد عن القدماء أنهم يفضّلون الصياغة أو الأسلوب أو الألفاظ على المعنى، لكن هذا في الحقيقة -كما يجب أن يستقر في الأذهان- ليس صحيحًا؛ لأن الأدب لا يقوم إلا بالجناحين معًا؛ الشكل والمضمون، أو اللفظ والمعنى، أو الصياغة والأفكار.

 فالجاحظ ورد عنه قوله: “والمعاني مطروحة في الطريق، يعرفها العجمي والعربي والبدوي والقروي والمدني، وإنما الشأن -أي: الشأن في الأدب، أو المعول عليه فيه- في إقامة الوزن، وتخيُّر اللفظ، وسهولة المخرج، وكثرة الماء، وفي صحة الطبع، وجودة السبك، فإنما الشعر صناعة وضرب من النسج، وجنس من التصوير”.

وورد عن أبي هلال العسكري قوله: “المعاني مشتركة بين العقلاء، فربما وقع المعنى الجيد للسوقي والنبطي والزنجي، وإنما تتفاضل الناس في الألفاظ ورصفها، وتأليفها، ونظمها”.

وقال ابن رشيق نقلًا عن بعض العلماء: “إن المعاني موجودة في طباع الناس، يستوي الجاهل فيها والحاذق، ولكن العمل على جودة الألفاظ، وحسن السبك، وصحة التأليف، ألا ترى لو أن رجلًا أراد في المدح تشبيه رجل لما أخطأ أن يشبهه في الجود بالغيث والبحر، وفي الإقدام بالأسد، وفي المضاء بالسيف، وفي العزم بالسيل، وفي الحسن بالشمس؟ فإن لم يُحسن تركيب هذه المعاني في أحسن حلاها من اللفظ الجيد الجامع للرقة، والجزالة، والعذوبة، والطلاوة، والسهولة؛ لم يكن للمعنى قدر، وبعضهم مثّل المعنى بالصورة واللفظ بالكسوة، فإن لم تقابل الصورة الحسناء بما يشاكلها ويليق بها من اللباس؛ فقد بخست حقها، وتضاءلت في عين مبصرها”.

إذًا: الصياغة مهمة، والأسلوب في الأدب مهم؛ لأنه هو الصورة أو المعرض الذي يحمل إلينا الأفكار والعواطف، والأديب الحاذق هو الذي يحسن اختيار ألفاظه، وجمله، وأساليبه، وتراكيبه حتى يجذب القارئ والسامع إليه، والأساليب ليست كلها من جنس واحد، وإنما هي أجناس تختلف باختلاف المعاني التي يُراد التعبير عنها وتصويرها، وقد عرف العرب أربعة أنواع من الأساليب هي: الأسلوب الجَزْل، والأسلوب السهل، والأسلوب السُّوقي، والأسلوب الحُوْشي.

أما الأسلوب الجزل؛ فكلمة الجزل في اللغة معناها: القوي والكثير من كل شيء، يقال: رجل جزل الرأي؛ أي: جيده، وما أبين الجزالة فيه! أي: ما أجود رأيه! وكلام جزل؛ أي: قوي شديد، واللفظ الجزل خلاف الركيك.

ويعرّف أبو هلال العسكري الأسلوب الجزل في قوله: “أما الجزل والمختار من الكلام فهو الذي تعرفه العامة إذا سمعته، ولا تستعمله في محاوراتها”، ويصفه في قوله: “وأجود الكلام ما يكون جزلًا سهلًا، لا ينغلق معناه، ولا يستبهم مغزاه، ولا يكون مكدودًا مستكرهًا ومتوعرًا متقعرًا، ويكون بريئًا من الغثاثة، عاريًا من الرثاثة”.

وللأسلوب الجزل عنده درجات يعلو بعضها بعضًا؛ فهناك أسلوب جزل، وهناك أسلوب أكثر منه جزالة، كما أن هناك أسلوبًا أقل جزالة، فما يتعلق بهذه الصفة درجات.

ومن الجيد الذي اختاره أبو هلال، قول مسلم بن الوليد:

وردن رواق الفضل فضل بن خالد
 
*فحط الثناء الجزل نائله الجزل

وقوله: “وردن” أي: الإبل، و”رواق الفضل” الرواق هو مقدم البيت، و”الفضل” هو الفضل بن خالد، و”الثناء” هو المدح، و”نائله الجزل” أي: عطاؤه الكثير.

يقول:

بكفِّ أبي العباس يستمطر الغنى
 
*وتستنزل النُّعمى، ويُسترعَف النصل

ويستعطف الأمر الأبيّ بحزمه

*إذا الأمر لم يعطفه نقضٌ، ولا فتل

فهذا من الكلام الجزل؛ أي: الأسلوب القوي.

ومما هو أجزل من هذا قول المرار الفقعسي:

فقال: يدير الموت في مُرْجَحِنة

*تسفّ العوالي وسطها، وتشول

وكائن تركنا من كرائم معشر

*لهن على إبائهن عويل

على الجُرْد يعلكْنَ الشكيم كأنها
 
*إذا ناقلت بالدارعين وُعول

فللأرض من آثارهن عَجَاجة

*وللفَجّ من تصهالهن صليل

وهذه الأبيات في وصف الشجاعة والإقدام، والجياد التي تخوض الحرب، ويكون لها صهيل يعلو، ويكون لها كذلك آثار في الأرض؛ حيث تثير أرجلها الغبار والتراب بسبب سرعة عَدْوها في الكر والهجوم على الأعداء، فهذه المعاني يناسبها الأسلوب الجزل، الأسلوب القوي، ويستحسن هذا الأسلوب -الأسلوب الجزل- في معاني الفخر، والمديح، والحماسة، ووصف الحروب؛ فلكل معنى كلام وأسلوب يناسبه.

بعد ذلك يأتي الأسلوب السهل، وفي تعريفه قالوا: هو ما خلا من ألفاظ الخاصة وارتفع عن ألفاظ السُّوقة، أو هو الأسلوب الذي يجمع بين حسن المعنى وسهولة اللفظ.

فهذا أسلوب يخلو من الألفاظ الغريبة، والألفاظ التي لا يستخدمها إلا خاصة الأدباء أو خاصة الناس، وهو في الوقت ذاته مع سهولته مرتفع عن درجة عامة الناس، فعامة الناس لا يستطيعونه.

ويكون هذا الأسلوب -كما يصفونه- سهلًا ممتنعًا يقرؤه أو يسمعه الناس، فيظن كثير منهم أنهم يقدرون على مثله، فإذا ما حاولوه وجدوه صعبًا عليهم، ويستحسن هذا الأسلوب في معاني الغزل، ووصف النساء، وفي معاني الشكوى، وفي الرثاء أيضًا، وما يشبه ذلك من الأغراض الاجتماعية كالعتاب، وما يتصل بما بين الإخوان والأصدقاء من المشاعر.

ومن أمثلة هذا الأسلوب قول الشاعر:

صرفت القلب فانصرف

*ولم ترع الذي سلف

وبنت فلم أذب كمدًا

*عليك، ولم أمت أسفا

كلانا واجد في الناس

*ممن من له خلفًا

وبنت أي: فارقت وذهبت.

ومنه أيضًا قول العباس بن الأحنف:

إليك أشكو رَبِّ ما حلَّ بي

*من صدّ هذا التائه المعجب

إن قال: لم يفعل، وإن سيل لم

*يبذل، وإن عُوتب لم يعتب

صبٌّ بعصياني، ولو قال لي:
 
*لا تشرب البارد، لم أشرب

فنلاحظ أن الكلام هنا كلام سهل، والتعبير يخلو من الألفاظ الغامضة. ولو رجعنا إلى النماذج التي قرأناها في التمثيل على الأسلوب الجزل؛ لوجدنا فرقًا بين طبيعة الكلام هنا وطبيعة الكلام هناك، ولعلمنا أن الأسلوب هناك قوي، والألفاظ من ألفاظ الخاصة -خاصة الناس- أي: بعض الألفاظ تحتاج إلى الرجوع إلى المعاجم؛ لمعرفة معانيها، لكن في الأبيات الأخيرة الكلام سهل والتعبير واضح، لكنه مع ذلك لا يستطيعه عامة الناس.

وذكروا بعد ذلك ما يسمى بالأسلوب السوقي، وعرفوه فقالوا: هو ما كان المعنى فيه صوابًا واللفظ باردًا فاترًا، فالأسلوب السوقي يوصف بأنه أسلوب مهلهل، أي: ضعيف، ومن الشعراء الذين يكثر عندهم هذا الأسلوب أبو العتاهية؛ لأن أبا العتاهية أكثر من الكلام عن الزهد والوعظ، ولأنه كان يخاطب عامة الناس أو أراد أن يؤثر فيهم، فنزل بأسلوب شعره إلى درجتهم، فجاء أسلوبه في كثير من الأحيان سوقيًّا يشبه أسلوب السوقة وهم عامة الناس، فمن ذلك مثلًا قوله:

مات والله سعيد بن وهب
 
*رحم الله سعيد بن وهب

يا أبا عثمان أبكيت عيني

*يا أبا عثمان أوجعت قلبي

ونلاحظ أن هذا كلام قريب من كلام عامة الناس.

ومنه أيضًا ما يرويه صاحب (الأغاني) عن سلم الخاسر، أن أبا العتاهية جاءه زائرًا وأسمعه أبياتًا، منها قوله:

نغّص الموت كل لذة عيش
 
*يا لقومي للموت ما أوحاه!

عجبًا، إنه إذا مات ميت
 
*صد عنه حبيبه وجفاه

إنما الشيب لابن آدم ناعٍ

*قام في عارضيه ثم نعاه

من تمنى المنى، فأغرق فيها

*مات من قبل أن ينال مناه

إنما تنظر العيون من الناس

*إلى من ترجوه، أو تخشاه

يقول: “ثم قال لي: كيف رأيتها؟ فقلت له: لقد جودتها لو لم تكن ألفاظها سوقية، فقال: والله ما يرغبني فيها إلا الذي زهدك فيها”.

إذًا: هذا الأسلوب من أبي العتاهية أسلوب وُصف من النقاد بأنه سُوقي، وذكروا أن أبا العتاهية كان يقصد ذلك ويريده؛ لأنه يريد أن يؤثر به في عامة الناس.

ولا شك أن هذه المقاييس على الأساليب تختلف من عصر إلى عصر، ومن ثقافة إلى ثقافة، ومن بيئة إلى بيئة.

ومن أنواع الأساليب أيضًا: الأسلوب الحُوشي، وهو ما تغلب عليه الألفاظ الغريبة الحوشية أو الوَحْشية، وهي الألفاظ الغريبة التي تحجب المعنى، وتؤدي إلى الغموض والإبهام، والنقد القديم لا يستحسن هذا الأسلوب ولا يحبذه، فعن الجاحظ يقول: “وكما لا ينبغي أن يكون اللفظ عاميًّا وساقطًا سوقيًّا، فكذلك لا ينبغي أن يكون غريبًا وحشيًّا إلا أن يكون المتكلم بدويًّا أعرابيًّا، فإن الوحشي من الكلام يفهمه الوحشي من الناس، كما يفهم السوقي رطانة السوقي”.

فالأديب البارع إذًا هو الذي يختار الأسلوب المناسب للمعنى المناسب، ويختار لكل مقام ما يناسبه من المقال.

وقد مثّلوا للأسلوب الحوشي الذي يلجأ صاحبه إلى الألفاظ الغريبة؛ فيؤدي ذلك إلى غموض في معناه، بقول تأبط شرًّا:

إذا ما تركت صاحبي لثلاثة

*أو اثنين مثلينا، فلا أُبتُ آمنا


ولما سمعت العَوْضَ تدعو تنفرت

*عصافير رأسي من نوًى فعوائنا

وحَثْحثتُ مشعوف الفؤاد فراعني
 
*أناس بفيفان، فمِزْتُ القرائن

وعلق أبو هلال العسكري على هذه الأبيات بقوله: “فهذا الأسلوب من البغيض، الفاسد النسج، القبيح الرصف، الذي ينبغي أن يُتجنب مثله”.

هذه هي أنواع الأسلوب بصفة عامة، وكما ذكرنا فلكل معنى وكل غرض من أغراض الكلام، وكل مقام من مقاماته أسلوب يناسبه، وعلى الأديب أن يختار لكل مقام ما يناسبه من المقال.

وفي داخل هذه الأساليب العامة هناك أساليب، كأن يقال: هنا أسلوب شرط، أو هنا أسلوب استفهام، أو هنا أسلوب تعجب، فهذه الأنواع هي أنواع من الأساليب البلاغية الجزئية، التي تُتضمن في الأسلوب العام.

كذلك نشير إلى أن الأساليب تختلف باختلاف الأدباء، فليس أسلوب طه حسين مثلًا يشبه أسلوب العقاد، ولا أسلوب الاثنين يشبه أسلوب الرافعي مثلًا، وكل واحد من الشعراء في القديم وفي الحديث له أسلوبه أيضًا، وله طريقته في اختيار ألفاظه وبناء جمله؛ فأسلوب المتنبي غير أسلوب أبي فراس الحمداني، وأسلوب أبي تمام غير أسلوب البحتري، حتى إنه في النقد الحديث ظهرت مقولة “الأسلوب هو الرجل”، أي: كل رجل له أسلوبه الذي يدل على نفسه، وعلى طبعه.

وتختلف الأساليب أيضًا باختلاف الفنون الأدبية، فالأسلوب في القصة يختلف عن الأسلوب في الخطبة، وهما مختلفان عن الأسلوب في المقالة، وأسلوب النثر مختلف عن أسلوب الشعر، وهكذا.

error: النص محمي !!