Top
Image Alt

من مؤرِّخي القرن الثاني الهجري: المدائني والكلبي وهيثم بن عدي

  /  من مؤرِّخي القرن الثاني الهجري: المدائني والكلبي وهيثم بن عدي

من مؤرِّخي القرن الثاني الهجري: المدائني والكلبي وهيثم بن عدي

أولًا: المدائني:

هو: أبو الحسن علي بن محمد المدائني، وُلِدَ عام خمسة وثلاثين بعد المائة الأولى من الهجرة النبوية، وتوفي عام خمسة وعشرين بعد المائة الثانية من الهجرة النبوية. وهو بصري، يعني: من مواليد البصرة، ولكنه سافر إلى بغداد واستقر فيها.

هل استعمل المدائني الإسناد؟

هذه القضية قضية مهمة في تقييم أعمال هؤلاء الرواة والمؤرخين؛ لأنَّ الذي يعتمد على الإسناد نثق في روايته التاريخية، ونأخذ منها ونحن إلى حد كبير على ثقة من أنَّها رواية صادقة، ورواية سليمة، ونستطيع أن نعود إليها، وأنْ نعتد بها في تأكيد الأحداث التاريخية، أو في نفيها.

أما مَن يهمل الإسناد أو مَن يذكره بصورة مفككة، أو ركيكة، أو يتركه تمامًا، هذا يدعونا لأن نتخوف، أن نتوقف على الأقل أمام تلك الروايات التي يذكرها، وأن نعمل عقولنا فيها، وأن نحاول أن نستخرج أدلة أخرى على تأكيد الحدث التاريخي أو نفيه.

وبالنسبة لموضوع الإسناد عند المدائني: فيظهر أثر الإسناد عليه أقوى ممن سبق، يعني: يهتم بالإسناد ويظهر عليه أثره، ويظهر عنده الاتجاه نحو جمع أوفى وتنظيم أدق للروايات التاريخية، لماذا؟ لأنَّ الكتابة التاريخية والأحداث التاريخية كانت استقرت، والحديث عنها أخذ شكلًا موضوعيًّا واضحًا ومحددًا من كتابات الآخرين التي سبقته، بدايةً من ابن إسحاق وابن عثمان مثلًا، والزبير بن بكار، وإلى آخر هذه الشخصيات ومَن تحدثنا عنهم قبل ذلك، فكل هؤلاء أرسوا قواعد واضحة ومعلومات بينة بالنسبة لكتابة الأحداث التاريخية، وتطور وتسلسل هذه الأحداث.

ممن أخذ رواياته؟

نجده يأخذ من الإخباريين السابقين، مثل: أبو مخنف، وابن إسحاق، والواقدي، والميزة التي تميزه: أنه أضاف إلى تلك الروايات من بحوثه الخاصة.

ونستطيع أن نقول في تقييمنا له: إنَّه جمع بين الدراسات التاريخية والأدبية، يعني: لم يكن قاصرًا في كتاباته على الكتابات التاريخية، بل إنَّه طعَّمَها بشيء من الحديث عن الدراسات الأدبية.

نتاجه التاريخي:

كتَبَ المدائني مجموعةَ كتاباتٍ تَرْبو على مائتين وأربعين كتابًا، وإذا حاولنا أن نستعرض هذه الكتابات سوف نجد أنه جال في دراساته هذه في مواضيع مختلفة: حياة النبي صلى الله عليه  وسلم بما فيها من أحداث، من سير، من مغازي، إلى آخر كل ذلك. تعرض للتاريخ العباسي بكل صوره، تناول فترة الفتوحات التي تمت في عصر الخلفاء الراشدين.

كذلك تحدث عن الخلفاء الراشدين، وتحدث عن الأشراف، وعن المعارك التي دارت في تلك الحقب، وعن الشعراء الذين ظهروا، وأهم كتاباتهم الشعرية، فكل هذه الأمور توضح أن نتاجه كان متنوعًا بين الكتابات التاريخية والكتابات الأدبية.

ولكن هناك أمر مهم يجب ألا نغفله ونحن نتحدث عن المدائني، وهو: اهتمامه بالأنساب؛ فالمدائني كانت له ميزة خاصة، وهو أنَّه كان يهتم بالأنساب والكتابة عن الأنساب وذكر الأنساب.

والدليل على ذلك أنَّه كتب كتابًا مهمًّا في موضوع الأنساب يعرف باسم (نسب قريش وأخبارها)، وهذا الكتاب كُتِبَ على خطة كُتُب الأنساب، أي: التزم فيه بمنهج كتب الأنساب.

وبالنسبة لكتبه الأخرى، نجد أن تلك الكتب كانت تتصل بحياة الرسول صلى الله عليه  وسلم كما ذكرنا، ولكنها كانت لا تتعدى فصولًا يسيرةً أو صغيرةً من حياة الرسول أو من أحداث السيرة، لكن عندما نتعرض لتاريخ الخلافة وكتاباته حولها، نجد كتابه الذي عُرف باسم (أخبار الخلفاء الكبير) يعد أوسع مؤلفاته التاريخية.

تناول المدائني في هذا الكتاب الفترة من خلافة أبي بكر الصديق حتى فترة عصر المعتصم، وهذه طبعًا فترة واسعة في الكتابة التاريخية، ولا غِنى لأي كاتب في التاريخ ولأي قارئ في التاريخ عن هذه الفترة.

سمات أسلوب المدائني:

يعتمد أسلوب المدائني على أسلوب الإخباريين، هذا أولًا.

ثانيًا: إنه يمثل درجة أعلى من أسلافه في البحث والدقة، يعني: ولم يكن يأخذ أي روايات تقابله أو تصادفه.

ثالثًا: يظهر أنَّه اتبع أسلوبَ المحدثين في نقد الروايات، ومَن يصل إلى هذه المرحلة سوف يستفيد بهذه الكتابات؛ لأنَّ أسلوب المحدثين في النقد أسلوب صعبٌ وشاق وطويل، ويصل في نهاية الأمر بالثقة في الرواية المروية، هذا أمر طبيعي، ومن باب أولى أن المؤرخ لو استخدم هذا الأسلوبَ، فهذا سيعود على كتاباته بالثقة، يعني: نستطيع أن نأخذ هذه الكتابات ونحن على ثقة مِن صدقها، وأنها قد حدثت ودارت بالفعل؛ ولذلك نقول: إنَّه صار يتمتع بثقة أكثر من أسلافه.

موقفه من روايات المدينة، وموقفه من روايات البصرة:

بالنسبة لروايات المدينة: توسع أكثر ممن سبقه في الأخذ من روايات المدينة، وهذه نقطة مهمة، وهذا شيء طبيعي؛ لأنَّه كان يعتمد منهج المحدثين في نقد الروايات وفي الإسناد وخلافه، وهو بهذه الصورة يمثل إلى حد كبير مدرسة المدينة كما هو واضح أنه يلتزم منهجها، ويلتزم أسلوبها في الكتابة وفي العرض.

أما بالنسبة لروايات البصرة: فسنجده أيضًا استطاع أن يستفيد من روايات البصرة، وأخذ منها عن الفترة التي تخص الخوارج -معروف فرقة الخوارج من الفرق، التي ظهرت في ظل الحضارة الإسلامية- كما أخذ فتوح خراسان، كذلك ما وراء النهر، كل هذه الموضوعات أخذها من رواة البصرة؛ ولذلك نقول: إنه أخذ من هؤلاء الرواة ولم يقف أمامهم.

قيمة المدائني في تلك الكتابات:

إن المدائني جاء بأخبار مهمة ووافية ومتكاملة، تمثل رواية تامة للحدث التاريخي، فجاء بأخبار أكثر توازنًا. معنى ذلك: أن عرضه للرواية التاريخية فيها شيء من التوازن، وليست فيها ميول حزبية أو سياسية أو مذهبية، سواء ناحية العلويين أو ناحية الفرق المختلفة: الخوارج، المعتزلة، إلى آخر كل ذلك. فمعنى ذلك أنه كان أكثر توازنًا ممن سلف في عرض مادته العلمية ومادته التاريخية. كذلك هذا التوازن نجده في الموضوعات التي تناولها والتي عرضها.

ونضيف إلى ما سبق: أن البحوث الحديثة أيدت دقة المدائني في عرضه لمعلوماته التاريخية، وصار المدائني المصدر الأساسي للمؤرخين الذين جاءوا بعده فأخذوا عنه واستفادوا بكتاباته التاريخية؛ نظرًا لتلك النقاط المتميزة في منهج المدائني وفي عرضه لمادته العلمية التاريخية.

ثانيًا: هشام الكلبي:

هو هشام بن محمد بن السائب الكلبي، تُوفي عام أربعة بعد المائة الثانية من الهجرة النبوية.

وبالنسبة للتخصص فقد تابع هشام الكلبي دراسات والده في الأنساب، وتقدم بها، فتلك الشخصية كان لها دور عظيم ويد واسعة وقَدَم راسخة في موضوع الكتابة في الأنساب، فهذا الموضوع كان موضوعًا مهمًّا تميز فيه محمد بن السائب الكلبي.

نشير أيضًا إلى أن دراسة والده للأنساب كانت محاولة لجمع الروايات القبلية، ولكنه اعتمد على أميز وأفضل راوٍ في كل قبيلة، ولذلك نقول: إنَّ كتابات محمد بن السائب الكلبي كتابات مهمة، وهي التي أوجدت بعد ذلك شخصية هشام الكلبي؛ لأن من الواضح أن شخصية والده أثرت فيه، فظهر كتابه: (جمهرة النسب)، هذا الكتاب يعد طبعة موسعة لمؤلف والده، يعني: نستطيع أن نقول: إنَّه أضاف إلى مؤلف والده في الأنساب وأجاد في هذه الإضافات، وعرض لكثير من الموضوعات، أو وسَّعَ بعض الموضوعات التي كان قد عرض لها والده في موضوع الأنساب، وهذا الكتاب يوحي بملاحظات مختصرة، بعض هذه الملاحظات مهمة ومفيدة في الأحداث التاريخية، وهي تدور حول مشاهير الرجال في كافة الحِقب، ونقول: إنَّ هذا الكتاب أصبح فيما بعد المرجع الأول للمؤلفين فيما يخص موضوع الأحساب والأنساب، هذه نقطة مهمة؛ لأنَّ هذا هو التخصص الذي عرف به هشام بن محمد بن السائب الكلبي.

نتاجه التاريخي:

تناول في دراساته التاريخية تاريخ الأنبياء، كذلك تناول تاريخ الجزيرة العربية قبل الإسلام، وتحدث عن أيام العرب، وتحدث عن التاريخ الإيراني، وكذلك تحدث عن التاريخي الإسلامي، ولكن نلاحظ أنَّ في مصادر أخباره شيئًا من التنوع، وهذا أمر مهم، فهذا التنوع يؤكد على الحدث التاريخي؛ لأنَّه عندما يأتي من أكثر من جهة، فهذا يدعونا للتأكد من صحة الحدث التاريخي، فهنا نقول: إنَّ تنوع مصادر أخباره من النقاط التي تميز كتابات هشام الكلبي.

فنريد أن نوضح هذه المصادر: مثلًا نجد أنَّه في تاريخ الأنبياء يأخذ عن أهل الكتاب.

لنا هنا وقفة؛ لأنَّه من المعروف أنَّ الأخذ من كتب أهل الكتاب لا يكون بطريقة “بُلهْنية”، ولكن لا بد فيها من معالم واضحة، يتضح هذا الموقف في أننا إذا وجدنا المادة العلمية الموجودة في مصادرنا الإسلامية، نأخذ منها ونفضلها على غيرها تمامًا.

أما إذا وجدنا بعض النقاط غير موفاة في المصادر الإسلامية التي بين أيدينا، فنستطيع أن نعود إلى كتب أهل الكتاب، بشرط ألا تتعارض مع حقائق ثابتة في تاريخنا، وفيما هو متوفر لدينا من علومنا الإسلامية. فيسمح لنا بأن نتناول فيها شيئًا من علوم أهل الكتاب من باب قاعدة ذلك الحديث، الذي ذكره سيدنا رسول الله صلى الله عليه  وسلم: ((لا تُصدقوا أهلَ الكتاب، ولا تكذبوهم)).

وما يدل أيضًا على تنوع مصادره: إنه عندما يتحدث عن تاريخ إيران يأخذ عن الترجمات الفارسية، يعني: هو لا يأخذ من أي شخصية، وإنما يهتم بالترجمات الفارسية التي تحدثت عن تاريخ إيران، كذلك عن الأخبار والقصص المتداولة فيما يخص موضوع تاريخ إيران.

نجد أنه يأخذ بعض معلومات ومعلومات وثيقة من كتب عوانة بن الحكم، كذلك يأخذ من أبي مخنف، ولكن مثلًا عندما يكتب عن عرب الحيرة، فهو يستفيد استفادة عظيمة من تلك الوثائق والكتابات الموجودة في كنائس الحيرة، وهذه نقطة مهمة.

يعني: هذه المرحلة لن تغطى تاريخيًّا إلا من خلال هذه المنطقة، فهو يعود إلى تلك الوثائق والكتابات التاريخية المتوفرة في كنائس الحيرة، والتي تتعلق بتاريخ عرب الحيرة، ونجد أن هذه الكتابات أيضًا تتعلق بموضوع آخر وهو العلاقات بين العرب والساسانيين في هذه المرحلة، وكل هذه الأفكار أفكار جميلة، كونه يجد مادة علمية متوفرة في هذه الكتابات والوثائق الموجودة في كنائس الحيرة، فهذا الأمر بلا شك خدمه خدمة جليلة في معلوماته العلمية.

عيوب هشام الكلبي في كتاباته:

أولًا: لم يكن مدققًا كما يجب، يعني: كان من الواجب أن تتسم كتاباته بشيء من الدقة في العرض والدقة في التناول، والدقة في الكتابة، لكن كتاباته كان يفتقدها شيء من الدقة.

ثانيًا: أنه أخذ الكثير من القصص الشعبي، ومن المعروف أن القصص الشعبي لا يبني تاريخًا نثق فيه ونطمئن إليه وفي صحته، هذا أمر طبيعي، ولكن طبعًا الروايات التي تأتي عن طريق الإسناد وعن طريق الرواة الموثوق فيهم، هذه هي الروايات التي تدعونا للأخذ وللتأكد من صحة المادة العلمية التي وردت فيها.

ثالثًا: نجده يعتمد على مواد وروايات أسطورية، ولا يليق بالمؤرخ أن يعتمد على روايات تدور في إطار الأسطورة والخيال.

رابعًا: نجده يعرض لبعض الأخبار الموضوعة من شعراء الجاهلية، مثل الهمداني لم يوف قبائل اليمن حقها عندما عرض لأنسابها.

ثالثًا: الهيثم بن عدي:

هو الهيثم بن عدي بن عبد الرحمن الطائي الكوفي، تُوفي عام ستة بعد المائة الثانية من الهجرة النبوية.

كانت فيه ميزة مهمة جدًّا، هي الجمع بين الدراسات التاريخية ودراسات الأنساب، ونستطيع أن نستفيد منها، يعني: المؤلف الواحد يجمع بين اتجاهين جميلين لا غنى للمؤرخ وللباحث في التاريخ عنهما. وهذا الأمر كان نتيجة وجهات مختلفة للدراسة، يعني: تنوع صور الدراسة أوجد هذا الأمر.

نتاجه التاريخي:

له كتاب (تاريخ الأشراف الكبير)، وهذا الكتاب يعد كتابًا للتاريخ في إطار الأنساب هذه النقطة ميزته تمامًا، خاصةً وأن هذا المؤلف سبق به البلاذري في كتابه (أنساب الأشراف).

كذلك كتب الهيثم بن عدي كتابًا آخرَ وهو تاريخ للفقهاء والمحدثين، بعنوان: (طبقات الفقهاء والمحدثين)، وهذا أمر مهم أيضًا أن يكتب كتابًا في الطبقات في هذه المراحل، ولكن تحدث عن طبقات الفقهاء والمحدثين على أسلوب كتب الطبقات، ونستطيع أن نقول: هذا الكتاب يمكن أن يكون أول كتاب من نوعه في هذا الاتجاه، وهو اتجاه كتب الطبقات ومَن تناولوهم.

كذلك تظهر نواحي اهتمامه بالشئون المحلية في كتابيه عن خِطط الكوفة والبصرة، معنى ذلك أنه اهتم بالأمور الداخلية، ولم ترد كل كتاباته التاريخية عامة، لكنه اهتم بالكتابة عن الشئون المحلية في هذه المناطق: الكوفة والبصرة، ونجد أن هذه الكتابات المحلية تنوعت، فكل منهما تاريخ للمدينة، يعني: كتاب يتعلق بمدينة الكوفة، وكتاب آخر يتعلق بمدينة البصرة، ويحتوي على معلومات عامة قد تكون تاريخية لكنها تدور في إطار جغرافي.

وكذلك يستدعي انتباهنا بصورة خاصة ذلك المؤلَّف الذي كتبه حول كتاب (التاريخ على السنين)، وهو كتاب يتحدث عن تاريخ الإسلام ولكن على توالي السنين، أو الحوليات.

نقد الهيثم بن عدي في كتاباته التاريخية:

انتقد الهيثم بن عدي بشيء من ضعف التدقيق.

كذلك اتهم بالتساهل في استعمال إسناده، وهذه نقطة مهمة؛ لأن التساهل في استعمال الإسناد يجعلنا لسنا على ثقة تامة ومطلقة في الحدث التاريخي، وفي استعماله، والاعتماد عليه، وهذا يسيء إلى الكتابة التي تخلو من قمة الحِرص في استعمال الإسناد.

يبدو أن أكثر أخباره متعلقة بموضوع الإسناد، اقتبس من مؤلفات مكتوبة، تجد الرواية عنه بمقولة: قال الهيثم بن عدي، وذكر الهيثم بن عدي، يعني: معنى ذلك أنه لا يوجد رواة، أو تسلسل في الإسناد، وبعض الروايات رُويت بالرواية الشفوية منه شخصيًّا، أو نجده يروي رواية واحدة، أو خبرًا واحدًا عن كل حدث، ولا ترد روايات متباينة حول نفس الموضوع.

يعني: كان من المفروض أن يعرض لأكثر من رواية للحدث الواحد، حتى يظهر أثر هذا الحدث: قيمته صدقه أو كذبه، إلى آخر كل ذلك.

فبهذه الصورة يعتمد على الراوي دون أن يذكر سلسلة الإسناد، وهذا تساهل في استعمال الإسناد.

error: النص محمي !!