Top
Image Alt

من مؤرِّخي القرن الثالث الهجري: اليعقوبي وابن قتيبة

  /  من مؤرِّخي القرن الثالث الهجري: اليعقوبي وابن قتيبة

من مؤرِّخي القرن الثالث الهجري: اليعقوبي وابن قتيبة

أولًا: اليعقوبي:

هو: أحمد بن إسحاق بن واضح، توفي عام أربعة وثمانين بعد المائة الثانية من الهجرة النبوية.

يعبر اليعقوبي عن فكرة التاريخ العالمي، وفكرة التاريخ العالمي هذه تمثلت في شخصيات كثيرة من التي نعرض لها، اهتموا بكتابة تاريخ عالمي، وليس تاريخًا قاصرًا على مرحلة معينة.

فاليعقوبي مؤرخ من طبقة الكتاب، يجمع بين ثقافة واسعة وخبرة عملية في الإدارة.

ويلاحظ أن هذا الأمر جاءه من خلال كثرة سفره وفي أثناء شبابه وانتقالاته وأعماله، فكوَّن خلفية ثقافية ضخمة كبيرة جدًّا، هذه الخلفية كانت متنوعة ولم تقتصر على التوجه التاريخي، ولكن كانت تجمع بين المعلومات التاريخية، وبين المعلومات الجغرافية أيضًا من خلال هذه الأسفار والرحلات والانتقالات.

نِتاجه التاريخي:

أول كتاب من كتب اليعقوبي هو كتاب (البُلدان) وهذا الكتاب موجود ومطبوع، وهو في الجغرافية التاريخية، وهنا لا بد أن نذكر أن هذا الكتاب أول مؤلف من نوعه في العربية، حيث كانت الكتب قبل هذا الكتاب إما أن تكون جغرافية، أو تاريخية، أما أن تجد كتابات تتأثر بالأمرين معًا وبالشقين معًا.

فجمع بين الجغرافيا والتاريخ، فهذا هو أول مؤلف من نوعه في هذا المجال، وهذا أمر مهم.

أما الكتاب الآخر فهو كتابه في التاريخ، وعرف باسم (تاريخ اليعقوبي)، وهو عبارة عن خلاصة وافية للتاريخ العالمي قبل الإسلام.

موضوعات الكتاب:

الموضوع الأول: التاريخ العالمي قبل الإسلام.

الموضوع الثاني: التاريخ الإسلامي، عرض بعد ذلك للتاريخ الإسلامي، حتى عام تسعة وخمسين من المائة الثانية من الهجرة النبوية.

تعرض لبدء الخليقة -وهذا القسم يقال: إنه غير موجود- ولا يقتصر في عرضه على تناول تاريخ الأنبياء، وإنما نوع كتاباته فنجده يشمل التاريخ الإيراني، ويشمل تاريخ العرب قبل الإسلام، بل إنه تناول أممًا أخرى كانت موجودة، والعادة أن المؤرخين كانوا لا يكتبون عنهم، مثل كتاباته عن الآشوريين، والبابليين، والهنود، واليونان، والرومان، والمصريين، والبربر، والحبشة، والزنوج، والترك، والصينيين؛ فكتاب اليعقوبي مليء بالتعرض لمختلف الأجناس والأمم والشعوب فهي كتابة عالمية، وهذه سمة من سمات هذه الحضارة الإسلامية التي لا تعرف التفرقة بين الأمم والشعوب مصداقًا لقوله تعالى: {وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا} [الحُجُرات:13].

بهذه الصورة يكون اليعقوبي قد عرض فكرته عن التاريخ العالمي، وهذا أمر واضح، وتعرض لهذا الكم الهائل من تاريخ هذه الأمم والشعوب والقبائل والحضارات المختلفة، فهذا تاريخ عالمي بمعنى الكلمة، وأعطى صورة شاملة لهذا الأمر، كذلك يبدو أن اهتمامه في هذا القسم من تاريخه -بقدر ما سمحت له المعلومات- انصبَّ على الجوانب الثقافية وهذه ميزة أخرى؛ لأننا عادة عندما نجد كتابات تاريخية غالبًا نجد هذه الكتابات تتعرض للتاريخ السياسي للأمم والشعوب، ودائمًا ما تتنكَّر أو تتجاهل التاريخ الثقافي، تاريخ الحضارة مثلًا، ومن ثم يعتبر اليعقوبي في هذا الجانب مميزًا؛ لأنه عرض لامتزاج الثقافات وتاريخ الثقافات، وكيف تم هذا في المجتمع الإسلامي.

كذلك نلاحظ أثر اهتمامه بالجغرافيا في كتابته، وظهرت له رغبة في الفلك وعلومه، وظهرت في حديثه عن التقاويم الفارسية والرومية.

كذلك نجد عند اليعقوبي معلومات فلكية تخص هذا العلم -علم الفلك- ونجدها عند تحديد بدء فترة كل خليفة، وهذا كان في القسم الثاني من كتابه (تاريخ اليعقوبي).

موضوع النقد والانتقاء في مصادر اليعقوبي:

إن اليعقوبي يتخذ نظرة نقدية بالنسبة لمصادره، ونلاحظ هذا في القسم الأول، ففي كتابته عن تاريخ الأنبياء يرجع إلى المصادر الأصلية ولا يأخذ من أي مصدر، وهو بذلك يمثل دقة معينة في هذا الأمر.

وحين يتكلم عن التاريخ الإيراني يبين أن مواد هذا التاريخ قبل العصر الساساني أسطورية، ولا يمكن الوثوق بها، فهو يذكر لك مصادره ويقول: إنَّها معلومات وتواريخ أسطورية، ويبين أنه لا يمكن الوثوق بها.

كذلك عندما يكتب عن الثقافة اليونانية والحضارة اليونانية يعود إلى مؤلفات يونانية مترجمة، ولا يأخذ من أي كتاب، ولكن يأخذ من أصحاب هذه المنطقة؛ لأنهم أولى بالكتابة عنه، وهم أعرف بالتطورات الثقافية والسياسية والحضارية التي حدثت فيه.

كذلك عندما يتعرض للتاريخ الإسلامي، فسوف نجد أن اليعقوبي يعتمد أيضًا على فكرة ومبدأ الانتقاء والغربلة والأخذ والفحص، ولا يأخذ كل ما وجد أمامه من أحداث التاريخ، ولكنه ينتقي ويأخذ منها ما يتناسب مع الرواية التاريخية والحدث التاريخي؛ ولذلك نقول: إن اليعقوبي في التاريخ الإسلامي يتبع أسلوب الانتقاء من الروايات، وذلك بعد التدقيق فيها.

وهو يبين أنه رجع إلى ما رواه الأشياخ المتقدمون من العلماء والرواة وأصحاب السير والأخبار والتواريخ، فيذكر المعلومات التي توفرت لديه أولًا، ثم يذكر عملية الانتقاء كيف أخذ من هؤلاء الأشياخ المتقدمين من العلماء والرواة وأصحاب السير، وبين أن هؤلاء الذين أخذ عنهم اختلفوا في أحاديثهم وأخبارهم وفي السنين والأعمار، ولم يتفقوا على تصور واضح في هذه الأمور؛ ولذلك نجده يحاول أن يمحص هذه المادة وأن يغربلها، وأن يأخذ منها ما تؤكده باقي الروايات التاريخية التي توفرت لديه، ومن ثم هو يحاول في النهاية أن يؤلف بين كل هذا الشتات؛ ليكتب كتابة تاريخية متصلة وواضحة.

موقف اليعقوبي من الإسناد:

كان اليعقوبي لا يرى ضرورة لذكر الأسانيد مرة أخرى؛ لأن النظرة إلى الأسانيد التاريخية المهمة في عصره – في نهاية القرن الثالث الهجري- كانت قد استقرت، وعرفت سلسلة الإسناد الخاصة بالرواة، ومن ثم فهو يرى أنه لا حاجة لإعادة التكرار وإعادة الذكر مرة أخرى؛ ولذلك اكتفى اليعقوبي بذكر مصادره الأساسية فيقول: إنه عن أبي مخنف، عن المدائني، عن… بهذه الصورة، ولكن لا يذكر سلسلة الإسناد.

ولا نجد بعد ذلك إشارات إلى سلسلة الإسناد إلا في حالات نادرة.

التنوع والاتزان في مصادره:

تنوع اليعقوبي في مصادره وأخذ من الجميع، فنلاحظ أن مصادر اليعقوبي من الممكن أن تكون علوية أو عباسية، مثل سليمان بن علي الهاشمي، وقد تكون مدنية مثل الواقدي وابن إسحاق، والواقدي أساسًا من رواة مدرسة المدينة، وابن إسحاق بعد أن هذبت سيرته على يد ابن هشام وجدت قبولًا عند أهل المدينة، فبهذه الصورة هو ممثل أيضًا لمدرسة المدينة، كذلك يمكن أن يأخذ من الإخباريين مثل المدائني والهيثم بن عدي، كذلك يمكن أن يأخذ من النسابة مثل ابن الكلبي، كذلك يمكن أن يأخذ مادة علمية من بعض الفلكيين مثل الخوارزمي وهو من الشخصيات العلمية وشخصيات الحضارة الإسلامية، كذلك أخذ مادة علمية عن الفلك عن طريق “ما شاء الله الحاسب”، وهو أيضًا له دوره في موضوع الفلك والكتابة عنه.

ميول اليعقوبي:

نلاحظ أن اليعقوبي متزن في أخباره، وهذا حكم مهم وهو بصورة عامة دقيق فيما يورده من معلومات؛ فليس له هوًى معين جعله يميل لجهة على حساب جهة أخرى، ولم يكن هواه في اتجاه معين، ولكنه كان عامًّا وجامعًا وشاملًا لكل الرؤى ولكل الأحزاب والمواقف التاريخية، ولكن هذا لا يمنع من ظهور شيء من اتجاهاته في التفاصيل.

فعندما ندخل في تفاصيل الموضوعات التاريخية التي عرضها، قد نرى شيئًا من الميول في هذه اللحظة؛ فهو في حديثه عن الراشدين والأمويين يُظهر ميولًا علوية أحيانًا في مقابلة الروايات الأموية والروايات التي تتحدث عن فترة الراشدين، كذلك نراه يسهب في ذكر أقوال الأئمة وفي ذكر خطبهم، كذلك عندما يتعرض لتاريخ وفياتهم يعطي نبذة عن سيرهم وعن حياتهم، وخاصة الأئمة من آل البيت.

موقفه من العباسيين:

عندما يتحدث اليعقوبي عن العباسيين يظهر شيئًا من التسامح أو المجاملة، ونستطيع أن نتبين بعض الأمثلة لذلك: فهو يسمي الدعوة العباسية بالدعوة الهاشمية بالرغم من أنها في الحقيقة دعوة عباسية؛ لأنها لو كانت دعوة هاشمية لكانت جامعة وشاملة لكل بني هاشم، ولكنها حقيقة خصت بالعباسيين، بل إن باقي الأطراف من بني هاشم يمكن أن تكون قد عانت من حكم العباسيين، وهو يطلق الدعوة الهاشمية، ولكن هذه الدعوة في بدايتها كانت دعوة هاشمية.

كذلك يسمى عصر العباسيين بعصر الدولة كأنها هي الدولة المحقة، وكذلك نجده يورد روايات عباسية في أخباره، ونراه في حديثه عن المهدي العباسي يذكر دعايات العباسيين وموقفهم من المهدي.

وكيف حاول أبو جعفر المنصور أن يروج لابنه وأنه مهدي هذه الأمة، وأنه على صورة من الأخلاق والصلاح والفضل والتقوى… إلى آخر هذه الأخبار، فقد أخذته دعوات العباسيين، وأورد دعاياتهم في أن الخليفة هو المهدي ينشر العدل ويحارب الظلم وغيره من هذه الأفكار.

وعندما يتعرض اليعقوبي لبعض الحوادث المحرجة بالنسبة للعباسيين، مثل قضية مقتل ابن هبيرة، والبرامكة، ومقتل “أبو مسلم الخرساني” ومقتل “أبو سلمة الخلال”، وغيرها من المواقف التي إذا عدنا إليها من خلال أحداث التاريخ سنجدها أحداثًا محرجة ومؤسفة، ولم يكن يليق بالدولة العباسية أن تقوم بها وقد لامهم التاريخ عليها، فما هو موقف اليعقوبي من مثل هذه الحوادث؟

عندما تعرض اليعقوبي لهذه الأشياء عرضها بصورة مناسبة فلم يتهمهم أو يجرحهم، كذلك حين يتطرق إلى وفاة الإمام موسى الكاظم يكتفي بذكر البيان العباسي، وكان المفروض أن يعرض لباقي الآراء وباقي التصورات، التي كانت موجودة عن باقي الأحزاب والفرق السياسية والمذهبية، التي كان تتصارع على السطح.

ونريد أن نوضح أن هذه الميول تجاه العباسيين لا تمنع من أن نعتد بمؤلَف اليعقوبي (تاريخ اليعقوبي)، من حيث قيمته وأهميته ومنزلته في تطور علم التاريخ عند العرب.

خطته في دراسة التاريخ:

نلاحظ في خطته أنه يذكر التاريخ حسب توالي الخلفاء؛ يعني: يبدأ بذكر الخليفة وبداية الأحداث منذ ظهور الخليفة، وتطور الأحداث في عصره حتى وفاة هذا الخليفة وقيام خليفة آخر، لكنه في الوقت نفسه وإذا كان كتب التاريخ حسب توالي الخلفاء إلا أنه مع ذلك راعى تسلسل الحوادث على السنين؛ فهو يجمع بين الأمرين حتى لا ينقطع الحدث التاريخي أو الرواية التاريخية، فهو إما أن يذكرها متسلسلة على حسب السنين، وإما أن يذكرها حسب توالي الخلفاء.

كذلك نلاحظ في خطة اليعقوبي أنه حين يقترب من عصره يقتصر على ذكر الأخبار بإيجاز؛ فلا يسهب في التفاصيل وفي تنوعها، فنجده مثلًا في ثورة الزنج لا يتعرض لها إلا في ملاحظات بسيطة، وهو بهذه الصورة أراد أن يكتب تاريخًا مختصرًا مركزًا من المواد الواسعة المتباينة أمامه، وذلك لإظهار تطور الأمة من جهة، ولسد الحاجة الثقافية من جهة أخرى.

وهذا كلام واقعي وكلام تاريخي، ولكنه يلفت الأنظار إلى أن الكتابة في التاريخ المعاصر، لأي مؤرخ يحاول أن يكتب في التاريخ المعاصر سوف يصدم بحقيقة مهمة، وأنه لا يستطيع أن يكتب كل الصدق أو الصدق المطلق الذي عاشه، أو الذي رآه، أو الذي نما إليه في كتابة التاريخ المعاصر، كأنه سوف يصطدم بشخصيات ما زالت لها بقايا في الأحداث وتستطيع أن تؤثر في الأحداث، فهي بقايا أسر، أو بقايا شخصيات، وهذه الأمور قد تعود على المؤرخ بالضرر الشديد، ومن ثم فهو يؤثِر السلامةَ، ويكتب هذه الكتابات بشيء من الخفاء وبشيء من الاقتصار، وغالبًا ما تكون الموضوعية بعيدة عن هذه الكتابات التي تتعرض للتاريخ الحديث.

ثانيًا: ابن قتيبة:

هو: أبو محمد عبد الله بن مسلم. توفي عام سبعين بعد المائة الثانية من الهجرة النبوية.

نتاجه التاريخي:

له كتاب (المعارف)، هذا الكتاب يقتنى وهو مطبوع وموجود، وهو مليء بالمعلومات التاريخية وغير التاريخية؛ لأنه مزج في معلوماته بين مختلف العناصر، فقد تحدث عن النسب، وتحدث عن الأيام، وتحدث عن الأحداث التاريخية، وتحدث عن الخلفاء … إلى آخر كل هذه المعلومات، فكتابه (المعارف) كتاب قيم لا غنى للباحثين في التاريخ عنه.

إن قيمة هذا الكتاب تتمثل في أنه دائرة معارف، ومَن يعد لهذا الكتاب، ويقرأ فيه يجد أنه يعد دائرة معارف تمتزج فيها مختلف خطوط الكتابة التاريخية، وهذه حقيقة لا يستطيع أن ينكرها أحد، فنجد في هذا الكتاب حديثًا عن الخلفاء، وحديثًا عن الأنساب، وحديثًا عن الشعر، وحديثًا عن أيام العرب … إلى آخر كل ذلك. فهو في المجمل كتاب تاريخ عالمي.

هذا الكتاب -كتاب (المعارف)- كتاب ضخم، وهو في جزء واحد، وهو كتاب تاريخ عالمي يبدأ فيه ابن قتيبة بالحديث عن الخليقة ويتطور حتى ينتهي بأيام المعتصم، معنى ذلك أنه تقريبًا وصل إلى نهايات العصر العباسي الأول؛ لأن الدولة العباسية استمرت عصرين، العصر العباسي الأول، وهذا بدأ من 132 حتى 232 هجرية، ومعنى ذلك أن ابن قتيبة وصل تقريبًا إلى بداية نهايات العصر العباسي الأول، وتظهر في هذا الكتاب وجهة نظر أصحاب الأخبار، كذلك تظهر أيضًا توجهات الأنساب والنسب، ودوره في التاريخ.

كما أننا نجد أن ابن قتيبة في هذا الكتاب يتناول أيام العرب، وسبق أن قلنا: إن هذه سِمة من سمات مدرسة العراق -إن صح التعبير- ولكنه عندما يتناول أيام العرب فهو يتناولهم بإيجاز، ويبدو في ابن قتيبة اهتمام الفقيه، يعني: هو له اهتمامات فقهية بالإضافة إلى الاهتمامات التاريخية، فتبدو في ابن قتيبة اهتمامات الفقيه في نقاط أو نقط معينة، على سبيل المثال: تم فتح بلد على أيدي المسلمين، فهل فتحت هذه البلد صلحًا أم فتحت عنوة؟ وكلنا يعلم أن الفقه سيكون له آراء فقهية تختلف باختلاف هذا الحكم، إذا كانت هذه البلد قد فتحت صلحًا، فإن هناك أحكامًا فقهية معينة تتخذ تجاه هذه البلد، أما إن كانت قد فتحت صلحًا فهناك أحكام فقهية أخرى؛ ولذلك نجد أن ابن قتيبة يهتم بهذا الأمر.

وعلى العموم نعتقد أن هذا الكتاب وضع ليسد حاجة الكتاب أو التاريخ للمعلومات التاريخية الأساسية.

مصادر ابن قتيبة:

أ. مصادر مكتوبة:

إن مصادر ابن قتيبة تنوعت في هذا الكتاب -كتاب (المعارف)- من بين هذه المصادر: مصادر مكتوبة، يعني: كتب مكتوبة اطلع عليها، مثل: كتب ابن إسحاق، وكتب المدائني، وكتب أبان بن عثمان، وكتب عروة بن الزبير، إلى آخر هذه الكتب. هذه الكتب كانت متوفرة، فمن الممكن أن يكون ابن قتيبة قد عاد إلى هذه الكتب وأخذ منها كتابةً.

ب. مصادر شفوية:

كذلك من المصادر: الروايات الشفوية؛ فقد اعتمد على الروايات الشفوية في مصادره، ونجده سلك سبيل انتقاء المعلومات التاريخية، فهو ينقد المصادر ويأخذ وينتقي منها أشياء يقبلها، وأشياء يرفضها، وهذا أمر مهم في موضوع المصادر والأخذ منها المصادر. كذلك نلاحظ أن مَن ذكر مِن مصادره لهم منزلة عالية في حقول دراساتهم، يعني: من يذكره يكون من الشخصيات التي يشار لها بالبنان والشخصيات المعروفة في هذا المجال، سواء كانت الدراسات في التاريخ أو في الأنساب أو في غير ذلك من أنواع الدراسات؛ ولذلك نجده مثلًا يستعين بكتابات ابن إسحاق وهو من هو، ويستعين بكتابات الواقدي، ويعود إلى كتابات ابن الكلبي.

إذن ابن قتيبة هو أول مَن رجع إلى العهد القديم؛ ليأخذ منه مباشرةً عن بدء الخليقة وعن تاريخ الأنبياء.

وهذه نقطة مهمة، وكنا قد تعرضنا لها في دروس سابقة عندما تكلمنا عن موضوع الأخذ من كتب أهل الكتاب.

ولنا حديث في هذا، وهو قوله صلى الله عليه  وسلم: ((لا تصدقوا أهلَ الكتاب ولا تكذبوهم))، أو كما قال رسول الله صلى الله عليه  وسلم.

وبناء على ذلك بينا أن الأخذ من الكتاب لا يكون بالصورة العشوائية، ولكن ما لا نجده عندنا وقد يكون مكتوبا عندهم، قد نأخذ منه.

وقبل أن نأخذ منه يجب أن نعرضه على ما استقر عندنا في ديننا الحنيف من ثوابت إسلامية، فإن تعارض معها لا يؤخذ منه، بل يترك ويهمل.

أما ما لا يتعارض معه ولم تتعرض له كتبنا، فمن الممكن أن نأخذ منه وأن نستعين به في كتابة هذه التواريخ.

ميول ابن قتيبة:

تتميز مادة ابن قتيبة التاريخية والتأكيد على الحقائق، ويلاحظ فيها أنه يورد الآراء السائدة أحيانًا، إلا أنه يعطي أحكامًا خاصة في بعض الأحيان.

وعلى العموم لا نستطيع أن نقول أن له ميولًا واضحة، ولكن كانت كتاباته تتسم بالحياد وبالموضوعية.

error: النص محمي !!