Top
Image Alt

مواقف المأموم مع الإمام

  /  مواقف المأموم مع الإمام

مواقف المأموم مع الإمام

أما عن مقام المأموم من الإمام: فقد قال ابن رشد: “إنّ تحته خمس مسائل:

المسألة الأولى: مقام المأموم من الإمام:

يعني: أين يقف المأموم من الإمام؟ هل يقف إلى جواره؟ هل يقف خلْفه؟ هل يقف عن يمينه؟ هل يقف عن يساره؟ هذا هو المقصود بهذه المسألة: مقام المأموم من الإمام. وسواء كان رجلًا أو امرأة.

أ. ما قاله ابن رشد:

إنَّ ابن رشد يعالج هذه القضية: مقام المأموم من الإمام، تحت هذه المسألة. يقول-رحمه الله: 

“اتفق جمهور العلماء على: أن سُنَّةَ الواحد المنفرد -يعني: المصلِّي الواحد المنفرد- أن يقوم عن يمين الإمام؛ لثبوت ذلك من حديث ابن عباس وغيره، وأنهم إن كانوا ثلاثة سِوى الإمام، قاموا وراءه”.

إذًا، هناك اتفاق على موضعيْن: إذا كان المصلِّي واحدًا خلف الإمام، فالسُّنّة أن يقوم عن يمين الإمام. وإن كانوا ثلاثة، فالسُّنّة أن يقفوا خلْفه.

أما موضع الاختلاف: ففيما إذا كان المصلِّي اثنيْن سوى الإمام، هل يقفان إلى جانبيْه؟ أو يقفان وراءه؟ يقول ابن رشد: “اختلفوا إذا كانا اثنيْن سوى الإمام.

  • فذهب مالك، والشافعي، وأحمد إلى: أنهما يقومان خلْف الإمام.
  • وقال أبو حنيفة، وأصحابه، والكوفيون: بل يقوم الإمام بينهما. أي يكون أحدهما عن يمينه، وأحدهما عن يساره.

ب. سبب اختلاف الفقهاء:

ثم أورد اختلاف الفقهاء، أو السبب في اختلاف الفقهاء في ذلك.

لكننا قبل أن ننظر في اختلاف الفقهاء، ننظر فيما قاله ابن قدامة -رحمه الله- في كتابه (المغني):

“السُّنة: أن يقف المأمومون خلف الإمام، فإن وقفوا قدّامه -أي: أمامه- لم تصحّ. وبهذا قال أبو حنيفة، والشافعي. وقال مالك، وإسحاق: تصحّ؛ لأن ذلك لا يمنع الاقتداء به، فأشبه مَن خلفه”، يعني: الواقف أمام الإمام أشبه مَن يقف خلْف الإمام؛ لأن الاقتداء صحيح، والموضع لا يعوق الاقتداء.

ج. ما قاله ابن قدامة:

يردّ ابن قدامة على مالك بقوله: “ولنا قوله صلى الله عليه وسلم: ((إنّما جُعل الإمام ليُؤْتَمّ به))، ولأنه يحتاج في الاقتداء إلى الالتفات إلى ورائه، ولأن ذلك -أي: التّقدّم على الإمام- لم يُنقل عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا هو في معنى المنقول حتى نقيس عليه؛ فلم يصحّ. كما لو صلى في بيته بصلاة الإمام، فإنها لا تصحّ، ويفارق من خلف الإمام، فإنه لا يحتاج في الاقتداء إلى الالتفات إلى ورائه”.

ثم ذكر فصلًا آخر، يقول فيه: “وإذا كان المأموم واحدًا ذكرًا، فالسُّنَّة: أن يقف عن يمين الإمام، رجلًا كان أو غلامًا، لحديث ابن عباس وأنس. وروى جابر بن عبد الله قال: ((سِرت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة، فقام يصلِّي. فتوضأتُ، ثم جئتُ حتى قمتُ عن يسار رسول الله صلى الله عليه وسلم . فأخذ بيدي فأدارني حتى أقامني عن يمينه. فجاء جبَّار بن صخر حتى قام عن يساره، فأخذَنا بيديْه جميعًا حتى أقامنا خلْفه))، رواه مسلم وأبو داود.

فإن كانوا ثلاثة، تقدّم الإمام ووقف المأمومان خلْفه. وهذا قول عمر، وعلي، وجابر بن زيد، والحسن، وعطاء، والشافعي، وأصحاب الرأي. وكان ابن مسعود يرى: أن يقفوا جميعًا صفًّا. ولنا -أي: في وقوف الفرد عن يمين الإمام، والاثنان خلْفه، يقول: إنّ النبي صلى الله عليه وسلم أخرج جبَّار وجابرًا فجعلهما خلْفه. ولمّا صلَّى بأنس واليتيم، جعلهما خلْفه. وحديث ابن مسعود يدلّ على جواز ذلك. وحديث جابر وجبار يدل على الفضل؛ لأنه جعلهما خلْفه. ولا ينقلهما إلَّا إلى الأكمل.

فإن كان أحد المأمومين صبيًّا، وكانت الصلاة تطوعًا، جعلهما خلْفًا، لخبر أنس. وإن كانت فرضًا، جعل الرجل عن يمينه، والغلام عن يساره، كما جاء في حديث ابن مسعود. وإن جعلهما جميعًا عن يمينه، جاز. وإن وقفهما خلْفه، فقال بعض أصحابنا: لا تصحّ؛ لأنه لا يؤمّه، فلم يصادفه، كالمرأة. ويحتمل أن تصحّ؛ لأنه بمنزلة المتنفِّل، والمتنفِّل يصحّ أن يصافّ المفترض، كذا ههنا.

وإن أمَّ امرأة، وقفت خلْفه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((أخِّروهنَّ من حيث أخَّرهُنَّ الله))، ولأن أمَّ أنس وقفت خلفهما وحدها. فإن كان معهما رجل، وقف عن يمينه، ووقفت المرأة خلفهما. وإن كان معهما رجلان، وقفا خلفه، ووقفت المرأة خلفهما. وإن كان أحدهما غلامًا في تطوّع، وقف الرجل والغلام وراءه، والمرأة خلفهما، لحديث أنس. وإن كانت فريضة، وقف الرجل على اليمين، والغلام على اليسار، والمرأة خلفهم. وإن وقفت معهم في الصف في هذه المواضع، صحّ، ولم تبطل صلاتها، ولا صلاتهم؛ إنما هو دعوى إلى الأكمل.

وإن وقف الرجل الواحد والمرأة خلف الإمام، فقال ابن حامد: لا تصحّ؛ لأنها لا تؤمّه، فلا تكون معه صفًّا. وقال ابن عقيل: تصحّ على أصحّ الوجهيْن؛ لأنه وقف معه مفترض صلاته صحيحة، فأشبه ما لو وقف معه الرجل؛ وليس من الشرط أن يكون ممّن تصحّ إمامته، بدليل القارئ مع الأمِّي، والفاسق والمتنفِّل مع المفترض.

بعد هذا التفصيل الذي ذكَره ابن قدامة -رحمه الله- نعود إلى سبب اختلاف الفقهاء في هذه القضية، كما أوردها ابن رشد. يقول: السبب في اختلافهم: أنّ في ذلك حديثيْن متعارضيْن.

الحديث الأول: حديث جابر بن عبد الله، الذي رواه مسلم وأبو داود، قال: ((قمت عن يسار رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخذ بيدي فأدارني حتى أقامني عن يمينه. ثم جاء جابر بن صخر فتوضّأ، ثم جاء فقام عن يسار رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذ بأيدينا جميعًا فدفعنا حتى قُمنا خَلْفه)). وهنا لاحِظوا أنّ ابن رشد يقول: جابر بن صخر، وقد ذكره ابن قدامة: جبَّار، وليس هناك فارق كبير بين جابر وجبَّار.

والحديث الثاني: حديث ابن مسعود: ((أنه صلَّى بعلقمة، والأسود، فقام وسطهما))، وأسنده إلى النبي صلى الله عليه وسلم .

إذًا نحن أمام حديثيْن: حديث وقوف الإمام بين الاثنيْن، وحديث تقدُّم الإمام وتخلُّف الاثنيْن خلْفه.

قال أبو عمر بن عبد البر: “واختلف رواة هذا الحديث -أي: حديث ابن مسعود، أنّ الإمام يقف بين الاثنيْن، أو وسطهم- فبعضهم أوقفه، وبعضهم أسنده”، والصحيح -كما يقول أبو عمر ابن عبد البر- أنه موقوف. بل قد قال جماعة: إن الحديث منسوخ لأن ذلك إنما تعلَّمه ابن مسعود من النبي صلى الله عليه وسلم وهو بمكة، ولهذا حكى النووي في (شرح مسلم) الإجماع على مخالفة ابن مسعود في ذلك. أي: لا يقف الإمام وسط المأمومَيْن، وإنما يتقدّم، ويقفان خلْفه.

ثم قال ابن رشد عن المرأة: “وأمّا أنّ سُنة المرأة أن تقف خلْف الرجل، أو خلْف صفوف الرجال، إن كان هنالك رجل سوى الإمام، أو خلف الإمام، إن كانت وحدها، أي: لا تقف على يمينه ولا على شماله، فلا أعلم في ذلك خلافًا”. يعني: هذا إجماع على: أنّ المرأة تقف خلف الإمام أو خلْف الرجل الذي خلْف الإمام، أو خلْف الصف الذي خلْف الإمام، لثبوت ذلك من حديث أنس الذي أخرجه البخاري ومسلم: ((أنّ النبي صلى الله عليه وسلم صلَّى به -يعني: بأنس- وبأمّه، أو خالته، قال -أي قال أنس: فأقامني عن يمينه، وأقام المرأة خلفنا))، والذي خرَّجه عنه أيضًا مالك، والجماعة: أنه قال: ((فصففتُ أنا واليتيم وراءه صلى الله عليه وسلم، والعجوز مِن ورائنا)). وبهذا، يتبيّن موضع المرأة أيضًا من الإمام”.

ثم يقول: “وسُنّة الواحد عند الجمهور: أن يقف عن يمين الإمام، لحديث ابن عباس حين بات عند ميمونة”، رواه الشيخان: ((أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم يُصلِّي، فوقف إلى جواره، وصلّى بصلاته)). وقال قوم: بل عن يساره. ولا خلاف في أنّ المرأة الواحدة تصلّي خلف الإمام، وأنها إن كانت مع الرجل، صلّى الرجل إلى جانب الإمام، والمرأة خلْفه، كما ذكرنا فيما قاله ابن قدامة -رحمه الله- في هذه القضية.

تلك كانت المسألة الأولى من مسائل موضع المأمومين من الإمام، وهي الفصل الثالث من فصول الجماعة.    

المسألة الثانية: صلاة الشخص خلْف الصّفِّ وحده:

لو أن شخصًا وجد جماعة، والجماعة فيها صف خلف الإمام، فأنشأ ذلك المأموم وحده صفًا لنفسه وصلّى، هل تكون صلاته صحيحة أو غير صحيحة؟ صلاة الشخص خلف الصف وحده:

أ. ما قاله ابن رشد:

يقول ابن رشد: “أجمع العلماء على: أنَّ الصفَّ الأول مرغَّب فيه. وكذلك تراصّ الصفوف، وتسويتها، لثبوت الأمر بذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كقوله: ((لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأوّل، ثم لم يجدوا إلَّا أن يَسْتهِموا عليه -أي: يقترعوا لاسْتهَموا))، متفق عليه. وقوله صلى الله عليه وسلم: ((أقيموا صفوفكم، وتراصّوا؛ فإني أراكم من وراء ظهري))، رواه البخاري.

ثم يقول: “واختلفوا إذا صلى إنسان خلف الصّفّ وحْده:

فالجمهور على: أنّ صلاته صحيحة، وتُجزئ، وإن كان ذلك مكروهًا، لكنها صحيحة ومجزئة.

وقال أحمد، وأبو ثور، وجماعة: صلاته فاسدة، إن ركع الإمام وهو وحده.

ب. ما قاله ابن قدامة:

ماذا قال ابن قدامة في هذه القضية، في كتابه (المغني)؟

يقول -رحمه الله: “ومن صلَّى خلْف الصف وحده، أو قام بجنب الإمام عن يساره، أعاد الصلاة”، يعني: صلاته باطلة. هذا كلام الخرقي. يقول ابن قدامة في تعليقه على ذلك: “وجملته، أنّ من صلّى وحده ركعة كاملة خلف الصف، لم تصحّ صلاته. وهذا قول النخعي، والحَكم، والحسن بن صالح، وإسحاق، وابن المنذر. وأجازه الحسن، ومالك، والأوزاعي، والشافعي، وأصحاب الرأي، يعني: جمهور الفقهاء؛ لأن أبا بكر ركع دون الصف، فلم يأمره النبي صلى الله عليه وسلم بالإعادة، ولأنه موقف للمرأة -لأنّ المرأة تقف وحدها خلف صفوف الرجال- فكان موقفًا للرجل كما لو كان مع جماعة.

ثم يردّ ابن قدامة على هذا القول، ويرجّح ما قاله أحمد بأنّ صلاة المنفرد خلف الصف باطلة، أو فاسدة، يقول: “لنا ما روى وابصة بن معبد: ((أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلًا يصلِّي خلْف الصّفِّ وحده، فأمره أن يعيد))، رواه أبو داود وغيره. وقال أحمد: حديث وابصة، حسن. وقال ابن المنذر: ثبّت الحديث أحمد وإسحاق. وفي لفظ: ((سُئل النبي صلى الله عليه وسلم عن رجل صلّى وراء الصفوف وحده؟ قال: يُعيد))، رواه تمام في (الفوائد). وعن عليِّ بن شبَّان: ((أنّه صلّى بهم نبيّ الله صلى الله عليه وسلم، فانصرف ورجل فرْد خلف الصف، فوقف نبيّ الله صلى الله عليه وسلم حتى انصرف الرجل. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: استقبلْ صلاتَك -يعني: أعِد، ولا صلاة لفرْد خلْف الصف))، رواه الأثرم، وقال: قلت لأبي عبد الله: حديث ملازم بن عمرو -يعني: هذا الحديث- في هذا أيضًا حَسَن؟ قال: نعم. ولأنه خالَف الموقف، فلم تصحّ صلاته، كما لو وقف أمام الإمام.

فأمّا حديث أبي بكرة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد نهاه فقال: ((لا تَعُد))؛ والنهي يقتضي الفساد، وعذَرَه فيما فعَله لجهْله بتحريمه، وللجهل تأثير في العفو. ولا يلزم من كونه موقفًا للمرأة كونه موقفًا للرجل، بدليل اختلافهما في كراهية الوقوف واستحبابه.

وأمّا إذا وقف عن يسار الإمام، فإن كان عن يمين الإمام أحد، صحّت صلاته؛ لأن ((ابن مسعود صلّى بين علقمة والأسود، فلمّا فرغوا، قال: هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعَل))، ولأن وسط الصف موقف للإمام في حق النساء والعراة. وإن لم يكن عن يمينه أحد، فصلاة من وقف عن يساره فاسدة؛ سواء كان واحدًا أو جماعة. وأكثر أهل العلْم يرون للمأموم الواحد أن يقف عن يمين الإمام، وأنه إن وقف عن يساره خالَف السُّنة. وحكي عن سعيد بن المسيب أنه كان إذا لم يكن معه إلَّا مأموم واحد جعلَه عن يساره.

وقال مالك، والشافعي، وأصحاب الرأي: إن وقف عن يسار الإمام، صحّت صلاته؛ لأن ابن عباس لمّا أحرم عن يسار رسول الله صلى الله عليه وسلم أداره عن يمينه، ولم تبطل تحريمته، ولو لم يكن موقفًا لاستأنف التحريم، كإمام الإمام. ولأنه موقف فيما إذا كان عن الجانب الآخَر آخر، فكان موقفًا وإن لم يكن آخَر، كاليمين. ولأنه أحد جانبي الإمام، فأشبه اليمين.

تعليق آخر على هذا الكلام:

بعد هذا الكلام، هناك تعليق آخر في صفحة “234” من نفس الجزء عن مسألة الوقوف، أو الصلاة خلف الصف، وفيها يقول الخرقي: “ومَن أدرك الإمام راكعًا، فركع دون الصف -أي: خلف الصف- ثم مشى حتى دخل في الصف، وهو لا يعلم بقول النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكرة: ((زادك الله حرصًا، ولا تَعُدْ))، قيل له: ((لا تُعِدْ))، أو ((لا تَعُد))، وقد أجزأته صلاته؛ فإن عاد بعد النهي لم تُجزئه صلاته. ونص أحمد -رحمه الله- على هذا في رواية أبي طالب”.

يقول ابن قدامة: “وجملة ذلك، أنّ من ركع دون الصف ثم دخل فيه، لا يخلو من ثلاثة أحوال:

الأول: إمّا أن يصلِّي ركعة كاملة، فلا تصحّ صلاته، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا صلاة لفرْد خلف الصف)).

الثاني: أن يدبَّ راكعًا حتى يدخل في الصف -يعني: يمشي وهو راكع حتى يدخل في الصف-قبل رفع الإمام رأسه من الركوع. أو أن يأتي آخر -شخص آخر- فيقف معه، قبل أن يرفع الإمام رأسه من الركوع؛ فإن صلاته تصح.

الثالث: إذا رفع رأسه من الركوع، ثم دخل في الصف، أو جاء آخر فوقف معه قبل إتمام الركعة؛ فهذه الحال التي يُحمل عليها قول الخرقي ونصّ الإمام أحمد. فمتى كان جاهلًا بتحريم ذلك، صحَّت صلاته. وإن علم بتحريم الصلاة خلْف الصف، لم تصحّ صلاته.

وروى أبو داود عن أحمد: أنه يصحّ، ولم يفرِّق. وهذا مذهب مالك، والشافعي، وأصحاب الرأي؛ لأن أبا بكرة فعَل ذلك، وفعَله من ذكرْنا من الصحابة… إلى آخِر ما جاء في كلام ابن قدامة في كتابه (المغني)، في الجزء الثاني.

ج. سبب اختلاف الفقهاء:

والآن مع سبب اختلاف الفقهاء في صلاة المنفرد خلْف الصف، وهل هي تجزئه وتصحّ، كما قال الجمهور؟ أو لا تصح ولا تجزئ، كما قال أحمد؟

يقول ابن رشد -رحمه الله: سبب اختلافهم في هذا الأمر: اختلافهم في تصحيح حديث وابصة، ومخالفة العمل له. وحديث وابصة، هو أنه صلى الله عليه وسلم قال: ((لا صلاةَ لقائم خلْف الصف)). وكان الشافعي يرى: أنّ هذا الحديث يعارضه قيام العجوز وحدها خلف الصف، أي: المرأة في حديث أنس الذي تقدَّم؛ حيث صلّى النبي صلى الله عليه وسلم به وبأمّه أو خالته. وكان أحمد يقول: ليس في ذلك حجة؛ لأن سنَّة النساء هي: القيام خلف الرجال. وكان أحمد -كما قلنا يصحِّح حديث وابصة. وقال غيره: هو مضطرب الإسناد، لا تقوم به حجّة.

واحتجَّ الجمهور بحديث أبي بكرة، الذي رواه البخاري، وأبو داود، والنسائي، أنّه ركع دون الصف، فلم يأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم بالإعادة، وقال له: ((زادك الله حرصًا، ولا تَعُد)). ولو حُمل هذا على الندب، لم يكن تعارض. ومن هذا يتبيّن أنّ جمهور الفقهاء على: أنَّ صلاةَ المنفرد خلف الصف تجزئه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر أبا بكرة بإعادة الصلاة، وإن كان الآخرون يحملون ذلك على جهْله، وعدم معرفته. أمّا مَن علِم أنّ الصلاة خلف الصف لا تجوز، ومع هذا صلّى، فإن صلاته تكون فاسدة.

والصحيح: ما ذهب إليه جمهور الفقهاء من أنَّ الصلاة مجزئة، وصحيحة خلف الصف، ولكن مع الكراهة.

المسألة الثالثة: الإسراع إلى الصلاة:

أ. ما قاله ابن رشد:

يقول ابن رشد: اختلف الصدر الأوّل -أي: من الصحابة رضي الله عنهم في الرجُل يريد الصلاة، فيسمع الإقامة، هل يُسرع المشي إلى المسجد؛ مخافة أن يفوته جزء من الصلاة؟ أم لا يسرع؟ تلك هي المسألة.

رُوي عن عمرو، وابن مسعود: أنهم كانوا يسرعون المشي إذا سمعوا الإقامة. إذًا هذا وارد. ورُوي عن زيد بن ثابت، وأبي ذر، وغيرهم من الصحابة: أنهم كانوا لا يرَوْن السعي -أي: الإسراع بالمشي- بل أن تُؤتى الصلاة بوقار، وسَكينة، وهدوء، وطمأنينة. وبهذا القول قال فقهاء الأمصار؛ لحديث أبي هريرة الثابت، الذي رواه الجماعة: ((إذا ثُوِّب بالصلاة فلا تأتوها وأنتم تسْعَوْن، وأْتوها وعليكمُ السَّكينة)).

ب. سبب اختلاف الفقهاء:

قال ابن رشد: ويُشبه أن يكون سبب الخلاف في ذلك: أنه لم يَبلُغهم هذا الحديث -أي: حديث أبي هريرة: ((إذا ثُوِّب بالصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعَوْن، وأْتوها وعليكم السكينة))- أو أنه ربما بلَغهم ولكن الكتاب يُعارضه -الكتاب أي: القرآن الكريم- لأن في القرآن الكريم دعوى إلى المسارعة إلى الخيرات، والمبادرة بأدائها، كما في قوله سبحانه وتعالى: {فَاسْتَبِقُواْ الْخَيْرَاتِ} [البقرة: 148]، وقوله سبحانه وتعالى: {وَالسّابِقُونَ السّابِقُونَ (10) أُوْلَـَئِكَ الْمُقَرّبُونَ} [الواقعة: 10، 11]، وقوله سبحانه وتعالى: {وَسَارِعُوَاْ إِلَىَ مَغْفِرَةٍ مّن رّبّكُمْ} [آل عمران: 133].

ثم يعقِّب على ذلك، بقوله: وبالجملة، فأصول الشرع تشهد بالمبادرة إلى الخير، لكن إذا صحَّ الحديث – أي: حديث أبي هريرة، وقد صحَّحه ولقبه بأنه ثابت، رواه الجماعة- وجب أن تُستثنى الصلاة من بين سائر أعمال القُرب. بمعنى: أنّ سائر أعمال القُرب يُبادر الإنسان إلى أدائها، ويُسرع إلى القيام بها، ويتسابق فيها. أمّا الصلاة، فلورود الحديث على من يذهب إليها أن يتحلَّى بالسكينة والوقار، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم، فذلك أشبه بالصلاة، وأقرب إلى طبيعتها.

هذا الكلام الذي ذكَره ابن رشد -رحمه الله- نجد تعليقًا عليه في كتاب (المغني) لابن قدامة، تحت عنوان: “آداب المشي إلى الصلاة”.

ج. ما قاله ابن قدامة:

يقول ابن قدامة -رحمه الله: “يُستحبّ للرجل إذا أقبل إلى الصلاة، أن يُقبِلَ بخوف، ووجل، وخشوع، وخضوع، وعليه السكينة، والوقار. وإن سمع الإقامة لم يَسْع إليها، أي: لم يركض، ولم يسرع، ولم يتابع الخطى، وإنما يمشي بسكينة، ووقار، لِما روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((إذا سمعتم الإقامة فامشوا وعليكم السكينة والوقار. فما أدركتُم فصلُّوا، وما فاتكم فأتِمُّوا)). وعن أبي قتادة قال: ((بينما نحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ سمع جَلَبَة رجال -يعني: أصواتًا وصخبًا.. فلما صلّى، قال: ما شأنكم؟ قالوا: استعجلنا إلى الصلاة. قال: فلا تفعلوا! إذا أتيتم إلى الصلاة فعليكم بالسكينة! فما أدركتم فصلُّوا، وما فاتكم فأتِمُّوا))، متفق عليهما. وفي رواية: بدل: ((وما فاتكم فأتِمُّوا)) قال: ((وما فاتكم فاقْضُوا)). قال الإمام أحمد: ولا بأس إذا طمع أن يُدرك التكبيرة الأولى أن يسرع شيئًا ما، ما لم يكن عجلة تَقبح، يعني: الجري. وممكن أن يعرِّضه ذلك إلى الوقوع، أو إلى الإصابة، أو نحو ذلك.والإسلام دين التيسير، ودين الرحمة.

جاء الحديث عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم كانوا يعجلون شيئًا – يعني: يسرعون شيئًا ما إذا خافوا فوات التكبيرة الأولى.

ويُستحب أن يقارب بين خطْوه؛ لتَكثر حسناته؛ لأن كلّ خطوة يُكتب له بها حسنة، ويُرفع عنه بها خطيئة. فإذا قارب بين الخطوات، كثرت الخطوات إلى المسجد، وبالتالي كثرت الحسنات. وقد روى عبد بن حميد في (مسنده) بإسناد عن زيد بن ثابت قال: ((أقيمت الصلاة، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يمشي وأنا معه. فقارب في الخُطى، ثم قال: أتدري لمَ فعلتُ هذا؟ لتَكثر خُطانا في طلب الصلاة)). إذًا علينا أن نراعي ذلك التقارب بين خطواتنا في مشينا إلى المسجد.

يضيف أيضًا: ويُكرَه أن يشبِّك بين أصابعه، لِما روي عن كعب بن عجرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا توضأ أحدُكم فأحسن وضوءه، ثم خرج عامدًا -أي: مُتَّجهًا إلى المسجد. فلا يشبِّكنَّ يديْه، فإنه في الصلاة))، رواه أبو داود.

ومن تمام الفائدة أيضًا: أن نتابع ما قاله ابن قدامة في آداب المشي إلى الصلاة، غير الإسراع الذي ذكَره ابن رشد فقط. يقول ابن قدامة: ويُستحب أن يقول ما روى ابن عباس ((أنّ النبي صلى الله عليه وسلم خرج إلى الصلاة، وهو يقول: اللهم اجعل في قلبي نورًا، وفي لساني نورًا. واجعل في سمعي نورًا. واجعل في بصري نورًا. واجعل من خلفي نورًا، ومن أمامي نورًا. واجعل من فوقي نورًا، ومن تحتي نورًا. وأعطني نورًا))، أخرجه مسلم.

ومن تمام الفائدة أيضًا، قال ابن قدامة: فإذا دخل المسجد، قدَّم رجله اليمنى، وقال ما رواه مسلم عن أبي حميد، أو أبي أسيد، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا دخل أحدُكم المسجد، فلْيقلْ: اللهم افتحْ لي أبواب رحمتك. وإذا خرج فلْيقلْ: اللهم إني أسألك من فضلك)). وعن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت: ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل المسجد، صلّى على محمد وسلّم، وقال: ربِّ اغفر لي ذنوبي، وافتح لي أبواب رحمتك. وإذا خرج صلّى على محمد، وقال: ربِّ اغفر لي وافتح لي أبواب فضلك))، رواه الترمذي.

ومن الآداب أيضًا يقول ابن قدامة: ولا يجلس حتى يركع ركعتيْن -أي: تحيّة المسجد، لِما روى أبو قتادة أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا دخل أحدُكم المسجد، فلا يجلسْ حتى يركعَ ركعتيْن))، متفق عليه. ثم يجلس مستقبلَ القبلة، ويشتغل بذكْر الله سبحانه وتعالى أو قراءة القرآن، أو يسكت، ولا يخوض في حديث الدنيا، ولا يشبّك أصابعه، لِما روى أبو سعيد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((إذا كان أحدكم في المسجد، فلا يشبِّكَنْ! فإن التّشبيك من الشيطان. وإن أحدَكم لا يزال في صلاة ما كان في المسجد، حتى يخرج منه))، رواه أحمد في (المسند). وإذا أقيمت الصلاة، لم يشتغل عنها بنافلة؛ سواء خشي فوات الركعة الأولى، أو لم يَخْش؛ وبهذا قال أبو هريرة، وابن عمر، وعروة، وابن سيرين، وسعيد بن جبير، والشافعي، وإسحاق، وأبو ثور.

وروي عن ابن مسعود أنه دخل والإمام في صلاة الصبح، فركع ركعتي الفجر، أي: ركعتي السُّنّة اللَّتَين تكونان قبل الصلاة؛ وهذا مذهب الحسن، ومكحول، ومجاهد، وحماد بن أبي سليمان. وقال مالك: إن لم يخَفْ فوات الركعة، ركعهما خارج المسجد. وقال الأوزاعي، وسعيد بن عبد العزيز، وأبو حنيفة: يركعهما، إلَّا أن يخاف فوات الركعة الأخيرة.

يردُّ ابن قدامة على ذلك الرأي، بقوله: “ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((إذا أُقيمت الصلاة، فلا صلاة إلَّا المكتوبة))، رواه مسلم، ولأنّ ما يفوته مع الإمام أفضل ممّا يأتي به منفردًا، فلم يشتغل به كما لو خاف فوات الركعة.

المسألة الرابعة: متى ينهض المأموم للصلاة؟

أ. ما قاله ابن رشد:

يقول ابن رشد -رحمه الله- تحت عنوان: المسألة الرابعة: متى ينهض للصلاة؟ متى يُستحب أن يقام إلى الصلاة؟

يحكي أنّ العلماء اختلفوا في هذه القضية:

“فبعضهم استحسن البدءَ في أوّل الإقامة، على الأصل في الترغيب في المسارعة. يعني: بمجرَّد أن يستمع الحاضرون في المسجد إلى المؤذِّن يؤذِّن أذانَ الإقامة، قاموا بناء على الأصل الذي يدعو ويرغِّب في المسارعة، كقوله سبحانه وتعالى: {وَسَارِعُوَاْ إِلَىَ مَغْفِرَةٍ مّن رّبّكُمْ} [آل عمران: 133]، أو قوله: {فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ} [المائدة: 48].

وبعض العلماء قالوا: لا يقوم الجالس إلَّا عند قول المؤذِّن: “قد قامت الصلاة”.

وبعضهم قال: لا يقوم المصلِّي إلَّا عند قول المؤذِّن: “حيَّ على الفلاح”.

وبعضهم قال: لا يقوم الجالسون حتى يرَوا الإمام.

وبعضهم لم يحدَّ في ذلك حدًّا. يعني: لم يقل: منذ بدء الأذان، ولا عند “قد قامت”، ولا عند “حيَّ على الصلاة”، ولا بعد انتهاء المؤذِّن، ولا عند رؤية الإمام؛ لم يضع حدًّا لذلك، كالإمام مالك رحمه الله؛ فإنه وكَل ذلك إلى قَدْر طاقة الناس.

يقول ابن رشد في التعقيب على هذه الأقوال: “وليس في هذا شرعٌ مسموعٌ”، يعني: ليس هناك روايات أو آثار رُويت للتنبيه على متى يقوم؟ أو متى ينهض الجالس للصلاة؟ إلَّا حديث أبي قتادة الذي رواه الجماعة: أنه قال صلى الله عليه وسلم: ((إذا أُقيمت الصلاة، فلا تَقوموا حتى تَرَوْني))، زاد مسلم: ((حتى تَروْني قد خرجتُ)). فإن صحَّ هذا الحديث، وجب العمل به. أي: لا يُسنُّ للجالس أن يقوم ويستعدَّ للصلاة، أو يقف في الصفِّ، إلَّا إذا رأى الإمام. وإذا لم يصحَّ الحديث، فتبقى المسألة محلَّ خلاف واجتهاد، وتكون قائمة على أصلها، وإلَّا فالمسألة باقية على أصلها المعفوِّ عنه. أي: ما دام ليس فيها شرع، ولا سُنّة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهي على الأصل في العفو، والتساهل، والتسامح.

يصحّ أن يقوم المصلِّي عند قول المؤذِّن: “الله أكبر”، أو عند قوله: “أشهد أن لا إله إلَّا الله”، أو عند قوله: “أشهد أنّ محمدًا رسول الله”، أو عند قوله: “حيّ على الصلاة”، أو “حيّ على الفلاح”، أو “قد قامت الصلاة”، أو لا يقوم حتى ينتهي المؤذِّن من أذان الإقامة، أو لا يقوم حتى يرى الإمام قد دخل. وأنه متى قام كلٌّ فحسنٌ. يعني: من قام في البداية، فهو حسنٌ. ومن قام في النهاية، فهو حسنٌ. ومن قام في الوسط، فهو حسنٌ. وهذا من ابن رشد كلام طيِّب وجميل.

ب. ما قاله ابن قدامة:

ابن قدامة -رحمه الله- أيضًا له تعليق في هذه القضية؛ حيث يقول في كتابه (المغني)، تحت عنوان: فصل: ويُستحبّ أن يقومَ إلى الصلاة عند قول المؤذِّن: “قد قامت الصلاة”؛ وبهذا قال مالك. قال ابن المنذر: على هذا أهل الحرميْن. وقال الشَّافعي: يقوم إذا فرغ المؤذِّنُ من الإقامة. وكان عمر بن عبد العزيز، ومحمد بن كعب، وسالم، وأبو قلابة، والزهري، وعطاء، يقومون في أوَّل جملة من الإقامة. وقال أبو حنيفة: يقوم إذا قال: “حيَّ على الصَّلاة”، فإذا قال: “قد قامت الصَّلاة” كبَّر. وكان أصحاب عبد الله يكبِّرون إذا قال المؤذِّن: “قد قامت الصلاة”. وبه قال: سويد بن غفلة، والنخعي. واحتجّوا بقول بلال للنبيصلى الله عليه وسلم: “لا تَسبِقْني بـ”آمين”!”؛ فدلَّ على أنه يُكبِّر قبل فراغه. أي: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يكبِّر قبل فراغ بلال من تمام الإقامة، ولذلك قال له بلال: “لا تَسبِقْني بـ”آمين”!”. ولا يُستحبّ عندنا أن يُكبِّر إلَّا بعد فراغه -أي: فراغ المؤذِّن- من الإقامة؛ وهو قول الحسن، ويحيى بن وثاب، وإسحاق، وأبي يوسف والشافعي، وعليه جلُّ الأئمة في الأمصار.

وإنما قلنا: إنه يقوم عند قوله: “قد قامت الصلاة”؛ لأن هذا خبر بمعنى الأمر، ومقصوده الإعلام ليقوموا؛ فيُستحب المبادرة إلى القيام، امتثالًا للأمر، وتحصيلا للمقصود. أما التكبير، فلا يكبِّر الإمام -أي: تكبيرة الإحرام- حتى يفرغ المؤذِّن؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما كان يكبِّر بعد فراغه؛ دلّ على ذلك: ما روي عنه أنه كان يعدِّل الصفوف بعد إقامة الصلاة، ويقول في الإقامة مثل قول المؤذِّن، وهكذا…

المسألة الخامسة: الاقتداء بالإمام قبل الوصول إليه.

أ. ما قاله ابن رشد:

تحت مسألة: اقتداء المأموم بالإمام قبل أن يصل إليه -أي: بمجرّد أن يدخل المسجد، ليدرك الإمام أو نحو ذلك- يحكي ابن رشد اختلاف العلماء في هذه القضية، فيقول:

“ذهب مالك وكثير من العلماء إلى: أنّ الداخل وراء الإمام إذا خاف فوات الركعة بأن يرفع الإمام رأسه منها إن تمادى -أي: تأخّر المأموم- حتى يصل إلى الصف الأول، أنّ له أن يركع دون الصف الأوّل، ثم يدبّ راكعًا -أي: يمشي وهو راكع- لِيدرك الصف.

وكَرِه ذلك الشافعي رحمه الله.

وفرَّق أبو حنيفة -رحمه الله- بين الجماعة والواحد، فكرهَه للواحد، وأجازه للجماعة.

وما ذهب إليه مالك من جواز الاقتداء قبل الوصول إلى الصف خوفًا من فوات الركعة، مرويّ عن زيد بن ثابت، وابن مسعود رضي الله عنهما.

ب. سبب اختلاف الفقهاء:

وسبب الاختلاف بين الأئمة الثلاثة في هذه القضية، وهي: قضية الاقتداء لإدراك الإمام في الركوع حتى يدرك المأموم الركعة، وذلك قبل أن يَصل إلى الصف، ثم يمشي وهو راكع حتى يصل إلى الصف، أو يقوم مع الإمام، ثم يتحرّك وينضمّ إلى الصف: هذا الاختلاف يحكي ابن رشد أنّ سببه: اختلاف الأئمة في تصحيح حديث أبي بكرة الذي رواه البخاري، وأبو داود، والنسائي. أبو بكرة دخل المسجد، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يصلّي بالناس وهم ركوع، فركع – أي: قبل أن يصل إلى الصف- ثم سعى وهو راكع إلى الصف. فلما انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من السّاعي؟ قال أبو بكرة: أنا، قال: ((زادك الله حرصًا، ولا تَعُد)). يعني: زادك الله حرصًا على الصلاة، وعلى إدراك الركعة مع الإمام، لكن لا تَعُد إلى مثل ذلك. هذا ما حكاه ابن رشد -رحمه الله- في اقتداء المصلي بالإمام قبل أن يَصل إلى الصف.

ج. ما قاله ابن قدامة:

يقول -رحمه الله- تحت مسألة ذكَرها الخرقي بقوله: “ومن صلى خلف الصف وحده، أو قام بجنب الإمام عن يساره، أعاد الصلاة”. وجملته، أنّ من صلّى وحده ركعة كاملة، لم تصحّ صلاته. وهذا قول النخعي، والحَكم، والحسن بن صالح، وإسحاق، وابن المنذر. وأجازه الحسن، ومالك، والأوزاعي، والشافعي، وأصحاب الرأي. لأنَّ أبا بكر ركع دون الصف، فلم يأمُره النبي صلى الله عليه وسلم بالإعادة. ولأنه موقف للمرأة، فكان موقفًا للرجل، كما لو كان مع جماعة.

ثم يضيف أيضًا -ابن قدامة- إلى ذلك قوله: “السُّنّة أن يقف المأمومون خلْف الإمام، فإن وقفوا قدّامه، لم تصحّ؛ وبهذا قال أبو حنيفة، والشافعي. وقال مالك، وإسحاق: تصحّ؛ لأن ذلك لا يمنع الاقتداء بالإمام، فأشبه مَن خلفه”.

ثم يضيف في القضية نفسها ما قاله الخرقي، بقوله: “ومن أدرك الإمام راكعًا، فركع دون الصف، ثم مشى حتى دخل في الصف، وهو لا يعلم بقول النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكرة: ((زادك الله حرصًا، ولا تَعُد))، قيل له: ((لا تَعُد))، وقد أجزأتْه صلاته، فإن عاد بعد النهي، لم تُجزئْه صلاتُه. ونصّ أحمد -رحمه الله- على هذا في رواية أبي طالب”.

يقول ابن قدامة في التعليق على هذه المسألة: جملة ذلك، أنّ من ركع دون الصف، ثم دخل فيه، لا يخلو من ثلاثة أحوال:

الأول: إما أن يصلّي ركعة كاملة، فلا تصحّ صلاته، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا صلاة لفرْد خلْف الصف)). -وقد مضت هذه المسألة فيما مضى من المسائل.

الثاني: أن يدبَّ راكعًا -أي: يتحرك ويمشي وهو راكع- حتى يدخل في الصف، قبل رفع الإمام رأسه من الركوع، أو أن يأتي آخر فيقف معه قبل أن يرفع الإمام رأسه من الركوع؛ فإن صلاته حينئذٍ تصحّ؛ لأنه أدرك مع الإمام في الصف ما يدرك به الركعة. وممن رخَّص في ركوع الرجل دون الصف: زيد بن ثابت، وفَعَله ابن مسعود، وزيد بن وهب، وأبو بكر بن عبد الرحمن، وعروة، وسعيد بن جبير، وابن جريج. وجوَّزه الزهري، والأوزاعي، ومالك، والشافعي، إذا كان قريبًا من الصف.

الثالث: إذا رفع رأسه من الركوع، ثم دخل في الصف، أو جاء آخر فوقف معه قبل إتمام الركعة؛ فهذه الحال التي يحمل عليها قول الخرقي ونصّ الإمام أحمد. فمتى كان جاهلًا بتحريم ذلك، صحَّت صلاته. وإن علِم لم تصحّ صلاته. وروى أبو داود عن أحمد: أنه يصحّ، ولم يفرِّق؛ وهذا مذهب مالك، والشافعي، وأصحاب الرأي؛ لأن أبا بكرة فعَل ذلك، وفعَله مَن ذكرْنا من الصحابة: زيد بن ثابت، وابن مسعود، وزيد بن وهب، وأبو بكر بن عبد الرحمن، وغيرهم…

ثم يضيف: “ولنا ما روي: أن أبا بكرة انتهى إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو راكع، فركع قبل أن يصل إلى الصف، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال: ((زادك الله حرصًا، ولا تَعُد))، رواه البخاري. ورواه أبو داود، ولفظه: ((أن أبا بكرة جاء ورسول الله صلى الله عليه وسلم راكع، فركع دون الصف، ثم مشى إلى الصف. فلمّا قضى النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة، قال: أيّكم الذي ركع دون الصف ثم مشى إلى الصف؟ فقال أبو بكرة: أنا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: زادك الله حرصًا، ولا تَعُد)). فلم يأمُرْه بإعادة الصلاة، ونهاه عن العوْد، والنّهي يقتضي الفساد. فإن قيل: إنما نهاه عن التهاون، والتخلف عن الصلاة. قلنا: إنما يعود النهي إلى المذكور، والمذكور: الركوع دون الصف، ولم ينسبه النبي صلى الله عليه وسلم إلى التهاون، وإنما نسبه إلى الحرص، ودعا له بالزيادة فيه، فكيف ينهاه عن التهاون وهو منسوب إلى ضدِّه؟

وروي عن أحمد رواية أخرى: أنه لا تصحّ صلاته عالِمًا أو جاهلًا؛ لأنه لم يدرك في الصف ما يدرك به الركعة، أشبه ما لو صلى ركعة كاملة. وعلى هذا، يُحمل حديث أبي بكرة أنه دخل في الصف قبل رفع النبي صلى الله عليه وسلم رأسه، وقد قال أبو هريرة: ((لا يركعْ أحدُكم حتى يأخذَ مقامَه من الصف)). ولم يُفرِّق القاضي في هذه المسألة بين مَن رفَع رأسه من الركوع ثم دخل، وبين من دخل فيه راكعًا. وكذلك كلام أحمد والخرقي، ولا تفريق فيه، والدليل يقتضي التفريق، فيُحمل كلامهم عليه. وقد ذكره أبو الخطاب نحوًا ممّا ذكرناه.

إذًا هل يجوز للمأموم أو للداخل أن يقتدي بالإمام قبل أن يصل إلى الصف ليدرك الركعة، ثم يدبّ -أي: يمشي ويتحرك وهو راكع- حتى يصل إلى الصف؟

الإمام مالك، وكثير من العلماء ذهبوا إلى ذلك، وإلى تصحيح صلاته، كما فعَل النبي صلى الله عليه وسلم مع أبي بكرة.

إنما كرِه الشافعي ذلك مع تصحيح الصلاة، لقول النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكرة: ((لا تَعُد)).

الحنابلة قالوا: إن كانت الركعة كاملة، فتكون الصلاة باطلة؛ لأنها صلاة خلف الصف. وإن كان مجرَّد الركوع وهو جاهل بالحُكم، فعليه أن ينتهي عن ذلك فيما يأتي. فإن لم يَنْته، كانت صلاته باطلة، لنهْي النبي صلى الله عليه وسلم عن مثل ذلك بقوله لأبي بكرة: ((ولا تَعُد)).

error: النص محمي !!