Top
Image Alt

من وقف أو تصدق على أقربائه

  /  من وقف أو تصدق على أقربائه

من وقف أو تصدق على أقربائه

وهو ما يسمى بالوقف الأهلي، أو الوقف على الأقارب.

وفي الحقيقة الوقف على الأقارب أولى صلة لهم وبرًّا بهم وعطفًا عليهم؛ لأن الوقف للأهل والأقارب فيه صيانة لماء وجوههم من سؤال الناس، ولأن خير الناس هو الذي يكون خيره لأهله، وقد أوصى الله عز وجل بصلة الأرحام، ووعد البارين بأرحامهم وعدًا حسنًا.

فقال -جل شأنه-: {وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ} [النساء: 1] أي: اتقوا قطيعة الأرحام، كما ذكر كثير من المفسرين. وقال -جل شأنه-: {فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذَلِكَ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُون} [الروم: 38] وقال -عز من قائل-: {وَاعْبُدُواْ اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالجَنبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً فَخُورًا} [النساء: 36].

وفي السُّنة: عن أنس أن أبا طلحة قال: ((يا رسول الله، إن الله يقول: {لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ} [آل عمران: 92] وإن أحب أموالي إليَّ بَيْرَحَاء، وإنها صدقة لله أرجو برها وذخرها عند الله، فضعها يا رسول الله حيث أراك الله، فقال صلى الله عليه  وسلم: بَخٍ بَخٍ، ذلك مال رابح، مرتين، وقد سمعتُ، أُرى أن تجعلها في الأقربين، فقال أبو طلحة: أفعل يا رسول الله، فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه)) متفق عليه.

وفي رواية: لما نزلت هذه الآية: {لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ} [آل عمران: 92] قال أبو طلحة: ((يا رسول الله، أرى ربنا يسألنا من أموالنا، فأُشْهِدك أني جعلت أرضي بَيْرَحَاء لله، فقال: اجعلها في قرابتك. قال: فجعلها في حسان بن ثابت وأبي بن كعب)) رواه مسلم وأحمد.

قوله: “إن أحب أموالي إلي بَيْرحاء”، بفتح الباء وسكون الياء وفتح الراء، وهذه الكلمة جاء في ضبطها أوجه كثيرة، فيروى بفتح الباء وكسرها، وبفتح الراء وضمها، وبالمد والقصر في آخره، وهي بَيْرَحَاء على وزن فَيْعَلاء من البِرَاح، وهي الأرض الظاهرة المنكشفة. وعند أبي داود: باريحا، بإشباع الموحدة، أي بإشباع الباء. ووهِم من ضبطها بكسر الباء وفتح الهمزة فقال: بأريحا، فإن أريحا من الأرض المقدسة، وهي غير الكلمة التي في الحديث. وقال الباجي: “أفصحها بفتح الباء وسكون الياء وفتح الراء كما ذكرناها سالفًا .

قوله: ((بخ بخ)). قال في (الفتح): “إذا كررت؛ فالاختيار أن تنون الأولى وتسكن الثانية، وقد يسكنان جميعًا”. ومعنى ((بخ بخ)): تفخيم الأمر والإعجاب به.

قوله: رابح، شك القعنبي وهو راوي هذا الحديث، هل هو بالتحتانية، أي: رايح، أو بالموحدة، أي: رابح؟ وعمومًا رواه الإمام البخاري عنه بهذا الشك.

قوله صلى الله عليه  وسلم: ((سمعتُ، أرى أن تجعلها في الأقربين)) أي أن تجعل هذا الوقف وهذه الصدقة في أقاربك، وهذا هو الشاهد الذي دار حوله الحديث من العلماء، فمن هم الأقربون الذين يجوز لهم أن يوقف لهم أو يتصدق عليهم أو يدخلون في الوقف؟:

اختلف العلماء في الأقارب؛ فقال أبو حنيفة: “القرابة : كل ذي رحم مَحرم من قبل الأب أو الأم، ولكن يبدأ بقرابة الأب قبل الأم. وقال أبو يوسف ومحمد: من جمعهم أب منذ الهجرة من قِبل أب أو أم، وزاد زفر: ويقدم من قَرُب. وهو رواية عن أبي حنيفة، وأقل من يُدفع له ثلاثة، وعند محمد اثنان، وعند أبي يوسف واحد. ولا يصرف للأغنياء عندهم إلا إن شرط ذلك.

أما الشافعية فقالوا: القريب في هذا الحديث من اجتمع في النسب سواء قرب أم بعد، مسلمًا كان أو كافرًا غنيًّا أو فقيرًا ذكرًا أو أنثى، وارثًا أو غير وارث، محرمًا أو غير محرم.

وقال الإمام أحمد في القرابة كالشافعي، إلا أنه أخرج الكافر، وفي رواية عنه: القرابة كل من جمعه والموصي الأب الرابع إلى ما هو أسفل منه.

وقال الإمام مالك: يختص بالْعَصَبة سواء كان يرثه أو لا، ويبدأ بفقرائهم حتى يُغْنَوْا ثم يُعْطِي الأغنياء”. هكذا ورد كل هذا في (الفتح) لابن حجر.

أما قوله: أفعل بضم اللام، على أنه كلام أبي طلحة. وقوله: فقسمها أبو طلحة، فيه تعيين أحد الاحتمالين في لفظ أفعل؛ لأن أفعل قد يفهم منها أن هذا كلام أبي طلحة، ويفهم منها افعل، أمْر من الرسول صلى الله عليه  وسلم لأبي طلحة. لكن قوله بعدها: فقسمها أبو طلحة، عيّن أن المراد من هذه الكلمة أفعل؛ لأن الفاعل هو أبو طلحة، واحتمل أن يكون صيغة الأمر، وانتفى هذا الاحتمال الثاني بهذه الرواية.

وذكر ابن عبد البر أن إسماعيل القاضي رواه عن القعنبي عن مالك، فقال في روايته: ((فقسمها رسول الله صلى الله عليه  وسلم في أقاربه وبني عمه)) أي في أقارب أبي طلحة وبني عمه.

قال ابن عبد البر: “إضافة القَسم إلى النبي صلى الله عليه  وسلم وإن كان شائعًا في لسان العرب على معنى أنه الآمر به، لكن أكثر الرواة لم يقولوا ذلك، والصواب رواية من قال: فقسمها أبو طلحة”.

قوله: في أقاربه وبني عمه، وفي الرواية الثانية: فجعلها في حسان بن ثابت وأبي بن كعب. وقد تمسك به من قال: أقل من يعطى من الأقارب إذا لم يكونوا منحصرين اثنان، وفيه نظر؛ لأنه وقع في رواية للبخاري: فجعلها أبو طلحة في ذوي رحمه، وكان منهم حسان وأبي بن كعب، فدل ذلك على أنه أعطى غيرهما معهما.

وفي مرسل أبي بكر بن حزم: فرده على أقاربه أبي بن كعب وحسان بن ثابت، وأخيه أو ابن أخيه شداد بن أوس، فتقاوموه فباع حسان حصته من معاوية بمائة ألف درهم.

والحديث الثاني في من وقف أو تصدق على أقاربه:

عن أبي هريرة رضي الله  عنه قال: ((لما نزلت هذه الآية: {وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِين} [الشعراء: 214] دعا رسول الله صلى الله عليه  وسلم قريشًا، فاجتمعوا فعم وخص فقال: يا بني كعب بن لؤي، أنقذوا أنفسكم من النار. يا بني مرة بن كعب، أنقذوا أنفسكم من النار. يا بني عبد شمس، أنقذوا أنفسكم من النار. يا بني عبد مناف، أنقذوا أنفسكم من النار. يا بني هاشم، أنقذوا أنفسكم من النار. يا بني عبد المطلب، أنقذوا أنفسكم من النار. يا فاطمة، أنقذي نفسك من النار؛ فإني لا أملك لكم من الله شيئًا، غير أن لكم رحمًا سَأَبُلُّهَا بِبِلَالِهَا)).

وفي هذا الحديث دليلٌ على أن جميع من ناداهم رسول الله صلى الله عليه  وسلم يُطْلَق عليهم لفظ الأقربين؛ لأن النبي صلى الله عليه  وسلم فعل ذلك ممتثلًا لقوله تعالى: {وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِين} [الشعراء: 214].

واستدل به أيضًا على دخول النساء في الأقارب لعموم اللفظ، ولذكره صلى الله عليه  وسلم فاطمة.

وفي رواية للبخاري من حديث أبي هريرة أيضًا، أنه صلى الله عليه  وسلم ذكر عمته صفية، واستدل به أيضًا على دخول الفروع، وعلى عدم التخصيص بمن يرث ولا بمن كان مسلمًا.

قال في (الفتح): “ويحتمل أن يكون لفظ {الأَقْرَبِين} صفة لازمة للعشيرة، والمراد بعشيرته: قومه، وهم قريش”. وقد روى ابن مردويه من حديث عدي بن حاتم: ((أن النبي صلى الله عليه  وسلم ذكر قريشًا فقال: {وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِين} [الشعراء: 214]. يعني قومه)).

وعلى هذا فيكون قد أُمر بإنذار قومه، فلا يختص بالأقرب منهم دون الأبعد، فلا حجة فيه في مسألة الوقف؛ لأن صورتها ما إذا وقف على قرابته أو على أقرب الناس إليه مثلًا، والآية تتعلق بإنذار العشيرة.

وقال ابن المنير: “لعله كان هناك قرينة، فَهِم بها صلى الله عليه  وسلم تعميم الإنذار، ولذلك عَمَّه، ويحتمل أن يكون أولًا خص اتباعًا لظاهر القرابة، ثم عم لما عنده من الدليل على التعميم؛ لكونه صلى الله عليه  وسلم أُرسل إلى الناس كافة”.

أما قوله: ((سأبلها ببلالها)) بكسر الباء. قال في (القاموس): “بَلَّ رحمه بِلى وبلالًا، بالكسر، أي: وصلها”.

بعد هذا العرض يتبين أن الوقف في الإسلام نظام خيري، هذا النظام لم يُعرف إلا في شريعة الإسلام، وقد كان موجودًا في سلفنا الصالح وبكثرة إلى عهد قريب، وحين يتفاعل وجوده في المجتمع الإسلامي فإن هذا يدل على استيقاظ ضمير المسلم؛ لأن وجود الوقف في المجتمع الإسلامي يعتبر أثرًا من آثار الرحمة، فقد رأينا المجتمع الإسلامي تسوده عواطف كريمة ومشاعر نبيلة، كلها تفيض بالرفق والمرحمة وتتدفق بالخير.

وتجلت هذه المشاعر والعواطف فيما عرف بنظام الوقف الخيري عند المسلمين؛ فقد مضى المواسون من المؤمنين بدافع الرحمة، التي قذفها الإيمان في قلوبهم، والرغبة في مثوبة الله لهم، وأن لا ينقطع عملهم بعد موتهم، جعل كل هذا يقفون أموالهم كلها أو بعضها على إطعام الجائع، وسقاية الظمآن، وكسوة العريان، وإيواء الغريب، وعلاج المريض، وتعليم الجاهل، ودفن الميت، وكفالة اليتيم، وإعانة المحروم، وعلى كل غرض إنساني شريف، لقد أشركوا في برِّهم الحيوانَ مع الإنسانِ.

ومنذ عهد قريب كان يُوجَد ما يعرف بالوقف في أمور متعددة، فكان يوجد وقف يسمى وقف الزبادي، وهو وقف تشترى منه صحاف الخزف الصيني، فكل خادم كسرت آنيته وتعرض لغضب مخدومه، له أن يذهب إلى إدارة الوقف فيترك الإناء المكسور ويأخذ إناء صحيحًا بدلًا منه، وبهذا ينجو من غضب مخدومه عليه؛ رحمة إنسانية كانت توجد في قلوب المسلمين.

بل كان هناك وقف يسمى وقف الكلاب الضالة، وقف في عدة جهات، يُنفق من ريعه على إطعام الكلاب التي ليس لها صاحب؛ استنقاذًا لها من عذاب الجوع، حتى تستريح بالموت أو الاقتناء.

وكان هناك وقف يعرف بوقف الأعراس، وقف لإعارة الحلي والزينة في الأفراح والأعراس، يستعير الفقراء منه ما يلزمهم في أفراحهم وأعراسهم، ثم يعيدون ما استعاروه إلى مكانه، وبهذا يتيسر للفقير أن يبرز يوم عرسه بحلة لائقة؛ حتى يكتمل الشعور بالفرح وتنجبر الخواطر المكسورة.

لقد كان هناك وقف يعرف بوقف الغاضبات، وقف يؤسس من ريعه بيت يعد فيه الطعام والشراب، وما يحتاج إليه الساكنون، تذهب إليه الزوجة التي يقع بينها وبين زوجها نفور، وتظل آكلة شاربة إلى أن يذهب ما بينها وبين زوجها من الجفاء وتصفو النفوس، فتعود إلى بيت الزوجية من جديد.

إن الوقف في الإسلام نظام خيري، نظام يعتبر مبدأ من مبادئ التكافل الاجتماعي في داخل المجتمع الإسلامي، ولقد كان هذا المبدأ أو هذا النظام موجودًا بين المسلمين إلى عهد قريب؛ لأنه حين يحس المسلم بأخيه المسلم ويشعر به، تستيقظ في ضميره وفي قلبه كل معاني الرحمة، وكل معاني المودة والخير لإخوانه المسلمين، ولقد رأينا هذا المظهر بعينه موجودًا بين صحابة رسول الله صلى الله عليه  وسلم وفي سلفنا الصالح -رضوان الله تعالى عليهم.

error: النص محمي !!