Top
Image Alt

من مؤرخي القرن الثاني الهجري: ابن إسحاق والواقدي

  /  من مؤرخي القرن الثاني الهجري: ابن إسحاق والواقدي

من مؤرخي القرن الثاني الهجري: ابن إسحاق والواقدي

أولًا: محمد بن إسحاق:

هو: محمد بن إسحاق بن يسار، وُلِدَ عام ثمانين هجرية، وتُوفي عام اثنتين وخمسين بعد المائة الأولى من الهجرة النبوية.

وبدايةً أود أن ألفت الأنظار إلى أن مؤرخنا هذا كان له في المدينة عدة عَلاقات ببعض المحدثين، وبعض هذه العلاقات كانت إيجابية بالنسبة له، مثل علاقته بسفيان بن عيينة وهو عالم كبير، وعَلَم كبير من أعلام الحديث، وشيخ من شيوخ الحديث المبرزين.

شهد سفيان بن عيينة لابن إسحاق كما شهد للزهري بأنهما ثقات، وهذه الشهادة تحسب لصالح ابن إسحاق في كتاباته، هذا أمر مهم، ولكن وبالرغم من هذه الشهادة، فإن الواقع التاريخي يقول: إنه حدث عداء مستحكم بين مؤرخنا وهو محمد بن إسحاق، وبين عالمين جليلين من شيوخ المدينة، وهما: مالك بن أنس وهو إمام دار الهجرة، وهشام بن عروة بن الزبير.

ماذا حدث منهما؟

الذي حدث أن طعنا الأخيران وهما مالك بن أنس وهشام بن عروة في عِلم ابن إسحاق، ليس هذا فحسب، ولكنهما اتهماه ببعض التهم، مثل اتهامه بالتشيع أي: يأخذ بعض فرق الشيعة التي ظهرت بعد الصراع الشهير بين علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وبعض القوى التي كانت موجودة في المدينة في تلك المرحلة. وبالاتهام بالقدرية وهو الانضمام إلى فكر المعتزلة.

أمام هذه العلاقة، وأمام هذه الاتهامات، لم يجد ابن إسحاق بُدًّا من أن يترك المدينة، ويسافر إلى بغداد، وبالفعل سافر ابن إسحاق إلى بغداد، واستقر به المقام في بغداد.

وكانت تطورات الأمور في بغداد أنه توفي بها سنة اثنتين وخمسين بعد المائة الأولى من الهجرة، ولكنه قبل وفاته كان قد طاف بمجموعة من البلاد، مثل الكوفة والجزيرة والري.

وأخيرًا عند وفاته دفن في مقبرة الخيزران -أم هارون الرشيد- عند قبر إمام الأحناف المعروف -الإمام أبو حنيفة النعمان.

نتاج ابن إسحاق:

لابن إسحاق أكثر من مؤلف في التاريخ:

الأول: وهو (المغازي) وصلَنا باختصارٍ في (سيرة ابن هشام).

الثاني: كتاب (السيرة) المشهور الذي قيل عنه: إنه كان ثمرة تفكيره، وكان أبعد أفقًا، وأوسع نطاقًا من تفكير سابقيه ومعاصريه الذين تعرضوا بالكتابة في السير والمغازي.

اتجه -أولًا- إلى تاريخ عصر النبوة بجانب عنايته بسيرة النبي صلى الله عليه  وسلم.

قسم ابن إسحاق كتابه تقسيمًا مبتكرًا، إلى ثلاثة أقسام:

القسم الأول: وهو المبتدأ، ويتناول فيه تاريخ العصر الجاهلي حتى بعثة الرسول صلى الله عليه  وسلم.

القسم الثاني: ويتناول فيه المبعث، وهو تاريخ حياة النبي صلى الله عليه  وسلم، حتى السنة الأولى من الهجرة النبوية.

القسم الثالث: هو المغازي، وتناول فيه السيرة من الهجرة حتى وفاته صلى الله عليه  وسلم.

وابن هشام كان له دور في اختصار هذه الكتابات لابن إسحاق، وكان له منهج في اختصاره لكتابات ابن إسحاق، وعرض سيرة ابن إسحاق، هذه السيرة التي بين أيدينا والمعروفة باسم (سيرة ابن هشام)، الواقع هي (سيرة ابن إسحاق)، والواضح أن ابن هشام أخذها واختصرها، واستطاع أن يخلصها من تلك الأشياء التي كانت محل اعتراض من جماهير المسلمين، وخاصة من المؤرخين، وبالأخص المحدثين كان لهم موقف من هذه الكتابات ومن هذه السيرة.

تمثل هذا الموقف في أن ابن إسحاق اعتمد كثيرًا على الشعر، فروَى الكثير من الشعر في سيرته، كذلك روى الكثير من القصص، والمشكلة: أنه عندما كان يروي هذا الشعر أخذ الشعر من كل مصادره، ممن يعلم وممن لا يعلم؛ ولذلك أتى بأبيات شعرية كثيرة تعتبر مجهولة، أو تعتبر منحولة، أو لم تنسب لأصحابها، أو لا يُعرف أصحابها… إلى آخر كل ذلك.

ومن ثم كان للعلماء موقف من تلك الكميات الهائلة من الشعر، التي أوردها ابن إسحاق في كتابه هذا.

وكذلك أخذ الكثير من القصص الشعبي الذي كان متناولًا وأورده أيضًا في كتابه أو في سيرته، فَمَن ثمَّ نجد ابن هشام عندما عرض سيرة ابن إسحاق علق على هذه الأشياء وذكرها صراحةً، وقال: إنه تخلص من هذا الشعر الكثير، وتخلص من الأحداث التاريخية التي لا علاقة لها بسيرة النبي صلى الله عليه  وسلم.

وأحداث السيرة في عصر الرسول صلى الله عليه  وسلم كذلك تخلص من كمية الشعر المجهولة، والتي لا يُعرف أصحابها أو التي لا علاقة لها بالأحداث التاريخية، ونفس الأمر استعمله مع القصص، وخاصة عندما يجد بعض الروايات التي قد تكون لها آثار ضارة، أو تؤثر في شخصيات معينة، أو في سمعة شخصيات معينة، فكل هذه الأشياء حاول أن يقلص منها أو يتخلص منها.

ويقال على فعل ابن هشام: أنه هذَّب (سيرة ابن إسحاق) وأخرجها لنا في تلك الصورة الجميلة. وعندما صنع ابن هشام هذا في هذه السيرة، لقيت هذه السيرة القَبول في المشرق، ولقيت القبول في المدينة، وعند المحدثين.

بهذه الصورة نستطيع أن نقول: إن فعل ابن هشام هذا أفادنا، وأضاف إلينا إضافات جيدة تتعلق بسيرة ابن إسحاق.

لكن هناك وقفة لا بد منها، وهو التعليق على هذا النتاج العظيم الذي قدمه ابن إسحاق، والذي -حقيقة- لا غِنَى لنا عنه عند كتاباتنا في أحداث السيرة النبوية، وأحداث المغازي:

فهذا الكتاب الذي سبق ابن إسحاق عصره ومعاصريه، يعد المصدر الرئيس لتاريخ العصر الجاهلي، وحقيقة هو يعد أيضًا مصدرًا من المصادر المهمة للصدر الأول من الإسلام، على الرغم من تعرض كتابه لنقد صارم. ومع كل ذلك فإننا نعتبر عمل ابن إسحاق إثباتًا للنزعة الفكرية والتاريخية الأصيلة التي جاءت من وحي العرب، ومن قدراتهم، ومن استنباطاتهم، ومن جهدهم، ودورهم في حركة التدوين التاريخي عند المسلمين، فكان له دور مهم وبنَّاء في هذا الإطار. وهي عملية النزعة الفكرية والتاريخية الأصيلة التي جاءت من وحي العرب، وهذا يؤكد على أنه عربي أصيل، دفع المجال التاريخي خطواتٍ للإمام، وهذا أمر مهم يجب أن ننتبه له.

الثالث: لابن إسحاق مؤلفًا آخرَ، وهو (تاريخ الخلفاء)، ولكنه فيما يبدو كان نطاقه ضيقًا أي: لم يكن واسعًا ومشتملًا كـ(سيرة ابن إسحاق).

والملخص في هذا المؤلف -وهو (تاريخ الخلفاء)- أنه سمة من سماته، وفيه اختصار شديد واختصار للعبارات، ولكن الواقع يقول: إن الطبري روى عنه هذا المؤلف الذي يخص ابن إسحاق عندما تعرض الطبري لتاريخ الخلفاء الراشدين، يعني: عندما نعود لتاريخ الخلفاء الراشدين من خلال كتاب الطبري، سوف نجد أن روايات تلك الحقبة اعتمدت أكثر ما اعتمدت على كتاب ابن إسحاق (تاريخ الخلفاء)، وطبعًا هذه النقطة تحسب لابن إسحاق في كتاباته، أن يعود إليها مؤرخ عظيم مثل الطبري.

ثانيًا: الواقديُّ:

هو محمد بن عمر بن واقد الواقدي، هذا المؤرخ العظيم وُلد عام ثلاثين بعد المائة الأولى من الهجرة النبوية، وتُوفي عام سبعة بعد المائة الثانية من الهجرة النبوية. هذا فيما يخص اسمه وعمره.

أما الموضوع التالي الذي نود أن نتحدث عنه وهو مدرسة المدينة؛ لأن الواقدي حقيقةً عندما نقيمه نضعه في خانة مؤرخي المدينة، أو مدرسة المدينة. وكان الواقدي ممثلًا جيدًا لمدرسة المدينة، من حيث كل الأفكار التي تحملها هذه المدرسة. نلاحظ مثلًا: أنه منتظم، كذلك هو منطقي في تناول مادته العلمية، فهو يعرض -أولًا- إطار الموضوع الخاص به، ثم يعقبه بذكر التفاصيل، ونجده يضع قائمة بمصادره الأساسية، وقائمةً بمغازي الرسول، وتواريخ هذه المغازي، والشخصيات التي أنابها الرسول صلى الله عليه  وسلم عنه عندما كان يتحرك للغزوات المختلفة، وهو يهتم بالتسلسل التاريخي للأحداث، ويُبدي اهتمامًا خاصًّا بالتواريخ، وهذا معناه أنه كان يحاول أن يؤكد على هذه التواريخ، وحدوث هذه الأشياء في أي زمن، وفي أي وقت، وكل هذه السمات تعد إضافة لمدرسة المدينة، التي ينتمي لها مؤرخنا هذا وهو محمد بن عمر بن واقد الواقدي.

مقارنةً بين الواقدي وابن إسحاق:

ولو أمعنا النظر فيما ذكرنا، نجد أن هناك مقارنةً بين الواقدي وابن إسحاق في عدة نقاط؛ في الشعر، وفي القصص، وفي الإسناد، كل هذه نقاط هي محل للمقارنة بين الواقدي وابن إسحاق.

أ. موقفه من الشعر:

فمثلًا: في نظرته للشعر، فابن إسحاق أخذ من الشعر الصادق وغير الصادق، والمنحول والمجهول… إلى آخره.

لكن هنا نجد الواقدي في نظرته للشعر، يقتبس منه باعتدال، لا يأخذ من الشعر إلا بقدر معتدل، ويحاول عندما يأخذ من الشعر أن يأخذ الشعر الذي يعرف صاحبه، والذي ينسب إليه… إلى آخره، من هذه النقاط المهمة في موضوع الشعر واستعمال الشعر.

ب. موقفه من القصص الشعبي:

سوف نلاحظ أن الواقدي حاول قَدْرَ الإمكان تقليص عنصر القصص الشعبي في مادته التاريخية؛ لأن القصص الشعبي لا يُعتد به من حيث الأحداث التاريخية بالصورة التي نعتد بها بالأحداث التاريخية المسندة إلى أصحابها.

ومن ثم كان له موقف مهم في تقليصه لعنصر القصص الشعبي في مادته التاريخية.

ج. موقفه من قضية الإسناد:

فسلسلة الرواة الذين يروون الحدث التاريخي يعتبر إسنادًا بالنسبة للحدث التاريخي، فهل استعمل الإسنادَ الواقديُّ؟ وهل اهتم بالإسناد في ذكره لمادته العلمية، والمادة التاريخية؟

وحقيقةً عندما ندرس موضوع الإسناد عند الواقدي، فسوف نجد أنه استعمل طريقة الإسناد الجمعي، وكان يستعمله بانتظام تقريبًا. والإسناد الجمعي هو ذكر مجموعة روايات يبدؤها بذكر رواة أسهموا في بناء هذه الروايات، بحيث يكون مجموع الروايات يكوِّن حدثًا تاريخيًّا، أو قصةً متسلسلة في نهاية الأمر، ولكنه لا يقطع كل حدث تاريخي بذكر الراوي الخاص به، أو السند الخاص به، هو يذكر السند مجموعًا في أول الرواية، ثم يذكر الرواية متصلةً بعد ذلك.

بهذه الصورة يعطينا قصة متسلسلة، مترابطة من أولها إلى آخرها، ويكتفي بذكر مجموعة الأشخاص الذين كان لهم دور في الإسناد ورواية هذه الأحداث التاريخية، هذه هي فكرة الإسناد الجمعي. ولكننا نلاحظ أنه بالرغم من اهتمامه بالإسناد الجمعي، إلا أنَّه لم يحرم نفسه من ذكر روايات فردية بعد ذلك، ويعطي المواد الأساسية للحدث التاريخي من خلال الإسناد الجمعي، ثم بعد ذلك يذكر روايات فردية تعطي تفاصيل أخرى، تضيف زخمًا معينًا للرواية التاريخية، وتضيف مكانة معينة للحدث التاريخي الذي يرويه.

طبعًا هذا الأمر يدل بوضوح على أن الواقدي اهتم بموضوع الإسناد، ويعطي لإسناده الجمعي روايات مدرسة المدينة، أن يهتم بذكر موضوع الإسناد الجمعي، ويعطي منها من خلالها روايات مدرسة المدينة، ثم يضيف إليها ما وصل إليه شخصيًّا من روايات أخرى.

نكون قد وضحنا موقف الواقدي في قضية الإسناد، وكيف استعمل الإسناد في ذكر رواياته التاريخية. وطبعًا على الجملة نستطيع أن نقول: إن الواقدي كان أكثر دقة من ابن إسحاق في الإسناد.

ولا يخفَى علينا أن موضوع الإسناد كان ذا أثر في موقف أهل المدينة من سيرة ابن إسحاق قبل ذلك، وهذا وضح فيما سبق.

أثر بحوث الواقدي:

  • ‌أ.   تظهر أثر بحوث الواقدي الشخصية في المادة الإضافية التي يقدمها، فلا يكتفي بذكر موضوع الإسناد الجمعي، والرواية التي ظهرت، ولكنه يضيف بحوثًا أخرى شخصية من عنده.
  • كذلك يظهر أثره في ضبط التواريخ.
  • يظهر أثره في تقديم إطار أوضح للغزوات.
  •  كذلك يظهر أثره في اهتمامه بالتفاصيل الجغرافية التي تتصل بمواقع المعاني.

نظرة الواقدي النقدية:

هل كان الواقدي ذا نظرة نقدية في عرضه لمادته العلمية؟ وكيف نتبين أثر هذه النظرة النقدية، أو شكل هذه النظرة النقدية؟

  • ‌أ.   كان الواقدي يهتم بزيارة مواقع المعارك التي دارت والتي يتحدث عنها، والغزوات والسرايا، يحاول جاهدًا أن يذهب إلى تلك البقاع وأن يزورها؛ حتى ينقل لنا مادةً موثقة عن هذه المواقع، وعن هذه الأماكن، وهذه نظرية جميلة وطيبة طبعًا، وفيها إضافة وبُعد جميل في الكتابة التاريخية، وخاصةً لمرحلة الغزوات ومرحلة السير.
  • عَمِلَ على تمحيص المواد التي وصلته، فلا يأخذ منها بإطلاق.
  •  يبحث عن وثائق جديدة تؤكد الحدث التاريخي.
  •  يعد قوائم للمشاركين في الغزوات.
  •  يُكثر الواقدي من الإشارة إلى الآيات القرآنية التي تتصل بالحدث التاريخي الذي يتحدث عنه، فإذا كان يتحدث عن غزوة بدر، يذكر الآيات التي وردت في غزوة بدر، إذا كان يتحدث عن غزوة أُحد، يذكر الآيات التي وردت عن غزوة أُحد، وهكذا. وهذا الأمر يربط بين الأحداث التاريخية ويربط بين آيات القرآن الكريم؛ لنجد صدى هذه الآيات في حقيقة الأحداث التاريخية، وما تم على الأرض منها.

وهذا الأمر أضاف إليه بُعدًا آخر، وهو بأنه يجعل قصته التاريخية سهلةَ التسلسل، ويضفي عليها طابعًا دينيًّا جميلًا من خلال ذكره لهذه الآيات القرآنية.

ميول الواقدي:

هل كان للواقدي ميول معينة نحو حزب معين، أو مدرسة معينة، طبعًا بالنسبة للكتابة التاريخية ذكرنا: أنه يمثل مدرسة المدينة.

فعلى أي وضع نقيم هذه الأمور؟

الواقع أن الواقدي ذو ميول علوية، لا نستطيع أن ننكر هذا، ولكن أيضًا للحقيقة التاريخية نقول: إنه كان بعيدًا عن التحزب. وهذه نقطة مهمة تجعلنا من الممكن أن نقبل منه الروايات التاريخية التي ذكرها في كتاباته، كذلك نشعر بأثر القصص في مغازيه.

موقف الواقدي من ابن إسحاق، ولماذا كان هذا الموقف؟

بدايةً: الواقدي كان بعد ابن إسحاق، وهذا معناه أن (سيرة ابن إسحاق) كانت متوفرة لدى الواقدي، فمن الطبيعي أن يستفيد الواقدي من (سيرة ابن إسحاق) وهو أن يأخذ منها، هذا أمر طبيعي، فالسيرة متوفرة بين يديه، ولا مانع من أن يأخذ من سيرة ابن إسحاق بعض الموضوعات أو بعض الأفكار، ولكن الواقع يقول: إنَّ الواقدي لم يأخذ شيئًا من (سيرة ابن إسحاق). وهنا يرد السؤال:

لماذا لم يأخذ الواقدي شيئًا من (سيرة ابن إسحاق) بالرغم من توفرها بين يديه؟

هذا يرجع إلى:

أولًا: نظرة كتَّاب المدينة، ومؤرخيها، إلى ابن إسحاق و(سيرة ابن إسحاق).

وكنا قد تعرضنا لهذا الموضوع ونحن نتحدث عن ابن إسحاق.

ثانيًا: اختلاف وجهات النظر بين الواقدي وبين ابن إسحاق؛ لأنَّ الواقدي يعد ممثلًا لمدرسة المدينة، واهتماماته تدور في إطار تلك الاهتمامات التي تهتم بها مدرسة المدينة؛ ولذلك اختلاف هذه الوجه جعلت هناك تباينًا دَعَا الواقدي إلى ألا يأخذ شيئًا من (سيرة ابن إسحاق)، وهناك نظرة سائدة في المدينة تقول: إنَّ الأحاديث التاريخية ملك مدرسة المدينة، يعني: هي صاحبة هذا الإطار، وصاحبة هذا التوجه؛ ولذلك يرى أصحاب هذه المدرسة -وهي مدرسة المدينة: أنَّهم يكتفون بما عندهم من أحداث، ومن روايات، وأن هذه الأحداث مِلْك لهم، فَهُم أولى بتناولها، والحديث عنها، وتحليلها، إلى آخر كل ذلك، فما الداعي لأن يأخذوا من آخرين وعندهم الأصل كله، وهو الأحاديث، التي جرت في مدينة رسول الله صلى الله عليه  وسلم؟

نتاج الواقدي:

الواقدي قام بدراسة التاريخ الإسلامي، وكتب كتبًا عن موضوعات مهمة، ففي التاريخ الإسلامي نجده كتَبَ كتاباتٍ عن الردة، وكتب كتابات عن مقتل عثمان، أو يوم الدار، وكتب عن صفين، وكتب عن معركة الجمل، كذلك نجده كتب عن الشام والعراق.

ولكن نريد أن نوجه الأنظار إلى كتابه المعروف باسم (التاريخ الكبير)؛ ذلك لأن هذا الكتاب تعرض فيه لتاريخ الخلفاء، يعني: مجمل الذين حَكَموا العالم الإسلامي حتى عام تسعة وسبعين بعد المائة الأولى من الهجرة النبوية، طبعًا هذه المرحلة جيدة.

كذلك له مؤلف وهو كتاب (تاريخ طبقات المحدثين في الكوفة والبصرة) هذا كتاب مهم أيضًا؛ لأنه يظهر أثر دراسة الحديث في كتابة التاريخ.

وهنا لنا وقفة: كنا قد تحدثنا عن كيفية ظهور المغازي والسير من تحت عَباءة الحديث ومن خلال المغازي والسير، خرج علم آخر وهو علم التاريخ بعد ذلك، هذا التسلسل جميل وطيب يجب أن نستوعبه؛ ولذلك نقول: إن كتاب (الطبقات) هذا له أثر عظيم في أنه يوضح لنا في ذكره لهذه الطبقات أثر دراسة الحديث، وكيف كان للمحدثين دور في ظهور النزعة التاريخية، والكتابة التاريخية، ومؤلفي وكتَّاب التاريخ بعد ذلك، وهذه نقطة مهمة طبعًا لا يستطيع أحد أن ينكرها، أو يقلل من أهميتها.

error: النص محمي !!