Top
Image Alt

من مؤرِّخي القرن الثالث الهجري: البلاذري

  /  من مؤرِّخي القرن الثالث الهجري: البلاذري

من مؤرِّخي القرن الثالث الهجري: البلاذري

هو أحمد بن يحيى بن جابر البلاذري. تُوفي هذا المؤرخ عام تسعة وسبعين بعد المائة الثانية من الهجرة النبوية.

نتاجه التاريخي:

له كتاب: (فتوح البُلدان)، وكتاب: (أنساب الأشراف).

أ. الحديث عن الكتاب الأول: (فتوح البلدان):

يبحث هذا الكتاب في تاريخ الفتوحات الإسلامية، التي تمت في عصر خلفاء الراشدين ومَن جاء بعدهم.

ويقدم من خلال رؤيته قصة متسلسلة لفتح كل مِصر من الأمصار، التي تم فتحها في هذه العصور حتى عصر البلاذري.

مصادر معلوماته:

أخذ البلاذري مادته من الكتب الخاصة بفتوح كل مصر، مثل الكتب الخاصة بفتوح مصر، وفتوح الشام، وفتوح العراق، ولم يعتمد البلاذري على تلك الكتب فقط، ولكنه اعتمد أيضًا على زيارات شخصية قام بها إلى هذه الأمصار، واستقَى معلومات شفوية من أفواه السكان حول موضوع الفتوحات، وكيف تمت هذه الفتوحات؟ وماذا كان موقفهم؟ وماذا كان موقف المسلمين؟ إلى هذه الأخبار والأفكار التي يمكن أن يجدها عند الشعوب، التي انضمت إلى الجماعة الإسلامية والجماعة المسلمة من خلال هذه الفتوحات.

طريقته في الكتابة:

كان ينتقي المادة بعد الغربلة والنقد، فكل ما يحصل عليه لا يذكره، وهذا تصرف غير سليم من قبل المؤرخين، ولكن ما يحصل عليه البلاذري كان يُحدث له عملية غربلة، عملية انتقاء، عملية اختيار، فيختار ما يتناسب مع ما يذكره وما يتناسب مع الأحداث التاريخية.

كذلك كان البلاذري يحاول أن يُعطي صورة متزنة للحوادث، يعني: ليس فيها ميل جهة على حساب جهة أخرى.

كذلك في طريقته في الكتابة كان يتجنب إيراد روايات متعددة حول الحادث الواحد.

وأنا أرى أن الروايات المتعددة بالعكس تعطي بُعدًا تاريخيًّا أوسعَ، وتعطي المؤرخ بعد ذلك فرصة في الاختيار والتحليل والمقارنة بين هذه الروايات المتعددة؛ للوصول إلى الحقيقة التاريخية، لكن هو صنع هذا الصنيع.

موقفه من روايات المدينة:

كان يعتمد كثيرًا على روايات المدينة، وهذه الروايات كانت تتصف بالحياد، كما كانت تتصف بالدقة وبالموضوعية أكثر من غيرها؛ لأن روايات المدينة تتسم بالإسناد فهناك ثقة في تلك الروايات التي تمثل مدرسة المدينة.

نوع المعلومات التي عرض لها البلاذري في كتاب (فتوح البلدان):

استفاد البلاذري بالدرجة الأولى من الروايات المحلية، وهذه نقطة مهمة؛ لأن الروايات المحلية هي الروايات الأقربُ للصدق، والأقرب للموضوعية؛ لأنها تخص المكان، فأهل المكان أدرى بما حدث فيه، فهم يتناقلون قصصًا غالبا تكون قد وقعت في الواقع، حصلت بالفعل، بخلاف الروايات البعيدة عن المكان، فالله أعلم بمدى صدقها.

كذلك أورد البلاذري كثيرًا من المعلومات القيمة عن النواحي الثقافية والاقتصادية والإدارية، وهذا بُعد آخر ينسب إلى البلاذري، أنه لم يعتمد في كتاباته على الكتابة التاريخية فقط، ولكنه أشار وألمح إلى هذه الأبعاد المختلفة، فالتاريخ يهتم بالاقتصاد، ويهتم بالثقافة، ويهتم بالسياسة، ويهتم بالإدارة، كل هذه الأمور عرض لها البلاذري من خلال كتابه (فتوح البلدان).

ب. كتاب (أنساب الأشراف):

هذا الكتاب كتاب قيم ولا غنى للمؤرخين عنه، وهو كتاب عام للتاريخ الإسلامي في إطار الأنساب، هذا الكتاب مَزْج فريد، وتخصص غريب، ونوع من الكتابة التاريخية الفذة التي لم يصل إليها كثير من المؤرخين في العالم، لا أقول على مستوى الكتابات الإسلامية، ولكن حتى في العالم، مزج فريد في الخطة والمادة، يجمع بين التاريخ من خلال الأنساب، وفي حديثه عن الأنساب يذكر لنا القصة التاريخية، والأحداث التاريخية، والتسلسل التاريخي.

ولكن من خلال حديثه عن شخصيات الأنساب التي يعرض لها، وهذه طفرة مهمة، ومزج غريب، وقدرة غريبة، تحلى بها البلاذري في عرضه لهذا الكتاب.

خطة البلاذري في هذا الكتاب:

تجمع بين أساليب كتابة كتب الطبقات وكتب الأخبار وكتب الأنساب، فكتب الأخبار تهتم بالتاريخ، وكتب الطبقات تهتم بالتراجم والشخصيات التي تتحدث عنها، وكتب الأنساب تهتم بالقبائل ودورها وتقلبها، وانتماءاتها السياسية والحزبية… إلى آخر كل ذلك.

هذه المعلومات يصيغها في بَوْتقة واحدة؛ ليخرج لنا بقصة تاريخية متصلة مترابطة تجمع بهذه الأطراف الثلاثة؛ الطبقات والأخبار والأنساب.

وهذا الكتاب يشمل سيرة كل خليفة من الخلفاء الذين تعرض لهم، والأحداث التي وقعت في عهده، بما في ذلك فعاليات الأحزاب السياسية.

وهذه نقطة مهمة، فتاريخ الحركات والفرق هذه أصبحت حاليًا مادة علمية منفصلة تحتاج دراسات مستقلة، فمعنى ذلك أن البلاذري عرض لهذه النقطة واستشعرها وأحس بها.

كذلك نجده يضع عناوين فرعية للحوادث المهمة يمثل في هذا كتب الإخباريين، وهو يراعي التسلسل التاريخي لمادته العلمية.

انتقائه لمادته التاريخية:

البلاذري ينتقد وينقد مصادره قبل التعرض لها وقبل الأخذ منها، ولكننا نلاحظ أن آراءه عن المؤرخين السابقين استقرت في عصره، وأخذت صورة نهائية واضحة، ونجد ذلك في مثل قوله: “الواقدي في إسناده”، معروف: أن هناك سلسلةً معينةً، وتصورًا معينًا للإسناد عند الواقدي، كذلك: “أبو مخنف في إسناده” وهكذا.

ميول البلاذري:

إنَّ البلاذري كانت له صلة وعلاقة بالعباسيين، وهذا أمر لا ينكر، ولكن البلاذري في أخباره كان محايدًا ومتزنًا، ومعنى هذا أنه لا يأتي في جهة على حساب جهة أخرى.

ولذلك نجده يفسح المجال لكافة الروايات ليأخذ منها، فيأخذ من رواية المدينة، ويأخذ من رواية البصرة، ويأخذ من رواية الكوفة، ويأخذ من رواية الشام، وهكذا، ولم يقف عند حد معين في أخذه وتناوله للروايات حتى يكون موضوعيًّا في أخباره.

ونستطيع أن نضرب أمثلةً متنوعة لحياده واتزانه وعدم ميله وهواه -إن صح التعبير، ففي حديثه عن الشورى مثلًا يعتمد بالدرجة الأولى على الواقدي والزهري، وهم من مؤرخي المدينة، ولم يتوقف عند هذا الحد؛ بل أضاف إلى ذلك روايات عن أبي مخنف، وروايات أبي مخنف أقرب للعلويين -كما ذكرنا- وإن كان متزنًا أيضًا، كذلك نجده يأخذ عن الزبير بن بكار فيما يخص علوم الأنساب.

هكذا نجد هذا التنوع في حديثه عن الشورى؛ روايات من المدينة، روايات تمثل العلويين، روايات تمثل الأنساب.

كذلك في أخباره عن عبد الملك بن مروان، يعتمد كثيرًا على المدائني، وعلى عوانة بن الحكم، ومعنى ذلك أنه يأخذ روايات أهل الشام، كذلك يعتمد على الواقدي -وهو من مؤرخي المدينة- وهو بهذه الصورة يمثل زخمًا وبعدًا تاريخيًّا جميلًا وقويًّا في أخذه من مختلف هذه المشارب، كذلك يضيف إلى هذه الروايات بعض الروايات العراقية، يعني: لم يتوقف عند روايات المدينة أو روايات الشام ودمشق، بل أخذ أيضًا روايات عراقية.

كذلك في أخباره عن وقعة الحِرة يعتمد بصورة أساسية على المدائني، والواقدي، وعوانة، وأشياخ من المدينة، وكل هذه الروايات متنوعة: روايات أُموية، وروايات مدنية، وكل هذا يؤكد أن البلاذري كان محايدًا، وكان متزنًا، ولم يكن ذا ميول معينة، ولم تؤثر صلته بالعباسيين عليه وعلى كتاباته.

مصادر البلاذري:

إن مصادر البلاذري كانت مؤلفات؛ إما مكتوبة أو روايات شفوية، فتعابير مثل: حدثني فلان، قال لي فلان، فواضح من لفظها أنها روايات شفوية مباشرة، لكن عندما يقول: روى فلان، هذه الكلمة عامة تشير إلى مؤلفات مكتوبة.

هل اهتم البلاذري بالإسناد؟

نجد أنَّ البلاذري عادةً في استعماله للإسناد يستعمل الإسناد ويستخدمه، وخاصة فيما يتعلق بحوادث المدينة في زمن الراشدين، وكذلك بعض الروايات المنفردة. أو نراه يأخذ عن مصدرٍ سلسلةُ إسناده معروفة، يعني: لو أخذ عن أبي مخنف فسلسلة إسناد أبي مخنف معروفةٌ، ولو أخذ عن الواقدي فسلسلة إسناده معروفةٌ.

كذلك استعمل موضوع الإسناد الجمعي؛ وذلك ليدل على الاتفاق على المعلومات الأساسية، صلب عنصر الرواية التاريخية، ولكنه ما يلبث بعد ذلك أن يورد إضافاتٍ بسيطة حول الموضوع من عنده، وهذا أسلوب آخر من أساليب الإسناد.

كذلك يحدث أحيانًا أن يورد البلاذري عدة روايات بينها شيء من الاختلاف حول نفس الموضوع، وترد لديه أحيانًا روايات منفردة دون إسناد، يعني: أحيانًا لا يعتمد على الإسناد تمامًا في بعض الروايات.

وأخيرًا البلاذري كان له توجه معين في كتاباته في (أنساب الأشراف): كان توجه البلاذري فكرة وحدة الأمة الإسلامية، واتصال خبراتها في التاريخ الإسلامي، هذا كان توجهه في كتابه الأول وهو (أنساب الأشراف). أما الكتاب الثاني وهو (فتوح البلدان) فتظهر فيه قيمة أخرى، وهي قيمة خبرة الأمة للأغراض الإدارية والتشريعية.

error: النص محمي !!