Top
Image Alt

من مرحلة ما قبل الميلاد إلى مرحلة الطفولة المبكرة

  /  من مرحلة ما قبل الميلاد إلى مرحلة الطفولة المبكرة

من مرحلة ما قبل الميلاد إلى مرحلة الطفولة المبكرة

مقدمة عن النمو الإنساني:

تبيّن الدراسات العلمية على الأطفال أنه في الأعمار المختلفة تتمّ أشكالًا عامة للنمو، تميّز مرحلة عمرية معينة من المراحل السابقة والمرحلة اللاحقة. وبالرغم من أنه لا يوجد خط قاطع بين المراحل المختلفة إلا أنه من الممكن استنادًا إلى البنية المستخلصة من دراسات على مجموعات كبيرة من الأطفال أن نحدّد مراحل نمائيّة أساسية، تتميز بشكلها الخاص في النمو، الذي يفوق في الأهمية بقية النمو الحادث في تلك الفترة.

ومع ذلك تشهد الدراسات في علم نفس النمو تقسيمات متعددة لمراحل النمو؛ استنادًا إلى خصائص بارزة معينة تتميّز بها كلّ مرحلة من هذه المراحل. ومن هذه التقسيمات الشائعة ما يستند بدرجة كبيرة على الخصائص الجسميّة للنمو كأساسٍ للتقسيم، ويمكننا أن نقسم المراحل إلى ما يلي:

أ. من الإخصاب إلى مائتين وثمانين يومًا:

وتمتدّ هذه الفترة منذ لحظة الإخصاب، حيث ينتج عن اتحاد البويضة بالحيوان المنوي كائنٌ فريدٌ إلى حدٍّ كبيرٍ، على الرغم مما سيكون بينه وبين أسلافه، وأبويه، وإخوته، وأخواته من تشابه أساسي.

والطفل في فترة الحمل يُعتبر من الناحية السلالية مالكًا لآلاف السنين من الحياة البشرية، والطفل في بطن الأم يكون في حماية تامّة، فهو محصنٌ نسبيًّا ضدّ الأذى الناجم عن عدم كفاية الغذاء، ومع ذلك يتأثّر بتكوينه بالحالة الصحيّة والنفسيّة العامّة للأمّ، فقد يؤدّي تعرّض الأمّ لبعض الأمراض الجسمية، أو استخدام بعض العقاقير إلى إحداث إصابات في بنية الجنين، مما قد يؤدّي إلى إحداث أضرار جسيمة به.

ب. الطفل حديث الولادة:

وتبدأ هذه المرحلة مباشرة بعد قطع الحبل السّرّي، وتستمر ما بين خمسة عشر يومًا إلى عشرين يومًا، ويبدأ الطفل في هذه المرحلة بالتكيّف لظروف الوسط الخارجي في المحيط الجديد له، بعد انتقاله من بطن الأمّ إلى هذا العالم الخارجي، فمنذ هذه اللحظة يتوقّف إمداد الأمّ للطفل بالأكسجين والحرارة والتغذية بواسطة الحبل السّرّي، ويبدأ الطفل بالرضاعة من ثدي أمّه، ويتنفّس الهواء عن طريق الرّئتين، كما يقوم بحماية نفسه بنفسه عن طريق تنسيقٍٍ وتنظيمِ درجة الحرارة ما بين جسمه والوسط الخارجي. ويبدأ الجسم بتكوين الأجسام المضادة ضدّ مختلف الأمراض المُعدية، كما يتمّ في هذه المرحلة أيضًا سقوط الحبل السري.

وتتميز هذه المرحلة بكون وظائف جسم الطفل لم تكتمل بعد؛ لعدم نضوج الجهاز العصبي المركزي، وخاصة لِحَاءُ المخّ. ولذلك فإن الطفل يحتاج إلى عناية خاصة دقيقة، وتختلف مدة هذه المرحلة -مرحلة تكيف الطفل لظروف الحياة الجديدة- من طفل لآخر، ولذلك لا تُوجد حدودٌ ثابتة تفصل هذه المرحلة عن المرحلة التالية، وقد تستمرّ عملية التكيّف عند بعض الأطفال أكثر من عشرين يومًا؛ عندما يُولد الطفل يتحول من جنين إلى وليد، وتستمرّ هذه الفترة حتى نهاية الشهر الثاني من عمره، وفي غضون تلك الفترة يعتمد الوليد اعتمادًا كليًّا في تغذيته ورعايته على أمّه. ويقضي الطفل حديث الولادة الجزء الأكبر من وقته في النوم حوالي عشرين ساعة يوميًّا، أما الفترة التي يقضيها الوليد الحديث متيقظًا يقضي معظمها في عملية الرضاعة، وكذلك القيام ببعض الحركات واستقبال بعض المُثِيرَات الحسية التي تقع على حواسه المختلفة.

جـ. مرحلة المهد:

من أسبوعين إلى عامين، وهذه المرحلة تمثّل فترةَ العجزِ بسبب ضرورة اعتماد الطفل تمامًا على الآخرين لإشباع حاجاته، وبالتّدريج يصير الطفل أكثر استقلاليّة من خلال تعلّم ضبط عضلاته؛ لكي يستطيع أن يقوم بتغذية نفسه، وأن يمشي، وأن يُلبس نفسه، وأن يتكلّم وأن يلعب، وسرعان ما يأخذ الطفل في هذه المرحلة في تعلم الاستجابة للمثيرات المرتبطة باهتمام الكبار والصغار به جسميًّا واجتماعيًّا في البيت، فالطفل وإن كان كائنًا حيًّا متكيفًا بذاته إلا أنه يعتمد أيضًا في تنشئته على بيئته بدرجة كبيرة؛ فاختلال التوازن في عملياته الجسمية يدفعه إلى الصُّرَاخ لأذًى، يجعل الآخرين يستجيبون له، فإذا لم يظفر الطفل بالعناية إلا إذا صرخ فقط فقد يتخذ من الصراخ وسيلة إلى جذب الانتباه إلى نفسه. أما إذا لقي اهتمامًا به وهو يناغي أو يقرقر أو عندما يكون سعيدًا فإن المناغاة والقرقرة قد تغدوان أيضًا طريقة مكتسبة للحصول على الاهتمام الاجتماعي.

كما تتميز هذه المرحلة أيضًا بنموّ جميع الوظائف التوازنية نموًّا تامًّا، كما تتصف بالنمو السريع للحاء النصفين الكرويين للمخ الذي ينتج عنه بدءِ مركز التكلّم في القيام بوظيفته، فلا يقتصر الطفل على نطق بعض المقاطع والألفاظ، بل يستطيع تركيب الجمل من الكلمات المفردة، وهكذا تأخذ لغته في النمو تدريجيًّا.

د. مرحلة الطفولة المبكرة:

وتبدأ من السنة الثانية إلى السنة الخامسة، وهي امتداد للمرحلة السابقة، ولكنها تتميّز باستمرار الارتقاء الاجتماعي النفسي؛ حيث تزداد قدرة الطفل على التحكّم في عملية الإخراج، وفي الانضباط الفسيولوجي وفي الحركة طوال فترات اليقظة؛ سعيًا وراء استكشاف كل ما يُحيط به مع الارتقاء اللغوي، واكتساب العديد من المهارات الجديدة، والتعرّف على النوع، وحيازة بعض المفاهيم الاجتماعية، والتمييز قليلًا بين الخير والشر، والصدق والكذب، والمباح والممنوع، وما إلى ذلك من متطلّبات تكوين الضمير، بالإضافة إلى استطاعته في نهاية تلك الفترة معرفة بعض الفروق الشخصية.

ولأهمية هذه المرحلة سوف نُلقي عليها بعض الضوء، لكونها مرحلة مهمَّة، ما بين الأسرة وما بين المدرسة؛ حيث تبرز بعض الحاجات التي يتطلّبها نمو الطفل، على رأسها الحاجات الجسمية؛ حيث تنمو أجسام الأطفال في هذه المرحلة بشكل واضح، ويكون وزن الأطفال الذكور أقلّ من وزن الإناث؛ بيد أن عضلات الذكور تبرز وتتضح وتقوى في مقابل نمو الأنسجة الشحمية لدى الإناث. والمطلوب هنا من الآباء والأمهات أن يسمحوا للأطفال بالحركة، وأن ينظروا إلى ما يُوصف في بعض البيئات بشقاوة الأطفال على أنه علامة صحّة، بمعنى: أن الطفل الذي لا يتحرّك بصفة مستمرّة ينبغي عرضه على أحد الأطباء المتخصّصين لتحصينه ضدّ كل الأمراض، ويحتاج الطفل حينئذٍ إلى العناية الشديدة بأسنانه، مع مراعاة عدم خلع الأسنان اللبنية عند تسوّسها، وضرورة حشوها، والاستمرار في رعايتها حتى تسقط بطبيعتها.

ومن حاجات الطفل في هذه الفترة تدريبه على ضبط الإخراج، بمطالبته كل ساعتين مثلًا بأن يتبرّز ويتبوّل، حتى لا تفاجئه هذه الأمور، وهو منهمك في اللعب، أو في النوم، ويعجز عن تدارك الأمر.

كما ينبغي في تربية الطفل ورعايته في تلك الفترة أن نُراعي النظام الغذائي له، فلا ينبغي حشو بطن الطفل بأكبر كميّة من الطعام حتى يسمن، فلربما رفض الطفل هذا الطعام، وهذا الرفض ينبغي تفسيره، إما لكونه لا يرغب في الطعام أصلًا، أو لفقدان شهيّته، أو لعدم ملائمة الطعام المقدّم له، ومن ثَمّ يجب على الأمّ تقديم ألوان مناسبة، ومتنوعة، ومتكاملة من الغذاء الذي يحتوي على البروتينات، والمعادن، والفيتامينات اللازمة لحاجته الجسمانيّة، وتعويده منذ تلك السن على آداب المائدة.

وتتميّز هذه المرحلة بكثرة حركة الطفل وزيادة نشاطه، ومن ثَمّ لا ينبغي أن نقلق من تلك الحركات، ويجب ألا نضع أيّ قيد على حركة الطفل؛ لارتباط نموه الجسماني بحركته، وبالتالي سوف يكتسب مهارات حركية جديدة مثل: الجري، والقفر، والتسلّق، وركوب الدراجات، والحركات المتميزة بالمهارة والدقة، التي تضمن له السلامة في كل هذه النشاطات.

وأهم حاجات الأطفال في هذه الفترة ضرورة ممارسة اللعب باعتباره التعبير الانفعالي المفيد في النواحي التربوية والجسمانية، ولذلك ينبغي على القائمين على أمر الطفل توفير بعض الفرص لزيارة الحدائق، والمنتزهات العامة؛ لممارسة نشاطه الحركي في الهواء الطلق، وبين الخضرة والمياه الجارية في تلقائية ومرونة، مثل: التسلق، والتوازن، وما إلى ذلك، مما يساعد على تدريب العضلات الكبيرة ونموها. كما ينبغي مساعدة الطفل على النجاح في استخدام بعض الألعاب الموجودة لتدعيم حاجته إلى الشعور بالنجاح.

الحاجات الحسّيّة للطفولة المبكرة:

الحواس كما هو معروف: هي اللمس، والتذوق، والشّمّ، والسمع، والبصر. والطفل في هذه المرحلة يمكن اعتباره في مرحلة تعلم كيفية ممارسة هذه الحواس، والاستفادة منها بأسلوب يرضاه المجتمع ويقرّه الدين، لقوله تعالى: {وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ} [طه: 131]، وقوله تعالى: {وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولـئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولا} [الإسراء: 36]، ومعنى ذلك: أن الطفل ليس مجرّد مستقبل سلبيّ للمثيرات الحسية، كما كان الحال في الماضي، وإنما يستطيع في هذه المرحلة أن يُفاضل بينها، ويربط بين بعضها والبعض الآخر في تكامل مقبول، وبصفة مستمرّة في ضوء خبراته الحسية الإدراكية السابقة، وكذلك في ضوء ارتقائه النفسي الاجتماعي الذي تتولّاه الأسرة، ولا سيما الأم حينئذٍ.

ويحتاج الطفل في هذه المرحلة إلى مراقبة حواسّه مراقبةً طيبة مثل العينين وقدرتهما على تمييز الألوان، والأذنين وقدرتهما على إدراك الإيقاعات وبصفة عامة تنمية موهبته السمعية، ومراقبة قدراته على التذوق والشم، وقدرتهما على التمييز بين الطعام الصالح وغير الصالح إلى غير ذلك.

الحاجات العقلية إلى الطفولة المبكرة:

وهذه المرحلة هي التي تتميز بدايتها بعدم مقدرة الطفل على تركيز الانتباه، وعلى كثرة المطالب ونسيان بعضها، وعلى الأسئلة المتواصلة ما فهم منها وما لم يفهم. وفيها يتدرج الطفل في تساؤلاته من التساؤلات العادية إلى الفلسفية بدون وَعْيٍ منه، وهذه الأسئلة ترجع إلى نشاط العقل ورغبته في أن يعرف ويحيط ويلمّ بكل شيء، أما الحاجات اللغوية للطفولة المبكرة فيحتاج الطفل في هذه الفترة إلى من يوفر له الفهم والإدراك لمعاني الكثير من المفردات اللغوية، والصفات المتعدّدة، والقواعد المنهجيّة مثل المفرد، والجمع، والماضي، والحاضر، والمستقبل، إلى غير ذلك من المفردات والجمل والموضوعات التي يكون مدفوعًا إلى تحصيلها من أجل فهم البيئة المحيطة به.

الحاجات الانفعالية للطفولة:

لعل أهم الحاجات الانفعالية للطفل في هذه المرحلة هو تشجيعه على الاستجابة الانفعالية اللفظية بدلًا من الاستجابة الانفعالية الجسمية؛ إذ المعروف أن الانفعالات في هذه المرحلة من العمر تتميّز بالشّدّة والمبالغة، فإذا غضب أو أحب أو كره فبشدة، وأحيانًا ينفعل لأسباب غير واضحة؛ فضلًا عن انتقاله السريع من انفعال إلى آخر، بمعنى: أنه قد ينتقل من الضحك إلى البكاء، أو العكس، ومن الانشراح والسرور إلى الانقباض، والحزن، والكآبة، أو العكس. ومن ثَمّ يجب على الأبوين أن يساعداه على أن يحبهما على اعتبار أن حبه في هذه المرحلة يتركّز حول أبويه، فإذا وفّرا له الحب والحنان والرعاية ارتقى لديه انفعال الحب، وإذا لم يُوفّرا له الحب والحنان والرعاية؛ فإن أمر انفعال الحب لديه سوف يسوء.

ومن حاجات الطفل أيضًا عدم التفرقة في المعاملة بينه وبين أشقائه، لأن في نبذ الطفل أو الإعراض عنه خطورة كبيرة على صحته النفسية والاجتماعية، ولذلك فمن الضرورة المساواة بين الأطفال. كما يحتاج الطفل أيضًا إلى عدم عقابه عقابًا بدنيًّا؛ لما ينتج عنه الخنوع أو الثورة، وكذلك كلما زادت قسوة العقاب زاد التعبير عن العدوان.

الحاجات الاجتماعية للطفولة المبكرة:

يحتاج الطفل في هذه الفترة إلى أن تُغرس في ذاته القيم، والمبادئ، والمعايير، والعادات، والأعراف، والتقاليد الاجتماعية الإيجابية الضرورية؛ لتنشئته تنشئةً اجتماعية سليمة؛ فالطفل في هذه السّنّ في أعلى مستويات القدرة على التّمثيل الاجتماعي لكل ما يأتيه عن أبويه، وبقية أفراد أسرته، ومن البيئة الاجتماعية.

وفي هذه الفترة أيضًا تتسع دائرة تفاعله الاجتماعي؛ حيث تشمل الأشخاص، والأشياء بجوار الأمّ في البيئة الاجتماعية التي يعيش فيها. ومن ثَمّ يمارس الطفل بعض العمليات الاجتماعية كالتعاون في شكل مساعدات لوالدته، أو التنافس مع أترابه في مجالات اللعب، وكذلك يُمارس بقيّة العمليات الاجتماعية الأخرى، ولكن بشكل غير واضح.

ويُلاحظ أن مدى تفاعله الاجتماعي محدود، ، فهو يصادق الآخرين وقتيًّا، ويعاديهم وقتيًّا؛

ويمكن تلخيص أهم مظاهر النمو في هذه المرحلة فيما يلي:

يتمّ في السنة الأولى للطفل كما سبق أن ذكرنا سيطرته على حركة ساقيه، وقدميه، وحركة الإبهام والسبابة، كما يتمكّن من جذب الأشياء ودفعها من الوقوف منتصبًا. أما في السنة الثانية فيتمكّن من المشي، والجري، ويستعمل كلمات، وجمل بسيطة، ويتمكّن كذلك من سيطرته على حركة المعدة والمثانة. ويبدأ في تكوين فكرة عن نفسه.

أما في السنة الثالثة فيتمكّن من التعبير عن نفسه في جملٍ مفيدةٍ، ويبدي استعدادًا لفهم البيئة المحيطة به، والاستجابة لمطالب الكبار. ولا يصبح بالتالي مجرّد طفل صغير.

وفي السنة الرابعة يسأل الطفل أسئلة كثيرة، ويمكنه إدراك التجانس والتشابه، ويصل إلى مرحلة من التفكير يتمكّن فيها من التعميم، كما يتمكّن فيها من الاعتماد على نفسه في الأعمال الروتينية اليومية.

وفي السنة الخامسة يتمّ نضجه الحركي، فيقفز، ويقوم بالكثير من المهارات الحركية الأخرى، ويتحدّث حديثًا خاليًا من لَكْنَةِ الأطفال، كما يجد نوعًا من الكبرياء في ملبسه ومظهره، وما يقوم به من أفعال، ويكتسب ثقة في نفسه، ويُصبح مواطنًا صغيرًا في عالمه الخاصّ.

ولأهمية هذه المرحلة بالنسبة لمسار النمو في المراحل التالية يؤكّد علماء النفس والتربية على ضرورة الاهتمام بدور الحضانة، خاصة مع متغيّرات هذا العصر، وخروج المرأة إلى العمل.

error: النص محمي !!